آخر الأخبار

طريق الحرير القطبي.. كيف أصبح القطب الشمالي ساحة صراع بين القوى الكبرى؟

شارك

احتلت المنطقة القطبية الشمالية مكانة بارزة على الأجندة الدولية. لكنها برزت كساحة تنافس مفتوح بين القوى العظمى في النصف الأول من العقد الحالي.

فروسيا تزيد استثماراتها في البنية التحتية للطريق البحري الشمالي، وتعمل على تحديث إستراتيجيتها وتوسيع نفوذها العسكري في المنطقة القطبية الشمالية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا خمدت احتجاجات إيران سريعا؟ قراءة في الاقتصاد والأمن
* list 2 of 2 الحرب الخاطفة في العقل العسكري الإسرائيلي end of list

في الوقت نفسه تسعى الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها السياسي هناك. وإذا كان البعض قد اعتبر حديث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، عن ضم جزيرة غرينلاند وكندا إلى الولايات المتحدة، من قبيل المزحة الغريبة، فقد اتخذ هذا الخطاب خلال ولايته الثانية منحى أكثر جدية، معتمدا على حجج تتعلق بالتهديد المتزايد من قبل روسيا والصين.

هذه الأخيرة تواصل توسيع أنشطتها العلمية واللوجستية في خطوط العرض العليا، بحثا عن طرقات أقصر باتجاه الأسواق الأوروبية والأميركية.

من جهته، يعزز حلف شمال الأطلسي (الناتو) موقعه في المنطقة القطبية، ويعمل على تحسين البنية التحتية وتوسيع نطاق وجوده العسكري.

وهذا ليس سوى جزء يسير من العمليات والتحركات التي تشهدها المنطقة، التي تتحدد أهميتها بثلاثة عوامل رئيسية: وفرة الموارد الطبيعية، ووجود طرق نقل واعدة، وموقع جغرافي وعسكري وإستراتيجي فريد.

أهمية القطب الشمالي

تمثل المنطقة القطبية الشمالية مساحة جغرافية طبيعية واحدة على سطح الأرض، مجاورة للقطب الشمالي وتشمل أطراف أوراسيا وأميركا الشمالية، وتغطي تقريبا كامل المحيط المتجمد الشمالي بجزره، باستثناء الجزر الساحلية النرويجية.

تبلغ مساحة المنطقة القطبية الشمالية حوالي 27 مليون كيلومتر مربع، وتحتوي على احتياطيات ضخمة من موارد الطاقة، مثل الكاربوهيدرات والمعادن والعناصر الأرضية النادرة. كما تحتوي مياه القطب الشمالي على موارد بيولوجية هائلة ذات أهمية عالمية، وتُعد مياه المنطقة القطبية الشمالية موطنا لأكثر من 150 نوعا من الأسماك.

إعلان

تطل اليوم على المنطقة القطبية الشمالية 5 دول، هي روسيا والنرويج والدانمارك وكندا والولايات المتحدة الأميركية. وتشغل 3 دول أوروبية عضوية مجلس القطب الشمالي وهي، أيسلندا والسويد وفنلندا. هذه الدول، رغم عدم امتلاكها منفذا مباشرا إلى المحيط المتجمد الشمالي، إلا أنها تقع على مقربة من الدائرة القطبية الشمالية. على صعيد المؤسسات، يملك الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي نفوذا هناك بسبب إطلالة عدد من أعضائهما على المنطقة القطبية الشمالية. ومن خارج المنطقة، يبرز لاعبون جدد بإمكانات وطموحات كبيرة، أبرزهم الصين والهند واليابان.

ففي الصين، نشر مجلس الدولة لجمهورية الصين الشعبية، في يناير/كانون الثاني 2018، أول كتاب أبيض له حول سياسة القطب الشمالي، أوضح فيه نية الصين تطوير طرق تجارية بحرية مشتركة مع دول أخرى في إطار مبادرة طريق الحرير القطبي.

أشارت الوثيقة إلى تشجيع الشركات الصينية على المشاركة في تطوير البنية التحتية لهذه الطرق وإجراء رحلات تجريبية تجارية. كما ذكرت أن الصين تعتزم التنقيب عن النفط والغاز والمواد المعدنية والوقود غير الأحفوري في القطب الشمالي.

ولهذا الغرض، أطلقت الصين برنامجا واسع النطاق لبناء كاسحات الجليد. وعلى الرغم من أن الصين تفتقر إلى منفذ مباشر إلى المحيط المتجمد الشمالي، إلا أنها تؤكد أن القانون البحري الدولي يضمن لها منفذا إلى البيئة البحرية القطبية الشمالية، بما في ذلك الحق في إجراء البحوث العلمية، وحرية الملاحة، واستغلال الموارد الطبيعية، واستخراج الهيدروكربونات، وممارسة الصيد في المياه الدولية للمحيط المتجمد الشمالي.

أما الهند، فقد بدأت أيضا ببناء كاسحات الجليد، ووفقا للخبراء، يتركز اهتمامها بالمنطقة حاليا على الجوانب العلمية في المقام الأول. ومع ذلك، يُلاحَظ أن القطب الشمالي يجذب اهتمام الهند بشكل متزايد من منظور جيوسياسي واقتصادي. وتعد اليابان من بين الدول الرائدة عالميا في مجال استكشاف القطب الشمالي. وينصبّ اهتمامها بالدرجة الأولى على شبكات النقل والاتصالات وموارد الطاقة. كما تعمل طوكيو بنشاط على تطوير بُعد القطب الشمالي في سياستها الخارجية.

مصدر الصورة طريق الحرير القطبي.. كيف أصبح القطب الشمالي ساحة صراع بين القوى الكبرى (الجزيرة)

المثلث الجيوسياسي.. الولايات المتحدة والصين وروسيا

يُنظر إلى القطب الشمالي في الولايات المتحدة بشكل متزايد على أنه بؤرة توتر محتملة، ويعتبر مسؤولو البيت الأبيض روسيا والصين التهديدين الرئيسيين. برز هذا الموقف في إستراتيجيات القطب الشمالي، وتأكد في أحدث تقرير سنوي صدر عن مجتمع الاستخبارات الأميركي في مارس/آذار 2025. يقدم هذا التقرير تقييما شاملا للتهديدات، ويعكس رؤية إدارة ترامب الجديدة لتلك التهديدات على المديين القصير والمتوسط.

يشير الجانب الأميركي إلى أنه على الرغم من أن الصين ليست قوة قطبية، إلا أنها تعمل فعليا على دمج المنطقة في سياستها الخارجية وخططها الاقتصادية. وتسعى بكين إلى تنويع مصادر طاقتها، وتوسيع نفوذها الدبلوماسي، وإضفاء الشرعية على وجودها العالمي. ففي ظل "تصاعد التوترات الدولية وضعف الآليات التقليدية متعددة الأطراف، مثل مجلس القطب الشمالي، تبذل الصين جهودا لتدويل القطب الشمالي وتسعى إلى توسيع وجودها في المنطقة من خلال التعاون العلمي والمبادرات الاقتصادية. ومع ذلك، لم تتخذ الولايات المتحدة أي إجراءات محددة ضد الصين، باستثناء استخدام التهديد الصيني ذريعة لعسكرة غرينلاند".

إعلان

أما بالنسبة إلى روسيا، فإن منطقة القطب الشمالي بالغة الأهمية للأمن القومي. وعلى عكس الولايات المتحدة، تُظهر روسيا مستوى أعلى بكثير من الجاهزية للعمليات في القطب الشمالي. فموسكو تمتلك قيادة عسكرية مركزية، وشبكة واسعة من المطارات والموانئ وأنظمة اتصالات وملاحة، بالإضافة إلى أنظمة دفاع جوي وصاروخي متعددة المستويات.

لذلك، لا تفتأ واشنطن تعرب عن قلقها إزاء الوجود العسكري الروسي واسع النطاق في خطوط العرض العليا. ويكتسي الطريق البحري الشمالي أهمية خاصة لدى الروس، إذ تعتبر موسكو مياهه، التي تشمل المياه البحرية الداخلية الروسية والبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة، مجالا بحريا وطنيا، بينما تنظر الولايات المتحدة لتلك المياه على أنها مجال عابر للحدود.

خلافا للولايات المتحدة، تتشارك الصين وروسيا رؤيتهما الإستراتيجية لاستخدام الطريق البحري الشمالي ممرا لوجستيا لعبور البضائع من آسيا إلى أوروبا والأميركتين. لهذه الاعتبارات، يعد هذا الممر اليوم أبرز محركات التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين اللاعبين الكبار في المنطقة القطبية الشمالية (3). فما الطريق البحري الشمالي؟ وكيف تطور تاريخيا وتزايدت أهميته الإستراتيجية؟

– الطريق البحري الشمالي: ممر ملاحي يمتد عبر المحيط المتجمد الشمالي على طول الساحل الروسي المتجمد الشمالي. يعدّ هذا الطريق أقصر طريق بحري يربط أوروبا بمنطقة آسيا والمحيط الهادي. يضم الطريق البحري الشمالي أكثر من 70 ميناء ونقطة شحن، لكل منها وظيفة خاصة. تقع هذه الموانئ على طول ساحل القطب الشمالي، ويرتبط العديد منها بشبكات الأنهار. ويكتسب هذا الطريق أهمية بالغة في تصدير البضائع والطاقة، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال.

بدأ التفكير في استخدام هذا الطريق منذ الربع الأول من القرن السادس عشر. ففي عام 1525، طرح الدبلوماسي الروسي، ديمتري غيراسيموف، لأول مرة، فكرة الوصول إلى الصين انطلاقا من مصبّ نهر دفينا عبر مياه المحيط المتجمد الشمالي، في محادثة مع الباحث الإيطالي باولو جيوفيو. وقد أدرج جيوفيو هذه المعلومات في كتابه عن موسكو، الذي جمع فيه محادثاته مع غيراسيموف.. وفي العام ذاته، وبتوجيه من ملك إنجلترا، انطلقت بعثة مؤلفة من 3 سفن، بقيادة الملاح هيو ويلوبي، عبرت بحر الشمال، للبحث عن ممر شمالي شرقي إلى الصين.

ولكنّ البعثة انتهت بالفشل، فقد انحرفت سفينتان من السفن الثلاث عن مسارهما بسبب عاصفة بحرية، ورستا على شبه جزيرة كولا، حيث هلك ويلوبي وجميع أفراد الطاقم خلال فصل الشتاء. ولم تتمكن سوى سفينة واحدة، بقيادة القبطان ريتشارد تشانسلور، من الوصول إلى أرخانجيلسك.

وفي عام 1648، عبر الزعيم القوزاقي الشهير سيميون ديجنيف مضيق بيرينغ، الذي يفصل بين أوراسيا وأميركا. وبذلك أثبت انفصال القارتين، وبرهن على إمكانية تحويل الممر الشمالي الشرقي إلى ممر بين المحيطين الهادي والأطلسي. من ثم توالت الرحلات الاستكشافية الأوروبية للمر الشمالي قبل أن يؤسس الأميرال ألكسندر كولتشاك لجنة طريق بحر الشمال عام 1919 ليحصل الممر البحري على صفة قانونية لأول مرة.

– تطوير الطريق البحري الشمالي: يعود تاريخ تطوير طريق بحر الشمال، المعروف حتى القرن العشرين باسم الممر الشمالي الشرقي، إلى أكثر من قرن. ففي عام 1932، أبحرت بعثة بقيادة أوتو شميدت، على متن كاسحة الجليد ألكسندر سيبيرياكوف، عبر طريق بحر الشمال في موسم ملاحة واحد، وأسفرت عن إنشاء الإدارة الرئيسية لطريق بحر الشمال "غلافسيفموربوت"، برئاسة شميدت.

تولت هذه الإدارة مسؤولية تطوير ممر النقل، بما في ذلك تنظيم الاتصالات اللاسلكية وبناء أسطول من كاسحات الجليد. وفي عام 1959، أطلق الاتحاد السوفياتي أول كاسحة جليد تعمل بالطاقة النووية، حملت اسم زعيم الثورة البولشفية "لينين".

إعلان

وقد شكّل هذا الحدث مرحلة جديدة ونوعية في تطوير الطريق البحري الشمالي. وابتداء من عام 1978، أسهمت كاسحات الجليد النووية في إرساء الملاحة على مدار العام على طول الطريق البحري الشمالي.

بلغت حركة الشحن ذروتها خلال الحقبة السوفياتية عام 1987، متجاوزة 6.6 ملايين طن. ورغم فتح الطريق البحري الشمالي أمام الملاحة الدولية عام 1991، تراجع الاهتمام باستغلاله بشكل حاد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ولكنْ، منذ العقد الثاني من الألفية، عاد المشروع ليجذب المزيد من الاستثمارات، واستؤنفت جهود التطوير.

وفي عام 2018، عُيّنت مؤسسة الطاقة النووية الروسية "روساتوم" مشغلا للبنية التحتية للطريق البحري الشمالي. ومنذ عام 2022، تتولى "غلافسيفموربوت"، وهي مؤسسة تابعة للشركة الحكومية، مسؤولية تنسيق الملاحة في طريق بحر الشمال.

يبلغ طول هذا الطريق حوالي 5600 كيلومتر، من مضيق كارا بالقرب من أرخبيل نوفايا زيمليا إلى خليج بروفيدنس في مضيق بيرينغ. وتنقسم مياه طريق بحر الشمال إلى 28 منطقة. ونظرا لأن السفن نادرا ما تبحر ضمن هذه الحدود الإدارية فقط، فقد طُرح مفهوم الطريق البحري الشمالي الأوسع. وهو طريق نقل بحري بطول 14 ألف كيلومتر، يمتد من سانت بطرسبرغ إلى فلاديفوستوك. يندرج هذا الممر البحري ضمن المشروع الوطني "نظام النقل الفعال"، ويبلغ طوله ما يقرب من نصف طول الطريق عبر قناة السويس (6).

كاسحات الجليد في إستراتيجية النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي في القطب الشمالي

ليس أسطول كاسحات الجليد العالمي مجرد مجموعة من السفن، بل هو أداة إستراتيجية لخدمة التنمية الاقتصادية، والمساعدة على تطوير البحث العلمي، وتعزيز الأمن القومي في مناطق حيوية من العالم.

وتستخدم روسيا أسطولها، الذي يعد أقوى الأساطيل وأكثرها تطورا من الناحية التكنولوجية، لتعزيز موقعها في القطب الشمالي. إلا أن الطموحات المتزايدة لقوى أخرى، كالصين والهند، ومساعي الولايات المتحدة لتوسيع نفوذها، تشير إلى أن "سباق الجليد" يكتسب زخما متزايدا.

تشغّل روسيا أسطولا من كاسحات الجليد النووية المصممة لدعم الملاحة على طول الطريق البحري الشمالي، وتتولى إدارته شركة أتومفلوت، التابعة لمؤسسة "روساتوم". ويتألف هذا الأسطول من 41 سفينة، ثمان منها كاسحات جليد تعمل بالطاقة النووية.

وتقوم روسيا حاليا ببناء كاسحات جليد جديدة تعمل كلها بالطاقة النووية وستدخل الخدمة على التوالي، وهي "تشوكوتكا" (2026)، و"لينينغراد" (2028)، و"ستالينغراد" (2030). بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل على بناء كاسحة الجليد "روسيا"، التي ستبلغ قدرتها 120 ميغاواط (أكثر من 160 ألف حصان)، ومن المقرر الانتهاء من بنائها في ديسمبر/كانون الأول 2027.

في الجدول التالي مقارنة بين أساطيل الدول التي تملك كاسحات جليد:

المخاطر الجيوسياسية على مشروع تطوير طريق بحر الشمال

يواجه مشروع الطريق البحري الشمالي عدة مخاطر جيوسياسية مترابطة وطويلة الأمد، قد تؤثر على مستقبل المشروع. أبرز هذه المخاطر هو غياب الوضع القانوني الواضح لهذا الممر وللمنطقة القطبية الشمالية بشكل عام. فالولايات المتحدة الأميركية، لا تعترف بالممر البحري كمياه داخلية لروسيا، وتصر على ضرورة منحه صفة ممر مائي دولي، لا سيما أنها لم تنضم إلى اتفاقية الطريق البحري الشمالي لعام 1982.

ومن بين المخاطر، بحسب الرؤية الروسية، الاهتمام المتزايد من جانب دول مؤثرة غير قطبية بتطوير الموارد الطبيعية للقطب الشمالي والاستخدام غير المقيد لطرق النقل في القطب الشمالي، وبالتالي تزايد الضغط منها لإعادة تقسيم القطب الشمالي من خلال تدويل السيطرة على استخدام الموارد الطبيعية وطرق النقل البحري.

إضافة إلى ذلك، ترغب كل دولة من دول القطب الشمالي في توسيع نطاق سيطرتها على القطب الشمالي وموارده الطبيعية، مستغلة في ذلك ثغرات التشريعات الدولية الحالية. ومع اختلاف مصالح هذه الدول، فإنها تلتقي في محاصرة الوجود الروسي تدريجيا في القطب الشمالي. بمعنى، تقليص مساحة الأراضي القطبية التي تسيطر عليها روسيا، وتدويل السيطرة على طرق النقل وخاصة الطريق البحري الشمالي.

بناء على ذلك، ومن المنظور الروسي، يتمثل الخطر الجيوسياسي الرئيسي طويل الأمد على تطوير الطريق البحري الشمالي في فقدان روسيا سيادتها على هذا الشريان الحيوي للنقل، وفرض آليات دولية أو غيرها من أشكال السيطرة الخارجية بذريعة ضمان حرية الملاحة وإلغاء القيود الوطنية باستخدام الطريق القائم على التصاريح.

إعلان

لمواجهة هذا الخطر، تستخدم روسيا مجموعة من التدابير الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. وتشمل التدابير الدبلوماسية المضادة تشكيل تحالفات مع دول تتوافق مصالحها، ظرفيا، مع مصالح موسكو.. فمصالح روسيا في الحفاظ على سيطرتها الوطنية على الطريق البحري الشمالي تلتقي مع مصالح كندا في الحفاظ على سيطرتها على الممر الشمالي الغربي. إلا أن فرص تشكيل تحالف روسي كندي في هذا السياق تبدو ضئيلة، في ظل الوضع الراهن الذي يتسم بالمواجهة الحادة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، والذي يدفع كندا للتعاون الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الوثيق مع الولايات المتحدة.

أما التحالف مع الصين، التي تسعى إلى استخدام روسيا منصة انطلاق للتوسع في منطقة القطب الشمالي، فيبدو أقرب وأكثر جدوى. لكنْ على المدى البعيد، تتباين مصالح روسيا والصين. فالصين أكثر اهتماما بفرض سيطرتها على هذا الممر المائي، الذي تعمل بالفعل على بناء أسطول من كاسحات الجليد لأجله.

احتمالات اندلاع الحرب في المنطقة القطبية الشمالية

يتحول القطب الشمالي، الذي كان يُعتبر في السابق أرضا جليدية قاحلة لا يمكن اختراقها، بسرعة، إلى مجال للتنافس ومركز للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية العالمية. ولا يمكن فصل هذا التحول عما يشهده كوكبنا من تغير مناخي هائل. فالاحترار في القطب الشمالي يتصاعد بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، ما يؤدي إلى تغييرات لا رجعة فيها. وما ينتج عن ذلك من ذوبان الغطاء الجليدي، الذي يتقلص بنسبة 13% كل عقد، يتيح الوصول إلى موارد هائلة وطرق نقل جديدة، ويعيد تشكيل المفاهيم التقليدية للخدمات اللوجستية والاقتصاد العالميين.

في هذه المنطقة، حيث تتشابك الأبعاد البيئية والاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية، تتشكل عقدة من التناقضات، وتتصادم مصالح القوى العظمى في العالم. فروسيا، صاحبة أطول ساحل في القطب الشمالي، تعزز وجودها العسكري وتطور البنية التحتية للطريق البحري الشمالي.

أما الصين، التي أعلنت نفسها دولة شبه قطبية، فتسعى للمشاركة في تنمية الموارد وطرق النقل. من جانبها، تشعر دول حلف شمال الأطلسي بالقلق إزاء تنامي نشاط روسيا والصين في المنطقة، وتدرس خيارات لتعزيز نفوذها.

في هذا المزيج المتفجر من تغير المناخ وتعارض الطموحات الاقتصادية والمصالح الإستراتيجية، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن يصبح القطب الشمالي ساحة صراع عسكري؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما ملامحه ودوافعه؟

في سياق الصراع الممتد في أوكرانيا، باتت قضايا ضمان الأمن الأوروبي والإقليمي، واحتواء النفوذ الروسي في منطقة القطب الشمالي من قِبل الغرب، أولوية في السياسات الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة وجيرانها الإسكندنافيين وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ومع مرور الوقت، تكتسب عملية عسكرة منطقة القطب الشمالي زخما متزايدا.

وهناك أمثلة عديدة على تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في هذه المنطقة. فقد انضمت فنلندا والسويد القطبيتان إلى حلف شمال الأطلسي كعضوين كاملين في الفترة بين 2023 و2024. وتتزايد الميزانيات العسكرية ونشاط الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، ويجري تطوير بنية تحتية عسكرية متكاملة في القطب الشمالي.

أما الآثار الاقتصادية لهذا التنافس الجيوسياسي المحموم، خاصة على صعيد استخراج الموارد الطبيعية والاستثمار في الخدمات اللوجستية، فيصعب التنبؤ بها.

بناء على الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية والإستراتيجية للمنطقة القطبية الشمالية، ينبغي أخذ التنافس الدولي عليها بجدية. فقد لا يكون الوضع الراهن مجرد ظرف مؤقت، بل وضعا طبيعيا جديدا في هذه المنطقة.

وهناك من يرى أن الدفع نحو الحرب في أوكرانيا ليس سوى ذريعة لترسيخ فكرة الحفاظ على القيادة العالمية للولايات المتحدة. ففي ظل هذه الحرب، جرى استقطاب دول الشمال ودفعها للتخلي عن سياسة الحياد العسكري بانضمامها إلى حلف الناتو.

وقد يكون ذلك في إطار تطوير مقاربات غربية مشتركة للحد من تمدد الوجود الروسي في القطب الشمالي. وبحلول عام 2030، "قد يصبح القطب الشمالي ساحة توترات حادة ومنطقة ذات أهمية متزايدة لدى القوى العالمية.

سيحد هذا التوجه بشكل كبير من فرص التعاون، الذي قد يستمر، مع ذلك، على المستوى الدولي. ستؤدي عسكرة القطب الشمالي إلى زيادة غير مسبوقة في مستوى الوجود العسكري فيه. وقد باتت المنطقة بالفعل أهم مسرح محتمل للعمليات العسكرية العالمية، حيث سيتراجع التفاعل بين الدول المعنية ضمن الأطر التقليدية".

خاتمة

خلال كلمته في المنتدى الدولي للقطب الشمالي في مورمانسك في مارس/آذار 2025، أشار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى ضرورة دمج طريق بحر الشمال ضمن مشروع أوسع نطاقا، هو ممر النقل عبر القطب الشمالي.

وينصبّ التركيز الرئيسي على تطوير البنية التحتية المدنية، إذ يُتوقع أن تسهم تهيئة هذه الممرات في دفع عجلة التنمية الاقتصادية الروسية والعالمية. مع ذلك، وفي ظل الواقع الراهن المتمثل في الانتشار الواسع للعسكرة في القطب الشمالي، قد يُثبت هذا المشروع أيضا أهميته الحاسمة في سباق الإمداد اللوجستي.

من شأن توسيع أسطول كاسحات الجليد أن يُحسّن الملاحة في الجليد الشمالي، ويُمكّن من نقل البضائع على مدار العام. وبالتزامن مع تطوير البنية التحتية البرية، سيُحسّن ذلك من إمكانية الوصول إلى المناطق الشمالية ويُقلّل من عزلتها عن البر الرئيسي.

إلا أن المواجهة بشأن الطريق البحري الشمالي تتجاوز كونها مجرد نزاع إقليمي، فهي تعكس تحولات جيوسياسية عميقة. بالنسبة إلى روسيا، يجسّد هذا الطريق سيادتها ويعزز تنميتها الاقتصادية ومكانتها كقوة عظمى في القطب الشمالي. أما بالنسبة إلى الغرب وحلف شمال الأطلسي، فهو يمثل تحديا يتطلب احتواء موسكو ومنعها من تعزيز موقعها الإستراتيجي.

هذا المأزق محفوف بمخاطر العسكرة والتصعيد، فغياب قنوات اتصال واضحة بين روسيا ودول الناتو، وتكرار الحوادث البحرية والجوية، واتساع نطاق العمليات في المناطق الرمادية، كلها عوامل تزيد من احتمال حدوث أخطاء جسيمة في التقدير. لذلك، يظل مستقبل القطب الشمالي مرهونا بقدرة الأطراف المتنافسة على إيجاد توازن بين حماية مصالحها الوطنية وضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة بدل المواجهة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا