لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في فنزويلا مجرد تحول سياسي في أميركا اللاتينية، بل كان أشبه بـ”هزة أرضية” وصلت ارتداداتها إلى طهران ومنها إلى ضاحية بيروت الجنوبية.
بالنسبة لـ”حزب الله” اللبناني، كانت كاراكاس بمثابة “رئة مالية ولوجستية” يتنفس منها بعيدا عن أعين الرقابة الدولية. وبحسب وصف إيلان بيرمان، نائب رئيس مركز أبحاث “مجلس السياسة الخارجية الأميركية”، فإن فنزويلا تحولت على مدار عقدين إلى “بوابة إيران الكبرى نحو أميركا اللاتينية”، ومنصة مكنت طهران ووكلاءها من بناء “وجود خطير” يهدد أمن القارة ونفوذ الولايات المتحدة.
تعود الجذور التاريخية لعلاقة طهران وكاراكاس إلى عهد الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، وتحديدا مع صعود محمود أحمدي نجاد إلى السلطة في طهران.
يقول وليد فارس، الأمين العام للمجموعة البرلمانية عبر الأطلسي لمكافحة الإرهاب، إن تلك العلاقة بدأت عمليا منذ قيام حكم شافيز، الضابط السابق في القوات الخاصة، الذي استولى على السلطة عام 2002 وحول البلاد من ديمقراطية ليبرالية إلى سياسة راديكالية شعبوية لمواجهة ما سماها “الإمبريالية الأميركية”. ووفقا لفارس، فإن النظام الإيراني وضع خطة للتمدد في أميركا اللاتينية، وكان “حزب الله” هو الإطار الأول الذي سمح بإدخال أعضاء الحرس الثوري الإيراني إلى المنطقة.
يوضح إيلان بيرمان أن الصداقة الشخصية التي نشأت بين شافيز ونجاد كانت حجر الزاوية في بناء تحالف استراتيجي يقوم على “عداء مشترك للولايات المتحدة”، تحت شعارات “المقاومة العالمية”. خلال تلك الحقبة، لم يكن التعاون عسكريا فقط، بل كان تعاونا شاملا في مجالات التهرب من العقوبات الدولية وتطوير تكنولوجيا الطائرات المسيرة، والأهم من ذلك، تحويل فنزويلا إلى ميسّر للأنشطة الإقليمية لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني و”حزب الله”. ويشير فارس إلى أن هذا التغلغل تم عبر استغلال الجاليات اللبنانية في فنزويلا، وتحديدا الموالية للحزب المتحدرة من مناطق جنوب لبنان والبقاع والضاحية، التي جُند عناصر منها في الإدارة الفنزويلية والقوات المسلحة وحتى في لجنة الأمن القومي.
هذا التحالف الأيديولوجي مهد الطريق لنوع من “شراكة متينة” كما يسميها بيرمان، حيث فتح شافيز، ومن بعده مادورو، أبواب الدولة ومؤسساتها السيادية لخدمة الأهداف اللوجستية لحزب الله.
ويؤكد العميد المتقاعد، النائب اللبناني السابق، وهبة قاطيشا لـ”الحرة”، أن السلطات الفنزويلية وضعت “جوازات سفر رسمية صادرة عن الدولة” تحت تصرف عناصر الحزب، ما أتاح لهم التنقل حول العالم بصفة مواطنين فنزويليين، بعيدا عن شبهات الملاحقة لحاملي الجنسيات اللبنانية أو الإيرانية أو السورية المرتبطين بالحزب. ويضيف فارس أن هذه الجوازات مكنتهم من التحرك بحرية في كل دول أميركا اللاتينية، وفي فترات معينة (مثل سنوات أوباما وبايدن)، سهلت حصول بعضهم على تأشيرات دخول للولايات المتحدة تحت ستار الأعمال التجارية.
تعد قضية “جوازات السفر” واحدة من أخطر ملفات التعاون بين إيران وميليشياتها ونظام مادورو. وبحسب تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الإرهاب، الصادر عام 2019، فإن “الفساد الممنهج” في إصدار الوثائق الفنزويلية جعل من السهل على الحزب الحصول على غطاء شرعي. وفي إفادة تاريخية أمام مجلس الشيوخ الأميركي، كشف مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة السابق، أن فنزويلا أصدرت أكثر من “عشرة آلاف جواز سفر بين عامي 2010 و2019” لأشخاص من الشرق الأوسط، بإشراف مباشر من طارق العيسمي، الذي لعب دور حلقة الوصل بين كاراكاس وطهران وحزب الله. هذه الجوازات كانت “مفاتيح” لدخول أكثر من 130 دولة، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي، من دون تأشيرات، ومكنت الجناح الخارجي للحزب المعروف بـ”الوحدة 910″ من نقل الأموال والأسلحة وتنفيذ العمليات الاستخباراتية تحت ستار دبلوماسي أو تجاري قانوني.
يمثّل هذا الملف حاليا أولوية قصوى لإدارة ترامب؛ بحسب بيرمان. وقد أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن فنزويلا لن يُسمح لها بعد الآن بأن تُستخدم كمنصة من قبل خصوم الولايات المتحدة. وهذا يعني، بحسب بيرمان، أن “الولايات المتحدة ستحتاج إلى تفكيك كافة الترتيبات التي استغلت من خلالها إيران ووكلاؤها البلاد في الماضي، وإلغائها”.
يوضح خبير اقتصادي ومالي متابع لشؤون “حزب الله” في حديث مع “الحرة”، طلب عدم ذكر اسمه، أن الحزب بنى “اقتصادا موازيا” في فنزويلا يقوم على ركائز أساسية بدأت تتداعى الآن. أهم هذه الركائز تجارة الذهب (أركو مينيرو)، وتحالف “كارتيل الشمس” المرتبط بضباط الجيش الفنزويلي، وغسيل الأموال في جزيرة مارغريتا. ويؤكد وليد فارس أن هذه الشبكة امتدت من فنزويلا إلى تشيلي والأرجنتين والبرازيل وكولومبيا، وصولا إلى بناء علاقات مع كارتيلات المخدرات في المكسيك، ما سمح بتسلل عناصرها إلى الداخل الأميركي.
وبحسب تقارير الكونغرس الأميركي، شارك حزب الله في عمليات “تجارة المخدرات العابرة للحدود”، حيث كان يتم استبدال الكوكايين بالسلاح وتبييض الأموال عبر قنوات الحزب المالية، وضخ مبالغ طائلة في “اقتصاد الكاش” اللبناني، وساعد الحزب على الصمود أمام الأزمات المالية المحلية. ويؤكد الخبير لـ”الحرة” أن سقوط مادورو سيفتح “السجلات التجارية” للشركات الواجهة في جزيرة مارغريتا أمام التحقيقات الدولية، وسيكشف، بالنتيجة، الملاك الحقيقيين والشبكات المالية المعقدة التي تغذي ميزانية الحزب.
ويرى وليد فارس أن القلق الأكبر في طهران والضاحية اليوم يكمن في “حجم المعلومات الهائلة” التي قد يدلي بها مادورو للأجهزة الأميركية حول الوجود الإيراني وخلايا حزب الله ونشاطاتها الأمنية والمالية في أميركا اللاتينية والولايات المتحدة.
لن يمر فقدان هذا “الملاذ الآمن” من دون أثر في لبنان. يرى الخبراء الذين تحدثت إليهم “الحرة” أن الحزب يعيش اليوم “ضيقة مالية واضحة”، تجلت في تراجع قدرته على تقديم الخدمات الاجتماعية لبيئته الحاضنة، بالإضافة إلى عجز الحزب عن إعادة الإعمار. ومع تضييق الخناق في أميركا اللاتينية، تشير التقارير إلى محاولات الحزب تنشيط خلاياه في غرب أفريقيا للتركيز على “تجارة الماس والأخشاب”. ولكن، بحسب الخبراء، فإن هذا الانتقال يواجه عقبة كبرى: غياب الغطاء الحكومي الرسمي. ففي فنزويلا، كان الحزب يعمل “كجزء من الدولة”، أما في أفريقيا، فهو مضطر للعمل “كعصابة ملاحقة”، مما يزيد من كلفة العمليات ويرفع احتمالات التعرض لضربات أمنية واستخباراتية.
المصدر:
الحرة