هذا المقال بقلم الدبلوماسي التركي أردم أوزان، سفير أنقرة السابق لدى الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN .
أصبح مضيق هرمز أحطر منطقة رمادية في العالم، إذ كانت تعد هذه المساحة منطقة اختناق بحرية تستطيع فيها الدول أن تمارس حرباً اقتصادية دون أن تتجاوز العتبة القانونية، باستخدامها كممر شحن على الخريطة، لتصبح أكثر مفاصل الاقتصاد العالمي هشاشة، والمكان الذي تنكشف فيه حدود القانون الدولي والقوانين البحرية الدولية بشكل مباشر.
على مدى عقود، افترض القانون البحري عالماً ثنائياً، تتحدد قواعده بين السلم والحرب، والحصار والمرور، وما يرافقهما من هجوم أو ضبط نفس. لكن هرمز حطم هذه الثنائية اليوم، ولم يعد يحتاج المضيق إلى أن يُغلق حتى يتم استخدامه كسلاح، ولا أن يأتي التعطيل من خلال إغلاق رسمي، وإنما بضربات بطائرات مسيّرة لا يُعلن عنها، وهجمات تقع دون الحد القانوني للنزاع المسلح، تاركاً المجال للغموض والتأويل وحده ليشعل فتيل نزاع.
وللأسف بات الاستخدام المتعمد لعدم اليقين القانوني كأداة استراتيجية طبيعة صراع المنطقة الرمادية، الذي يتم فيه استغلال ثغرات القانون ليتم انتهاكه بسهولة. ومما لا شك فيه أن في هرمز، أصبحت هذه الثغرات خطوط صدع في الاستقرار العالمي ككل.
القانون البحري الدولي صُمم للأساطيل، وتنظيم السفن، يضمن حرية الملاحة، لكنه لا يملك آلية لمعالجة ما يعادل الإغلاق فعلياً، فممكن أن يضمن أن المضيق مفتوح تقنياً، لكنه لا يستطيع ضمان أمانه عملياً. ونجد قصوره أوضح في التعامل مع إجراءات شركات التأمين وسلاسل الإمداد. إذ يمكن للقانون أن يقدم تعريف لمعنى الحصار البحري، لكنه لا يستطيع تعريف الصدمات الاقتصادية الناتجة عن هجوم واحد على ناقلة تحمل جزءاً من إمدادات الطاقة اليومية في العالم.
هذا هو الفراغ القانوني الذي تعمل ضمنه الدول اليوم وفق قانون البحار، الذي ينص على وجوب بقاء الملاحة حرة. لكن وفق قانون الحروب البحرية، يمكن استهداف خطوط الإمداد بشروط معينة. وتدخل قوانين ومبادئ أخرى على الخط مثل قوانين الدفاع عن النفس، التي يمكن من خلالها تبرير معظم الأفعال إذا قُدمت على أنها استباقية دفاعاً عن النفس. هذا التداخل بين القوانين والمبادئ القانونية لا يشكل حماية للمضيق ومن فيه، بل هو دعوة للصراع الحديث الذي يُدار بشكل متزايد في المساحة بين التعريفات القانونية.
وتداعيات ذلك الصراع تصبح دولية خلال دقائق، جالبة تعقيدات وحسابات مصالح إضافية، فحادث واحد في هرمز يمكن أن يحرك أسواق الطاقة مباشرة، ويرفع تكاليف التأمين خلال ليلة واحدة، ويدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها آلاف الأميال. هذا الضرر الواسع والمنهجي، ستتحمله كل الدول حتى البعيدة عن النزاع. ومع ذلك، لا يوجد علاج قانوني لهذا النوع من الإكراه غير المباشر. فالنظام القائم على القواعد لم يُصمم لعالم تضخم فيه الترابط الاقتصادي نتيجة الاضطرابات السياسية.
وما يبدأ في البحر لا يبقى فيه، إذ نرى ذلك على اليابسة في تآكل ضبط النفس الدبلوماسي. عندما يستند المسؤولون إلى سرديات تاريخية أو دينية لتبرير مطالبات إقليمية، فهم لا يعبرون فقط عن رأي، بل يخلقون مناطق رمادية سياسية، مساحات تتآكل فيها القواعد دون أن تُلغى رسمياً. فمثلاً ميثاق الأمم المتحدة يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وقرارات مجلس الأمن 242 و338 تؤكد هذا المبدأ، وقد كرسته محكمة العدل الدولية مراراً. كقواعد أساسية.
ومع ذلك، تتراجع الثقة بهذه القواعد في المنطقة، ليس لأنها أُلغيت، بل لأنها تُعامل بشكل متزايد كخيار. وهكذا يتفكك النظام القائم على القواعد بتراكم الاستثناءات حتى يفقد النظام قدرته على الردع.
الاقتصاد العالمي يشعر بهذا التآكل أولاً، لأن عدم الاستقرار البحري يرفع التكاليف على جميع أطراف سلاسل الإمداد، وبنفس الوقت التصلب السياسي يضيق مساحة التفاوض، والكارثة أن الأسواق تستجيب مباشرة للإشارات قبل أن تستجيب للاتفاقيات. إذ أنها ترى الفجوة بين القواعد المعلنة والسلوك الفعلي، وتصبح أكثر تشككاً في فكرة القانون الدولي نفسها.
هرمز هو التحذير، يوضح ما يحدث عندما تتعلم الدول العمل خارج روح القانون مع البقاء ضمن نصه. ويظهر كيف يمكن للغموض أن يتحول بسهولة إلى استراتيجية. ويكشف مدى سرعة تحول العالم إلى مكان أكثر خطورة عندما تتوقف آليات منع التصعيد عن العمل.
وهنا يجب على الدبلوماسية أن تملأ هذا الفراغ، بالعمل على صياغة سياسات وتفاهمات تتحول لقوانين واضحة وحديثة، ومرتبطة بالتزامات قابلة للتنفيذ. فالشرق الأوسط لا يحتاج للتذكير بالقانون الدولي، وإنما إلى دليل على أن حماة النظام الدولي ما زالوا يؤمنون بالنظام الذي يدّعون الدفاع عنه، حمايةً لأدوات المساءلة والردع من الأزمات.
* نبذة عن الكاتب:
أردم أوزان دبلوماسي تركي متمرس يتمتع بخبرة 27 عامًا في الخدمة الدبلوماسية. وقد شغل العديد من المناصب البارزة، بما في ذلك منصبه الأخير كسفير لدى الأردن، بالإضافة إلى مناصب في الإمارات العربية المتحدة والنمسا وفرنسا ونيجيريا.
ولد في إزمير عام 1975، وتخرج بمرتبة الشرف من كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. واكتسب معرفة واسعة بالمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث قام بتحليل تعقيدات الصراعين السوري والفلسطيني، بما في ذلك جوانبهما الإنسانية وتداعياتهما الجيوسياسية.
كما شارك في العمليات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتخصص في مجال حقوق الإنسان والتطورات السياسية الإقليمية. وتشمل مساهماته توصيات لتعزيز السلام والاستقرار من خلال الحوار والتفاوض بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ويواصل حاليا دراساته عن الشرق الأوسط بينما يعمل مستشارا.
المصدر:
سي ان ان