في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تسريب حصلت عليه سكاي نيوز عربية يفضح كواليس اختيار البرهان من قبل "الإخوان"#نيوز_بلس #السودان pic.twitter.com/Fy636XIb7m
— سكاي نيوز عربية (@skynewsarabia) March 15, 2026
في واحد من أخطر التسريبات السياسية منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، يكشف تسجيل منسوب إلى القيادي البارز في الحركة الإسلامية السودانية (تنظيم الإخوان) عثمان محمد يوسف كِبِر عن رواية مختلفة تماما لطبيعة السلطة القائمة في السودان.
وبحسب ما ورد في حديث كِبِر، فإن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لم يصل إلى قمة السلطة العسكرية بوصفه قائدا مستقلا، بل باعتباره خيارا سياسيا دفع به تنظيم الإخوان في لحظة مفصلية أعقبت سقوط البشير.
من هو عثمان محمد يوسف كِبِر؟
تكتسب التصريحات المسربة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع صاحبها داخل بنية الحركة الإسلامية السودانية، إذ يعد عثمان محمد يوسف كِبِر أحد أبرز القيادات التاريخية في التنظيم، ويشغل حاليا رئاسة مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني، الذراع السياسية للحركة الإسلامية السودانية، كما يتولى موقعا قياديا داخل التنظيم والحركة.
وقبل سقوط نظام البشير في أبريل 2019، كان كِبِر يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، ليكون أحد أعلى المسؤولين في هرم السلطة آنذاك، وأحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بالمشروع الإسلامي الذي حكم السودان لنحو 3 عقود.
هذه الخلفية التنظيمية والسياسية تمنح حديثه في التسجيل المسرب وزنا خاصا، إذ لا يبدو مجرد رأي سياسي شخصي، بل شهادة صادرة من داخل دائرة القرار في الحركة الإسلامية حول طبيعة العلاقة بين التنظيم والمؤسسة العسكرية في السودان.
البرهان خيار الإخوان
في أخطر ما ورد في التسجيل، يقدم كِبِر رواية مباشرة عن كيفية وصول البرهان إلى رئاسة المجلس العسكري بعد سقوط نظام البشير.
وبحسب حديثه، لم يكن البرهان شخصية محورية داخل المؤسسة العسكرية في تلك اللحظة، بل جرى الدفع به إلى موقع القيادة بعد استقالة قائد الجيش السابق عوض بن عوف، في خطوة هدفت إلى ملء الفراغ السياسي والعسكري الذي أعقب سقوط النظام.
وفي أحد أبرز المقاطع الواردة في التسجيل، يقول كِبِر: "البرهان لم يكن له قيمة في الجيش ولم يكن أكثر من مجرد حرس. نحن من جئنا به منذ البداية ليكون رئيسا للمجلس العسكري، لسحق جماهير الثورة وإرجاع سلطتنا وتثبيتها".
ويقدم هذا التصريح رواية مختلفة جذريا عن الرواية الرسمية التي قدمت البرهان بوصفه قائدا عسكريا قاد مرحلة انتقالية معقدة، إذ يضع صعوده في سياق قرار سياسي اتخذته الحركة الإسلامية للحفاظ على نفوذها داخل الدولة.
تبعية.. لا تحالف
ما يكشفه التسريب لا يشير إلى مجرد تحالف سياسي بين الجيش والحركة الإسلامية، بل يشير إلى علاقة أكثر تعقيدا تتجاوز الشراكة إلى نمط من التبعية السياسية والتنظيمية.
فبحسب رواية كِبِر، كان البرهان يهاجم الإسلاميين علنا في بعض خطاباته تحت ضغط المجتمع الدولي، قبل أن تعود قنوات الاتصال بين الطرفين لتؤكد أن تلك التصريحات كانت جزءا من محاولة لامتصاص الضغوط الخارجية.
هذا التناقض بين الخطاب العلني والواقع السياسي الداخلي يعكس طبيعة التوازنات الدقيقة التي حكمت، ولا تزال تحكم العلاقة بين القيادة العسكرية والتنظيم الإسلامي منذ سقوط نظام البشير.
ولا يتوقف حديث كِبِر عند مسألة صعود البرهان، بل يتجاوزها إلى توصيف أوسع لبنية النفوذ داخل الدولة السودانية.
فبحسب ما ورد في التسجيل، تحتفظ الحركة الإسلامية بحضور مؤثر داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وهو حضور تشكل خلال عقود حكم البشير عبر شبكة معقدة من الولاءات التنظيمية والسياسية.
هذا النفوذ يجعل المؤسسة العسكرية نفسها ساحة توازنات داخلية بين القيادات الرسمية والشبكات التنظيمية التي ترسخت داخلها عبر سنوات طويلة.
كتائب الإسلاميين في ساحات القتال
التسجيل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يتطرق إلى القوى المسلحة التي تقاتل في ساحات المعارك الدائرة في السودان.
فإلى جانب القوات النظامية، برزت خلال الحرب الأخيرة تشكيلات مسلحة ذات خلفيات إسلامية، من بينها كتيبة البراء بن مالك، التي ظهرت في عدد من جبهات القتال.
ويعكس وجود مثل هذه التشكيلات، وفق مراقبين، تعقيد المشهد العسكري في السودان، حيث تتداخل القوات النظامية مع مجموعات مسلحة تحمل خلفيات أيديولوجية وتنظيمية.
كما يضع التسريب أيضا تصريحات البرهان السابقة تحت مجهر جديد، فالقائد العام للجيش السوداني ظل يؤكد مرارا أن الإسلاميين لا وجود لهم داخل المؤسسة العسكرية.
وفي تصريح مصور واسع التداول على وسائل التواصل الاجتماعي، قال البرهان ساخرا: "أين هم الإسلاميون؟ أين هم الكيزان؟" وهو المصطلح المستخدم في السودان للإشارة إلى الإخوان.
لكن حديث كِبِر، القادم من داخل الحركة الإسلامية نفسها، يقدم رواية مختلفة تماما، إذ يضع الإسلاميين في قلب المؤسسة العسكرية ومراكز القرار السياسي والأمني.
أما الأكثر دلالة في التسريب فهو حديث كِبِر عن مستقبل السلطة، فبحسب ما ورد في التسجيل لا ترى الحركة الإسلامية في البرهان مشروعا دائما للحكم، بل تعتبره مرحلة انتقالية تتيح للتنظيم إعادة ترتيب صفوفه بعد سقوط نظام البشير.
ويشير حديثه إلى أن استمرار الحكم العسكري لفترة محددة قد يمنح التنظيم الوقت الكافي لإعادة بناء نفوذه السياسي والعسكري داخل الدولة.
السلطة خلف الواجهة
لا يطرح تسريب عثمان محمد يوسف كِبِر مجرد رواية سياسية جديدة، بل يعيد رسم صورة موازين القوة داخل السودان.
فإذا كانت تصريحات البرهان العلنية قد سعت مرارا إلى نفي وجود الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، فإن حديث كِبِر القادم من قلب الحركة الإسلامية يقدم رواية مختلفة: تنظيم يحتفظ بنفوذه داخل الجيش ويملك القدرة على التأثير في القرار العسكري والسياسي، بينما يبقى القائد العام للجيش واجهة له.
وفي بلد أنهكته الحرب والصراعات على السلطة، يكشف هذا التسريب عن معادلة حكم معقدة، إذ يقود الجيش الدولة في العلن، بينما يدير تنظيم إسلامي الخيوط في الخلف.
لكن ما كشفه كِبِر يضع أيضا المجتمع الدولي أمام واقع مختلف عما يبدو على السطح.
فإذا كان البرهان يمثل الواجهة الرسمية للسلطة، فإن التفاوض معه قد لا يعني بالضرورة التفاوض مع صاحب القرار الحقيقي.
فالحقيقة التي يلمح إليها حديث القيادي الإسلامي تشير إلى أن مراكز القرار ليست في القيادة العسكرية، بل في شبكات التنظيم التي تدير الحرب والقرار من خلف الستار.
وبين صرخة البرهان الشهيرة، وسؤاله: "أين هم الكيزان؟ أين هم الإسلاميون؟"، وحديث كِبِر الذي يضعهم في قلب المؤسسة العسكرية وساحات القتال، تتكشف مفارقة تلخص المشهد السوداني اليوم، حيث الواجهة عسكرية، لكن مفاتيح القوة بيد تنظيم الإخوان، ممثلا في الحركة الإسلامية السودانية وأذرعها العسكرية والسياسية، التي صنفتها الولايات المتحدة مؤخرا منظمة إرهابية أجنبية.
المصدر:
سكاي نيوز