آخر الأخبار

ما مستقبل قسد بعد خسارة مناطق نفوذها ودخول دمشق لمعاقلها؟

شارك

دمشق – مع دخول مجموعات من القوى الأمنية التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مدينة الحسكة، انطلقت أولى خطوات تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بعد نحو 3 أسابيع من المواجهات العسكرية التي انتهت بخسارة قسد مساحات واسعة من مناطق نفوذها في الجزيرة السورية شملت معظم محافظة الرقة، وأجزاء كبيرة من دير الزور، وأطرافا من محافظة الحسكة.

دخول القوات الأمنية السورية إلى الحسكة يعد تطورا لافتا لأنه يمس أحد أهم معاقل قسد وأكثرها حساسية. غير أن هذه الخطوة لا تمثل سوى بداية لمسار طويل ومعقد، لا تزال مراحله الجوهرية موضع اختبار.

ويرى مراقبون أن الاتفاق بين دمشق وقسد جاء بصيغة عامة تفتقر إلى التفاصيل التنفيذية، مما فتح الباب أمام تفسيرات متباينة من الطرفين، وأثار تساؤلات واسعة حول مدى وضوح التفاهمات وحدود الالتزام بها.

ففي حين تحدثت تصريحات رسمية صادرة عن مسؤولين في الحكومة السورية عن اندماج كامل لقوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، وفق آليات تخضع لإشراف وزارتي الدفاع والداخلية، عكست مواقف قيادات قسد توجها مختلفا، يقوم على الإبقاء على البنية الحالية للإدارة الذاتية، مع السماح بوجود رمزي أو تنسيقي لممثلي الحكومة السورية، في صيغة أقرب إلى الشراكة الإدارية منها إلى الدمج الفعلي.

مصدر الصورة عناصر من الجيش السوري تنتشر قرب خطوط التماس مع قسد (الأوروبية)

تصريحات متباينة

وأكد وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، أن الاتفاق ينص على دمج عناصر قسد بشكل فردي ضمن الألوية العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، مشددا على أن وحدة سوريا لم تعد مهددة كما في السابق.

وكررت الخارجية السورية الموقف ذاته، موضحة أن الدمج سيشمل العناصر الذين تنطبق عليهم شروط وزارة الدفاع، عبر شُعب التجنيد وإخضاعهم لدورات إعادة تأهيل.

إعلان

في المقابل، فسر قائد قسد مظلوم عبدي الاتفاق على أنه لا يسمح بدخول الجيش السوري إلى المناطق ذات الغالبية الكردية، مع الاكتفاء بعناصر محلية لتأمينها.

كما أوضحت إلهام أحمد، الممثلة الخارجية للإدارة الذاتية، أن دخول قوات الأمن السورية إلى الحسكة والقامشلي يقتصر على الإشراف على دمج قوات الأسايش ضمن وزارة الداخلية، على أن تنسحب لاحقا، مؤكدة أن قسد ستشرف على تعيين محافظ، وأن الحكومة السورية ستعترف بالشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم التابعة للإدارة الذاتية.

ورغم بدء التنفيذ الجزئي للاتفاق، ودخول مجموعات من الأمن السوري إلى عين العرب ( كوباني) بريف حلب ومدينة الحسكة، لا يزال الغموض يخيم على مستقبل التفاهمات.

مصدر الصورة قوات الأمن السورية تتجمع قبيل دخول مدينة الحسكة لتنفيذ اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (أسوشيتد برس)

انتشار محدود

ويرى الباحث السوري سامر الأحمد أن الانتشار المحدود للقوات الأمنية السورية لا يعني استعادة الدولة السيطرة الفعلية، مشيرا إلى أن سكان الحسكة، على وجه الخصوص، لا يزالون يعانون من القبضة الأمنية لقسد.

وأوضح الأحمد، في حديث للجزيرة نت، أن أحياء في الحسكة ما زالت محاصرة من قبل قوات قسد، ويفرض عليها حظر تجول، مؤكدا أن الخطوات المنفذة حتى الآن لا توفر حماية كافية لحقوق المدنيين، ولا ترفع القيود المفروضة على حرية التعبير والنشاط المدني، ما يضعف فُرص صمود الاتفاق في ظل المعطيات الحالية.

وتحدثت مصادر أهلية من الحسكة للجزيرة نت عن تعرض مدنيين لإطلاق نار من عناصر قسد أثناء استقبالهم قوات الأمن السورية في حي المشيرفة، ما أدى إلى سقوط جرحى، في حادثة تعكس هشاشة الوضع الأمني وتناقض السرديات الرسمية.

مصدر الصورة آليات مدمرة على جانب الطريق مع انتشار عناصر من الجيش السوري قرب خطوط التماس مع قوات قسد (الأوروبية)

عقبات بنيوية أمام التنفيذ

تواجه الاتفاقية، وفق مراقبين، جملة من العقبات البنيوية. حيث يشير السياسي الكردي السوري عبد الحكيم بشار إلى أن قيادة حزب العمال الكردستاني في قنديل لا تبدو مقتنعة بالمسار السياسي، وترى في استمرار التوتر وسيلة للحفاظ على زخمها العسكري.

ويضيف بشار، في حديثه للجزيرة نت، أن وجود عناصر وضباط خدموا سابقا في جيش النظام السوري ضمن صفوف قسد قد يشكل عاملا معرقلا، بسبب رفضهم الخضوع مجددا لسلطة الدولة. كما لفت إلى أن ما تبقى من قسد يسعى للحفاظ على سلطة خاصة به، وهو ما قد يتناقض مع متطلبات التنفيذ الكامل للاتفاق.

وتعزز تصريحات مدير إدارة الشؤون العربية في الخارجية السورية محمد طه الأحمد هذا التقدير، إذ أوضح أن تنفيذ الاتفاق سيشمل فقط القوى المرحبة به داخل قسد، في إشارة إلى وجود انقسام داخلي قد يدفع بعض التيارات نحو تعطيله.

من جهته، يشكك السفير السوري السابق بسام بربندي، المقيم في واشنطن، في جدية قسد بتنفيذ الاتفاق، معتبرا أن التنظيم قد يلجأ إلى المماطلة بانتظار أي خطأ من الحكومة السورية لتبرير العودة إلى التصعيد واستدعاء التدخل الخارجي مجددا.

ويشير بربندي إلى أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك يتبنى مقاربة قائمة على استقرار سوريا، ومنع تحويلها إلى ساحة مواجهة إقليمية، في إطار رؤية أمريكية أوسع تركز على الاستقرار الاقتصادي والتعاون الإقليمي، ما يجعل واشنطن أقل تسامحا مع أي خطوات تعرقل هذا المسار.

إعلان

وفي هذا السياق، رافق وفد أمريكي قوات الأمن السورية خلال دخولها إلى الحسكة في الثاني من فبراير/شباط الجاري، بعد تأجيل العملية التي كانت مقررة مباشرة عقب توقيع الاتفاق.

سيناريوهات مفتوحة

ولا يستبعد الباحث سامر الأحمد تكرار سيناريو حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حيث انهار اتفاق سابق وُقع في أبريل/نيسان 2025، بعد خروقات متكررة من قسد، قبل أن تنتهي المواجهات مطلع يناير/كانون الثاني الماضي بانسحاب عناصرها نحو الرقة.

ويحذر الأحمد من أن أي تعثر جديد في تنفيذ الاتفاق الحالي قد يعيد إنتاج دوامة التصعيد، خاصة في ظل استخدام قسد سابقا مواقع تمركزها في دير حافر ومسكنة لإطلاق طائرات مسيرة باتجاه مدينة حلب، ما وسع رقعة المواجهة.

ويرى مراقبون أن الحسكة والقامشلي تُعدان اختبارا فعليا لمدى استعداد قسد للتخلي عن مشروعها الإداري لصالح الدولة. ويبقى مصير الاتفاق مرهونا بقدرة الطرفين على تجاوز التفسيرات المتناقضة، والانتقال من التفاهمات النظرية إلى خطوات ملموسة تعيد الاعتبار لسلطة الدولة، وتضمن في الوقت نفسه حماية المدنيين وحقوقهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا