بات ازدراء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لقوانين البلاد الداخلية أمرا ملموسا، وهو ما حصل في حالات كثيرة بينها ترحيل عدد من المهاجرين دون قرار قضائي، ورفض صرف أموال وافق عليها الكونغرس، وقرار بهدم الجناح الشرقي من البيت الأبيض.
وانطلاقا من ذلك المعطى، تتساءل صحيفة واشنطن بوست عن مدى التزام الرئيس ترمب وإدارته بقيود القانون الدولي، وبالمنظمات الدولية التي تُعنى بتجسيد وتفعيل ذلك القانون، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية ومنظمة التجارة الدولية.
وفي مقال رأي بواشنطن بوست، لا يستغرب الكاتب ماكس بوت أن يستخف الرئيس ترمب بالقانون الدولي والمؤسسات التي تحاول تطبيقه، وذلك على غرار ازدرائه للقانون المحلي.
وأشار الكاتب -في هذا الصدد- إلى أن الولايات المتحدة لديها تاريخ طويل في تجاهل القوانين الدولية، كما حصل في غزو كمبوديا عام 1970 وغزو العراق عام 2003، وعلى ذلك المنوال فإن الرئيس ترمب عازم على تدمير أسس القانون الدولي.
وقد جاهر الرئيس ترمب بذلك الموقف عندما قال لصحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي "لا أحتاج إلى القانون الدولي"، وأكّد أن القيد الوحيد على سلطته في الخارج هو "أخلاقه الخاصة".
وفي سياق مماثل، قال ستيفن ميلر وهو أحد كبار مساعدي ترمب: "نحن نعيش في عالم تحكمه القوة، تحكمه السطوة، تحكمه السلطة. هذه هي القوانين الحديدية للعالم". وجاء تصريح ميلر دفاعا عن سعي ترمب للسيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة لسيادة الدانمارك.
وعلق الكاتب على ذلك التصريح بقوله إنه ينطوي على انتهاك لميثاق الأمم المتحدة الذي يُلزم الدول الأعضاء بـ"الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأمن الإقليمي أو الاستقلال السياسي لأي دولة".
وعدّد الكاتب بعض سلوكيات الرئيس ترمب التي تعتبر خرقا للقانون الأمريكي والدولي، فذكر أن منها الهجمات العسكرية على قوارب تهريب المخدرات المزعومة في عرض البحر الكارايبي، وفرض الرسوم الجمركية بشكل عشوائي في تحدّ واضح للاتفاقيات التجارية الدولية.
وأشار الكاتب إلى أن الرئيس ترمب عرقل عمل منظمة التجارة العالمية، ونسف مبدأ "المعاملة بالمثل" في التجارة العالمية، ومضى في تحديد معدلات الرسوم الجمركية لكل دولة على حدة، وهو ما يجعل من المستحيل وجود قواعد ملزمة لنظام التجارة الدولية.
حرب شاملة
وفي نظر الكاتب، فإن مساعي ترمب لتقويض منظمة التجارة العالمية لا تُقارن بالحرب الشاملة التي شنها على المحكمة الجنائية الدولية، بسبب تحقيقها في جرائم حرب أمريكية محتملة في أفغانستان، وإصدارها مذكرة اعتقال دولية في حق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
وفرضت إدارة الرئيس ترمب عقوبات مشددة على ثمانية قضاة وثلاثة مدعين عامين في المحكمة الجنائية الدولية، ووضعتهم على قائمة لوزارة الخزانة تضم أفرادا وكيانات متهمة بالإرهاب وتجارة المخدرات والأسلحة.
وقارن الكاتب ذلك الإجراء العقابي بما قامت به "أنظمة مارقة" في حق تلك المحكمة الدولية، على غرار روسيا حيث أصدر الكرملين مذكرات اعتقال لثلاثة مسؤولين في المحكمة، بعد توجيهها اتهامات إلى الرئيس فلاديمير بوتين بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا.
كما أعلنت ثلاث دول أفريقية تحكمها مجالس عسكرية (بوركينا فاسو ومالي والنيجر) أنها ستنسحب من المحكمة الجنائية الدولية، التي تتهمها هذه الدوال الثلاث بـ"القمع الاستعماري الجديد".
ويضيف الكاتب أنه رغم كل ذلك لا تزال المحكمة -التي تضم في عضويتها حاليا 125 دولة- تقوم بعمل مهم، مثل محاكمة الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بتهمة السماح بعمليات قتل خارج نطاق القضاء، في إطار من "حربه على المخدرات".
ترمب قلق
ونقل الكاتب عن رويترز أن ترمب قلق من أن المحكمة الجنائية الدولية قد تلاحقه أو تلاحق مساعديه يوما ما، لكنه استبعد ذلك على الرغم من أوجه التشابه بين تصرفات الرئيس دوتيرتي وهجمات الرئيس ترمب، وفق تعبيره.
وأوضح الكاتب أن محاكمة ترمب دوليا مستبعدة لأن الولايات المتحدة ليست طرفا في المحكمة الجنائية الدولية، ولأنه من غير المحتمل أن يسلم أي رئيس أمريكي مستقبلي ترامب إلى المحاكمة.
وبصرف النظر عن مدى احتمالية تلك المحاكمة، فإن الكاتب يرى أنه بمجرد أن يصبح هذا الموضوع مصدر قلق للرئيس ترمب فإنه يعكس تحولا محبطا، بحيث إن الولايات المتحدة لم تبق في صف الدول الملتزمة بالقانون الدولي، بل باتت في صف الأنظمة المارقة.
المصدر:
الجزيرة