في احتجاجات 2022، لعبت وسائل إعلام عربية كبرى، كثيرٌ منها ممول من دول خليجية، دورًا داعمًا للمحتجين من خلال تغطية مكثفة ومتعاطفة. يومها، لم تُخفِ طهران انزعاجها، إذ اتهم قائد الحرس الثوري آنذاك حسين سلامي وسائلَ إعلام مدعومة من السعودية بـ«التحريض»، ملوّحًا بدفع "ثمن باهظ".
اليوم تغيّر المشهد. الأخبار المسائية العربية نادرًا ما تتصدرها إيران ، والمسؤولون يبدون أكثر حذرًا في تصريحاتهم العلنية. ويعزو دبلوماسيون هذا التحول إلى عاملين أساسيين: تراجع مكانة إيران الإقليمية، وتنامي مخاوف دول الخليج من تداعيات الفوضى.
الحروب الإسرائيلية التي تلت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أدت إلى إضعاف شبكة حلفاء طهران الإقليميين. حزب الله بات أضعف من ذي قبل ويواجه ضربات إسرائيلية شبه يومية. أما نظام بشار الأسد المقرّب من إيران فقد خرج فعليًا من المعادلة الإقليمية. كذلك تعرّضت إيران نفسها لقصف إسرائيلي وأميركي دام 12 يومًا في يونيو/حزيران، قُتل خلاله حسين سلامي.
هذه التطورات جعلت مستقبل الجمهورية الإسلامية يبدو أقل إلحاحًا بالنسبة إلى كثير من العرب. ففي لبنان، على سبيل المثال، أثارت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تشرين الأول/أكتوبر 2024 غضبًا واسعًا، بينما قوبلت زيارته الأخيرة في 8 كانون الثاني/يناير بسخرية أكثر منها استياءً، خاصةً في ظل حديثه عن تعاون اقتصادي، بينما تشهد إيران احتجاجات واسعة خصوصا بسبب تدهور الأوضاع المعيشية.
في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إيران بأنها "قوة من الدرجة الثانية"، وهو توصيف بات شائعًا بين مسؤولين عرب. وخلال الأسابيع الأخيرة، شغلت الخلافات بين السعودية والإمارات، وكذلك الاشتباكات في شمال سوريا، صدارة الاهتمام الإعلامي العربي، من دون أن تكون إيران طرفًا مباشرًا فيها.
مع ذلك، لا ترى دول الخليج أن إيران باتت عاجزة تمامًا. فالقلق يتزايد من احتمال تصعيد أميركي جديد، خاصة بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتحرك إذا واصل النظام قمع المحتجين. ورغم إضعاف ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية بعيدة المدى، ما زالت طهران تمتلك آلاف الصواريخ قصيرة المدى القادرة على ضرب أهداف في الخليج.
وقد أطلقت إيران سابقًا صواريخ باتجاه قاعدة العديد في قصر في ردّ رمزي أعقب قصف منشآتها النووية، بعد إنذار مسبق للدوحة وواشنطن. كما لوّح مسؤولون إيرانيون بإمكانية توسيع بنك الأهداف ليشمل دولًا مثل البحرين إذا تكررت الهجمات، وهو ما يفسّر حذر العواصم الخليجية من دفع الأمور إلى حافة المواجهة.
وبحسب المجلة البريطانية فإن الأكثر إثارة للقلق، من وجهة نظر خليجية، هو "اليوم التالي" لانهيار محتمل للدولة الإيرانية. فالمنطقة ما زالت تعاني آثار تفكك دول مثل العراق وسوريا، من تدفقات لاجئين وانتشار جماعات مسلحة وتهريب أسلحة ومخدرات. انهيار دولة يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة ولا تبعد سوى 200 كيلومتر عبر الخليج قد يفتح أبوابًا لمخاطر أكبر، من فقدان السيطرة على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وصولًا إلى الغموض الذي يلف مصير مخزونات اليورانيوم، بما فيها منشأة فوردو
لا تخفي الأنظمة العربية خلافها العميق مع الجمهورية الإسلامية ، وقد ترحّب نظريًا بحكومة إيرانية جديدة تقلّص برنامجها النووي وتوقف دعمها لميليشيات في المنطقة. إلا أن سنوات من الحروب وعدم الاستقرار جعلت كثيرًا من العواصم العربية تفضّل الحذر: فاضطراب إيران، في نظرها، قد يعني مزيدًا من الفوضى بدلًا من الاستقرار المنشود.
المصدر:
DW