آخر الأخبار

"الملاذ الآمن" في الحروب.. ذهب السودان يطرق أبواباً جديدة

شارك
(تعبيرية من آيستوك)

في خضم الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتحرك أسواق الذهب العالمية على صفيح ساخن. فكل تصعيد وتهديد عسكري يدفع المستثمرين نحو المعدن النفيس كملاذ آمن، ليشتعل الطلب ويرتفع السعر.

وفي السودان، حيث يشكل الذهب شريان الاقتصاد وملاذ المواطنين للادخار، يراقب التجار والمعدنون تحركات الأسواق العالمية بخوف، متسائلين ما إن كان التصعيد الأخير يقود إلى موجة جنونية من ارتفاع الأسعار المحلية.

"صعود لا يهدأ"

فالذهب لم يعد مجرد معدن، بل أصبح مقياساً للاضطرابات السياسية. ومع كل اشتباك بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يرتفع الطلب على المعدن الأصفر، وتسجل الأسعار العالمية مستويات قياسية.

في هذا السياق، قال رئيس شعبة مصدري الذهب في السودان عبد المنعم الصديق، لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، إن "كل حرب أو تصعيد عالمي يدفع المستثمرين للعودة إلى الذهب. لكن في السودان، الواقع مختلف". وأوضح أن "إغلاق المراكز الإقليمية لتجارة الذهب للمجال الجوي، يهدد السوق المحلية مباشرة، وقد تُفتح أسواق بديلة للدول المجاورة لتصبح الملاذ الجديد للذهب السوداني، خارج القنوات الرسمية".

(تعبيرية من آيستوك)

من جهته أشار الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي لـ"العربية.نت/الحدث.نت" إلى أن السودان "قد لا يستفيد بشكل كامل من هذا الارتفاع بسبب توقف منظومة التصدير الرسمية، ما يجعل شبكات التهريب العابر للحدود إلى دول الجوار تنشط وتزيد من حجم نشاطها التهريبي، خاصة مع صعوبة مكافحة التهريب من قبل السلطات السودانية واضطراب حدود السودان عموماً".

بينما أكد خبراء اقتصاد سودانيون أن "الذهب يأتي على رأس المستفيدين من تصاعد التوترات، باعتباره مخزناً للقيمة وأداة تحوط رئيسية في أوقات عدم اليقين، خاصة أن اتساع نطاق الحرب أو تهديد خطوط الملاحة خلال النزاع قد يدفع الأسعار إلى قفزات سريعة". كما بينوا أن "التوترات الجيوسياسية تعد العامل الأكثر تأثيراً على أسعار الذهب في المنطقة".

الأسعار على نار حامية

وفي هذا الإطار تظهر الأسواق السودانية اليوم فوضى سعرية حقيقية بين الذهب الجديد والمستعمل، وبين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك: حيث تبلغ قيمة غرام الذهب الجديد من عيار 21: نحو 580 ألف جنيهاً، أما الذهب المستعمل المعروف محلياً بـ"الكسر"، فيبلغ نحو 470 جنيهاً للغرام، مع الأخذ في الاعتبار أن الدولار الواحد يعادل 3700 جنيه سوداني.

هذا ولا يقتصر التفاوت على نوعية المعدن، بل يمتد جغرافياً. ففي غرب السودان، في بعض المناطق بإقليمي كردفان ودارفور، تتراوح الأسعار بين 300 و375 جنيهاً، بينما تصل في الأسواق الكبرى بالعاصمة الخرطوم والولايات الشمالية إلى 500 جنيه وأكثر مقابل خام الغرام الواحد وفق إفادات متطابقة لمعدنين أهليين تحدثوا لـ"العربية.نت/الحدث.نت".

(تعبيرية من آيستوك)

في حين يمكن تشبيه هذا الاختلاف، الذي كشفه أولئك المعدنين، بما حدث مع الأضاحي في عيد الأضحى العام الماضي، حيث وصل سعر رأس الضأن إلى مليون جنيه بمناطق الاستهلاك في العاصمة، مقابل ربع هذا الرقم تقريباً في مناطق الإنتاج في كردفان ودارفور.

ما يعكس فجوة مماثلة في أسعار الذهب ويؤكد أن السيطرة على السوق المحلي رهينة بالعوامل الجغرافية والتحكم في طرق النقل والتهريب.

غرامات وعقوبات

وتعليقاً على ذلك، أكد فتحي أن "الاقتصاد السوداني فشل في الاستفادة من تصدير الذهب بشكل كامل، حيث يقدر أن نسبة كبيرة جداً، بين 30% و50% من ذهب البلاد، تُصدّر خارج القنوات الرسمية، مع ضعف مؤسسات الرقابة، وتوسع سيطرة الشركات الرمادية على أنشطة تعدين الذهب وتصديره".

كما لفت معدنون في مناجم التعدين الأهلي إلى صعوبة النقل وتهريب الذهب عبر مناطق سيطرة الجيش، إذ تفرض غرامات وعقوبات على من يحاول نقل المعدن، بينما يتدفق الذهب المهرب نحو بلدان أخرى ، ما يزيد الفوارق بين الأسعار المحلية والعالمية.

إلى ذلك رأوا أن ما يجري يعتبر "فرصة ذهبية" لا تعوض للبحث عن بدائل وأسواق جديدة، شرط تدخل الدولة بقوة لشراء الذهب بأسعار مجزية، وفي نفس الوقت عليها مكافحة التهريب والتسويق خارج القنوات الرسمية بجدية.

(تعبيرية من آيستوك)

أهم مناطق الإنتاج

خلال عام 2025 شهد السودان استمرار حضوره ضمن كبار منتجي الذهب عالمياً. إذ بلغ إنتاجه نحو 70 طناً حسب تقديرات رسمية لوزارة المعادن، ما يضعه في حدود المرتبة السادسة عشرة عالمياً بين الدول المنتجة للمعدن النفيس.

ويعد السودان أكبر منتج للذهب في العالم العربي، كما يأتي ضمن أبرز 4 منتجين بالقارة الأفريقية، في ظل اعتماد متزايد على قطاع التعدين كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي. كذلك يكتسب الذهب أهمية خاصة للاقتصاد السوداني، حيث يمثل أحد أهم الموارد التي تعوّل عليها الحكومة لتعويض تراجع عائدات القطاعات الأخرى ودعم الإيرادات في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد.

(تعبيرية من آيستوك)

فيما يرتكز الإنتاج في عدة ولايات رئيسية، في ولاية نهر النيل، التي توصف بقلب التعدين التقليدي، وولاية البحر الأحمر، حيث مناجم صناعية مهمة مثل منجم أرياب، والولاية الشمالية، حيث انتشار واسع للتعدين الأهلي. فضلاً عن ولاية جنوب كردفان وشمال دارفور (جبل عامر)، حيث مناطق إنتاج رئيسية، ويظل التعدين الأهلي المصدر الأكبر، رغم أن معظم مناجم الذهب لم يتم اكتشافها بعد.

مليارات دولارات ضائعة

رغم الصعوبات والمشاق التي واجهت تعدين الذهب وتصديره بعد الحرب وإغلاق مناجم غنية لأسباب أمنية، إلا أن إنتاج السودان بلغ نحو 70 طناً العام الفائت. ووفق التقارير الرسمية فإن 80% من الإنتاج يأتي من التعدين الأهلي، و20% فقط من الشركات المنظمة. بينما يلتهم التهريب ما بين 40% و60% من الإنتاج، ما يؤدي إلى خسارة مليارات الدولارات سنوياً.

وختم فتحي قائلاً إنه "بالإمكان، في وقت الاضطرابات الجيوسياسية الحالية، وتوجه الأسواق العالمية نحو الذهب كملاذ آمن، فتح فرص جديدة وأسواق واعدة أمام المنتج السوداني للدخول بقوة إلى تلك الأسواق".

العربيّة المصدر: العربيّة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا