الدوحة ـ تنطلق في الدوحة غدا السبت أعمال منتدى الجزيرة في دورته السابعة عشرة، تحت عنوان "القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية في سياق تشكُّل عالم متعدد الأقطاب"، بمشاركة واسعة من صُناع القرار، والخبراء، والإعلاميين من مختلف مناطق العالم.
ويأتي انعقاد المنتدى، الذي يستمر 3 أيام، في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، أعقب حربا استمرت عامين على قطاع غزة، وأفرزت تحولات عميقة أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، بعد سنوات من تراجعها خلف مسارات تسوية واتفاقات سياسية أضعفت حضورها على الأجندة الدولية.
كما كشفت تلك الحرب عن محاولات إسرائيلية لإعادة احتلال غزة وفرض وقائع ديمغرافية وجغرافية جديدة، بالتوازي مع تصاعد المطالب الدولية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بوصفها مدخلا ضروريا لإنهاء صراع ممتد لم تحسم نتائجه بالقوة العسكرية أو بالحروب المتعاقبة.
وفي هذا السياق، قال مدير معهد الجزيرة للدراسات محمد المختار إن شبكة الجزيرة تسعى من خلال منتداها السابع عشر إلى تسليط الضوء على واقع الصراعات الإقليمية والدولية، وتأثر المنطقة العربية بها، في سياق ما ترتب على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، موضحا أن المنتدى ينطلق من قناعة راسخة برسالة الجزيرة منذ تأسيسها، القائمة على مبدأ الرأي والرأي الآخر، وتبادل الآراء في أجواء من الحرية والمسؤولية.
وأضاف المختار، في حديث للجزيرة نت، أن تعدد الآراء والرؤى والتخصصات ومواقع المشاركين يكرس المنتدى بوصفه ساحة لقاء وأداة حوار بين مختلف الأطياف، بما يتيح قراءة أعمق وأكثر توازنا للتحولات الجارية، بعيدا عن الخطابات الأحادية أو المقاربات المغلقة.
وشدد المختار على أن القضية الفلسطينية فرضت نفسها بقوة على المشهدين الإعلامي والسياسي، لا سيما بعد انطلاق عملية " طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرا إلى أنها كانت محور منتديي الجزيرة لعامي 2024 و2025، معتبرا أن اللحظة الراهنة تمثل مرحلة صراع فلسطيني-إسرائيلي متجددة، لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها.
وأكد مدير معهد الجزيرة أن أي حوار جاد يراعي الظرفية الراهنة سيجعل القضية الفلسطينية عنوانا ومدخلا لما سواها، موضحا أن قراءة واقع الصراعات الإقليمية والدولية اليوم لا تنفصل عن هذه الزاوية، في ظل تشابك المسارات السياسية والعسكرية والإعلامية، وتداخل مستويات التأثير المحلي والإقليمي والدولي.
ويركّز المنتدى، خلال 3 أيام، على تحليل التحولات الجيوسياسية والإستراتيجية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في أعقاب الحرب على غزة، وانعكاساتها على موازين القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى مناقشة موقع العالم العربي في خضم هذه التحولات، في ظل أزمات داخلية وصراعات إقليمية متشابكة، وتراجع فاعلية الأطر العربية الجماعية، مقابل صعود أدوار قوى إقليمية فاعلة واتساع هوامش تأثيرها في قضايا الأمن والاستقرار.
وفي هذا الإطار، أكد المختار أن موازين القوى تمر بحالة شد وجذب وتحولات وتفاعلات مستمرة، مشددا على أن المطلوب من المنتدى هو قراءة هذه التحولات في حوار حصيف وواضح، بعيدا عن التبسيط المخل أو التعقيد المربك.
وأشار إلى أن الحديث عن تعدد الأقطاب لم يعد تكهنا أو تقديرا غير محدد، بل أصبح عنوانا رئيسيا للنقاش في المنتديات الدولية، لافتا إلى أن قادة غربيين باتوا يتحدثون صراحة عن نسخ النظام الدولي القائم، بحثا عن بدائل عملية، كما ظهر في نقاشات منتدى دافوس الأخير.
ويخصص المنتدى اليومين الأول والثاني للنقاشات السياسية والإستراتيجية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والتحولات الإقليمية، ومستقبل النظام الدولي، حيث تتناول الجلسات ملفات غزة ما بعد الحرب، ومستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتحولات الداخل الإسرائيلي، إلى جانب موقع الشرق الأوسط في عالم يشهد تراجع احتكار القيادة الدولية وتعدد مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.
أما اليوم الثالث، فقد خُصص بالكامل لمحور صناعة التأثير والسرديات، مع التركيز على دور المؤثرين وصنّاع المحتوى في تشكيل الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، وتناقش جلساته كيفية توظيف المحتوى الرقمي والإعلام الجديد في كسر احتكار الرواية التقليدية، وتحويل التعاطف الشعبي إلى ضغط سياسي وإنساني فعال، وربط القضية الفلسطينية بقضايا عالمية متقاطعة مثل البيئة والمقاطعة وتجارة السلاح والفقر والعدالة الإنسانية.
ويتضمن برنامج اليوم الأخير عرضا خاصا ومناقشة لفيلم وثائقي من إنتاج منصة الجزيرة بعنوان "آخر طبيب في غزة"، يتناول البعد الإنساني للحرب على القطاع، ويبحث دور السينما بوصفها أداة توثيق ومساءلة وبناء سرديات قادرة على التأثير في الرأي العام وصُناع القرار.
ويأتي المنتدى امتدادا لمسار سنوي دأبت شبكة الجزيرة على تنظيمه بوصفه منصة مفتوحة للحوار، تجمع باحثين وخبراء وصُناع قرار من مختلف أنحاء العالم، بهدف تبادل الرؤى وقراءة التحولات السياسية والإستراتيجية الكبرى، ومقاربة القضايا التي تمس المنطقة والعالم في لحظات مفصلية، بما يعزز دور المنتدى فضاء فكريا لتوسيع دوائر النقاش وطرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل النظام الدولي والقضايا الإقليمية.
المصدر:
الجزيرة