آخر الأخبار

هل تغرق أميركا في فنزويلا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مقدمة المترجم

في هذا المقال المنشور بمجلة "فورين أفيرز"، يحلل "خوان إس. غونزاليس"، وهو دبلوماسي سابق عمل في وزارة الخارجية الأميركية من عام 2004 إلى عام 2016، وشغل منصب مدير نصف الكرة الغربي في مجلس الأمن القومي الأميركي من عام 2021 إلى عام 2024، تداعيات إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، منوّها بأنه على النقيض مما تشي به الصورة الدرامية لـ"اعتقال" مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، تبقى أزمة فنزويلا نفسها أبعد ما يكون عن الانتهاء.

يستدعي الكاتب مشهدا من التاريخ القريب، حين وقف الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش تحت راية "تمت المهمة" معلنا انتصار أميركا في العراق، ليتحول هذا الانتصار الشكلي إلى سنوات من التورط الأميركي المكلف. يحذر غونزاليس من تكرار السيناريو نفسه في فنزويلا، لأن إبعاد مادورو لا يعني سقوط النظام الذي لا يزال يملك شبكات محسوبية قوية، خاصة في ظل غياب قائد مؤهل من المعارضة لحشد الفنزويليين حوله.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لا نريدك أن تعيش معنا
* list 2 of 2 ما هي خطة كوريا الجنوبية لإفناء كوريا الشمالية؟ end of list

يفسر غونزاليس دوافع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو من هذه العملية التي تتمحور صراحة حول العوائد الاقتصادية (النفط) والإطاحة بنظام يحتضن خصوم الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا.

ويحذر من تداعيات هذا التدخل على نظرة البلدان الأميركية الأخرى للولايات المتحدة، خاصة إذا تطور إلى احتلال مكلف يعيد تذكير الأميركيين الجنوبيين بأزمنة القوة الأميركية الغاشمة. ولا يغفل الإشارة -بذكاء- إلى مخاطر إحياء " عقيدة مونرو" في زمن لم يعد التنافس على النفوذ فيه عسكريا في المقام الأول، بل أصبح اقتصاديا وتكنولوجيا.

لكن غونزاليس يقع في فخاخ التقييم "الرغائبي" والاستعلاء الأميركي المعتاد على الغير، وهو يؤكد كون "مادورو" رئيسا "غير شرعي" بسبب انتخابات 2024 "المزورة" وفق قوله، معتقدا أن المأزق الذي يواجهه التدخل الأميركي يتمثل فقط في إثبات "عدم شرعيته" دستوريا وقانونيا، دون أن يكلف نفسه عناء الجواب عن السؤال الرئيسي: ما الذي منح الولايات المتحدة حق تحديد "الشرعية" في بلد أجنبي في المقام الأول؟ فضلا عن التدخل لإثبات هذه الشرعية أو نقضها؟

إعلان

يوغل غونزاليس في فخ آخر، حين يجزم أن رحيل مادورو نفسه محل اتفاق بين الجميع -حتى بين الفنزويليين الذين خرجوا للاحتفال- في تعميم مخل، دون أن يتساءل إذا ما كان التدخل الأميركي بهذه الطريقة يحظى بأي قبول أو إذا ما كان موافقا للقوانين الدولية، وهي مسألة تتجاهلها الإدارة الأميركية حتى الآن. يصبح هذا التناقض أكثر وضوحا حين يَصِمُ غونزاليس النظام الفنزويلي وأفعاله بـ"الإجرام" مطلقا، وهو حكم "قانوني" و"أخلاقي" كان يستلزم تقييما "قانونيا" و"أخلاقيا" مناظرا للتدخل الأميركي.

وأخيرا، يستبطن غونزاليس النظرة "الإمبريالية" التي تمنح الولايات المتحدة حق استخدام قوتها بأي شكل يحقق مصالحها، ويتمحور طرحه الرئيسي فقط حول إذا ما كان هذا التدخل سوف يصب في مصلحة أميركا على المدى الطويل.

مصدر الصورة مادورو وزوجته سيليا فلوريس اللذان تم اعتقالهما في فنزويلا ونقلهما إلى المحكمة الفيدرالية للمثول أمام القضاء الأميركي في نيويورك (الأوروبية)

نص الترجمة

يُعد استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية لإزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نقطة تحول حاسمة لفنزويلا وللسياسة الأميركية في نصف الكرة الغربي على السواء. لكن من الخطأ الخلط بين المشاهد الدرامية والحلول الحقيقية لأزمة فنزويلا. فصور مادورو تحت الاحتجاز الأميركي ربما توحي أن المهمة انتهت، إلا أن هذه ليست "بداية النهاية" لصراع واشنطن الطويل مع فنزويلا، بل هي "نهاية البداية"، بداية لمرحلة أكثر صعوبة وخطورة.

تتعامل إدارة ترامب مع إزاحة مادورو بوصفها نجاحا تكتيكيا يتحدث عن نفسه، وهو ما يُغريها بتحمل المسؤولية عن كل ما سيأتي لاحقا. وقد كان الرئيس الأميركي واضحا بشأن هذا الخيار، بإعلانه أن الولايات المتحدة "ستدير فنزويلا لفترة"، وهو إعلان لا يُظهر ثقة الرئيس فحسب، ولكنه يُحمّله مسؤولية التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية المترتبة على ذلك.

بيد أن التاريخ يُقدِّم لنا تحذيرا وعبرة. ففي مايو/أيار 2003، وقف الرئيس جورج دبليو بوش تحت راية "تمت المهمة" معلنا النصر في العراق. لم يكن ما تلا ذلك استقرارا، بل كان تفتتا وتمردا، وأزمة شرعية، وسنوات من التورط المكلف.

واليوم، تقف فنزويلا عند مفترق طرق مماثل. صحيح أن إزاحة مادورو ربما تمهد الطريق لانتقال سياسي مستدام، ولكنها قد تورط الولايات المتحدة بسهولة في مستنقع خطير.

لدى واشنطن فرصة لتحقيق النجاح إذا تمكنت من إدارة المرحلة المقبلة بانضباط. ومن خلال الجمع بين "الإكراه" و"الحوافز"، وبين القوة والشرعية السياسية يمكن للولايات المتحدة إعادة توجيه مسار فنزويلا، وإعادة البلاد إلى حظيرة الديمقراطيات في نصف الكرة الأرضية الغربي (1)، فضلا عن تأكيد النفوذ الأميركي في منطقة أمضت العقد الماضي في التحوط ضد القوة الأميركية. وإذا تمكنت واشنطن من فعل ذلك حقا، فسوف يكون العائد كبيرا.

لقد كان انهيار فنزويلا على مدى العقدين الماضيين المحرك الأكبر للهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود، والفساد، والتدفقات المالية غير المشروعة في نصف الكرة الأرضية، مما أثر سلبا على مصالح الولايات المتحدة.

إعلان

ويمكن لفنزويلا مستقرة أن تعالج هذه المشكلات من جذورها بدلا من انتظار التعامل معها على الحدود الأميركية. سيؤدي ذلك أيضا إلى تقويض بيئة متساهلة سمحت لنظام مادورو بارتكاب "جرائم ممنهجة" ضد شعبه، أدت إلى تآكل المجتمع الفنزويلي وتصدير عدم الاستقرار إلى الخارج، كما سيحرم خصوم الولايات المتحدة (بما في ذلك الصين وإيران وروسيا) من موطئ قدم إستراتيجي.

غير أن تحقيق مثل هذه النتيجة يتطلب قدرا من السياسة الحكيمة والظروف المواتية، وهي أمور غير مضمونة تحت أي إدارة. وتشمل سيناريوهات الفشل المحتملة انتقالا جزئيا يُبقي "الشبكات الإجرامية" على حالها، أو فترة طويلة من الجمود السياسي تُغذي الهجرة وعدم الاستقرار، أو ربما التزاما أمنيا متزايدا لم تكن الولايات المتحدة تنويه أبدا، لكنها ستجد صعوبة في التراجع عنه.

وما سيحدث لاحقا سيحدد ما إذا كانت هذه اللحظة ستصبح نقطة تحول في تاريخ نصف الكرة الغربي، أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من التجاوزات الأميركية.

المقامرة الكبرى

تحمل العملية التي أنهت حكم مادورو بصمة ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بوضوح، فهي تعكس رؤية عالمية تُعلي من شأن الحسم والاستعراض والمكاسب السياسية والاقتصادية على حدٍّ سواء.

وبالنسبة لترامب، لا تُعد فنزويلا مشكلة سياسة خارجية يجب إدارتها بقدر ما هي "موارد" ينبغي استغلالها، لذلك فهو يصرّ على أن الولايات المتحدة ستُدير البلاد، وتستخرج النفط الفنزويلي وتبيعه، وتحوّل النفوذ الجيوسياسي إلى عائدات ملموسة. هذه هي النزعة الاتجارية (الميركنتيلية) (2)، تُطبّق بلا مواربة: سياسة خارجية ممزوجة بالربح، وفرص تُخلق ليس فقط للشركات الأميركية، بل أيضا للحلفاء السياسيين والوسطاء المقربين من السلطة.

يُشكِّل هذا الحدس السياسي التوقعات الآنية في قطاع الطاقة. فإلى جانب "شيفرون"، من المتوقع أن تعود شركات أميركية مثل "كونوكو فيليبس"، الغارقة منذ فترة طويلة في دعاوى قضائية بشأن أصول مُصادرة لها، إلى فنزويلا.

لكن هامش المناورة المتاح لترامب أضيق مما يعتقد، فمعظم حقول الإنتاج في كراكاس مُنحت امتيازاتها بالفعل بموجب عقود، بما في ذلك عقود لشركات صينية ستُصرّ على التزام أي حكومة بتلك الاتفاقيات، وهو ما يُقيّد خيارات واشنطن ويزيد من إغراء تجاوز الحكومة الفنزويلية المُستقبلية.

وإذا سعت الولايات المتحدة إلى الاستحواذ مُباشرةً على عائدات النفط الفنزويلية، فلن يتبقى سوى هامش مالي ضئيل لإعادة الإعمار الداخلي، ما يعني أن الولايات المتحدة سوف تسيطر فعليا على فنزويلا بغض النظر عمّن يشغل السلطة رسميا.

بالنسبة لروبيو، ربما تختلف المخاطر، لكن النتائج تتشابه. لطالما جادل وزير الخارجية بأن الضغط التدريجي لم يُؤدِّ إلا إلى ترسيخ النظام مع توسيع النفوذ الصيني والإيراني والروسي في فنزويلا. تُتيح هذه اللحظة فرصة لإثبات أن القوة العسكرية قادرة على تحقيق النتائج التي فشلت الدبلوماسية والعقوبات في إنجازها، ولإعادة صياغة أسس النقاش حول القيادة الأميركية في نصف الكرة الأرضية (الغربي).

إذا نجح هذا الرهان، فإن تداعياته سوف تتجاوز كاراكاس بكثير. سيُؤكد ذلك ما يُطلق عليه النقاد "مبدأ دونرو" (Don-roe Doctrine) (3)، وهو إعادة صياغة لمبدأ مونرو في عهد ترامب، يُقدم الإنفاذ الأحادي للقوة على ضبط النفس. يشير هذا إلى استعداد واشنطن لإعادة تأكيد هيمنتها في جوارها القريب، مهما أثار ذلك من احتكاكات مؤسسية وتوترات دبلوماسية.

سوف يحفز ذلك عملية إعادة تقييم واسعة للأوضاع في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، تذكر الحكومات (في المنطقة) بأن انسحاب الولايات المتحدة خيار (طوعي)* وليس قيدا (إجباريا)*، وأن القوة الأميركية، عند ممارستها، قادرة على أن تكون حاسمة بما يكفي لئلا تترك خيارات كثيرة لمعارضيها. كما سيشجع هذا أنصار واشنطن الذين يُفضِّلون النتائج الإستراتيجية والتجارية على العملية الدبلوماسية والإقناع في السياسة الإقليمية.

إعلان

لكن هذا المنطق يستند إلى افتراضاتٍ تشكلت في حقبة مضت. لقد نجح مبدأ مونرو عندما كانت القوة الأميركية في المنطقة لا تُضاهى وكان المنافسون الخارجيون بعيدين تماما. ومن المهم التذكير أن هذا ليس هو الحال في عالم اليوم.

مشكلة بلا حل

لا يعني رحيل مادورو انهيار نظام تشافيز، ذلك النظام الهجين الأيديولوجي والسياسي و"الإجرامي" الذي بُني حول المشروع البوليفاري لهوغو تشافيز -سلف مادورو الذي وصل إلى السلطة عام 1999 وتوفي في منصبه عام 2013- واستمر عبر المحسوبية والقمع والتمويل غير المشروع.

لم يكن النظام يوما كيانا واحدا، بل كان ائتلافا متماسكا بفضل الوصول إلى الريع (عائدات النفط)* والخوف المشترك من العقاب (يقصد حال مغادرة السلطة)*. ومع رحيل مادورو، من المرجح أن يتفتت هذا الائتلاف، لكن التفتت لا يعني بالضرورة انتقالا سياسيا.

المتغير الحاسم في هذه المعادلة هو القوات المسلحة. لا يوجد دليل يُذكر على قطيعة مؤسسية تامة بين الجيش وطبقة الحكم تُشير إلى انتقال سريع للسلطة. السيناريو الأرجح هو مفاوضات مطولة، وانشقاقات انتقائية، وتحوط مستمر، حيث يسعى بعض القادة إلى التوافق مع أي سلطة جديدة تنشأ، بينما سيتشبَّث آخرون بمواقعهم، مُراهنين على أن حالة عدم اليقين تصب في مصلحتهم، على أن يتبع أصحاب النفوذ المدنيون -من محافظين ومسؤولين حزبيين ووسطاء اقتصاديين- الحسابات نفسها.

يُقدِّم دستور فنزويلا مسارا ضيقا ومُثيرا للجدل للانتقال، فهو يدعو إلى انتخابات جديدة في غضون 30 يوما من شغور منصب الرئيس، لكن حالة "الشغور" هذه تطلب الاعتراف بنتائج انتخابات يوليو/تموز 2024 التي أسفرت عن فوز مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس، وهو فوز حظي باعتراف واسع النطاق في الخارج، لكن لم يعترف به في الداخل، حيث أعلن فوز مادورو رسميا (4).

يُجسِّد التناقض بين الإجراءات الدستورية والواقع السياسي التحدي الأساسي المُنتظر: فـ"الشرعية" وحدها لن تحلّ مشكلة الانتقال دون موافقة مَن لا يزالون يُسيطرون على السلطة فعليا.

ورغم ذلك، لا يزال الانتقال السلمي ممكنا، ولكنه يتطلب ضغطا مُدروسا، وضمانات موثوقة، واستعدادا لإعطاء الأولوية لإعادة الإدماج على حساب العقاب الشامل، وإلا فسوف يظهر مُعرقِلون كثر لهذا الانتقال، ليس فقط من "المُتشددين أيديولوجيًّا"، ولكن أيضا من "فاعلين عقلانيين" يتصرفون بدافع الحفاظ على الذات.

ومما يزيد الأمور تعقيدا النظام البيئي الذي خلّفه مادورو من المتاجرين بالبشر، والمسؤولين الفاسدين، والجماعات المسلحة، والجهات الأمنية. هذه الكيانات متغلغلة بعمق في الدولة والاقتصاد، ما يعني أن إزاحة الزعيم لا تعني مطلقا تفكيك النظام.

مصدر الصورة نتائج انتخابات 2024 أسفرت عن فوز غونزاليس لكن لم يعترف به في الداخل حيث أعلن فوز مادورو رسميا (رويترز)

حرب قادمة بلا نهاية؟

سوف يكون الفشل المحتمل للانتقال السياسي مكلفا، لكراكاس وواشنطن على السواء. يُهدد الانسحاب الأميركي السريع بترك فنزويلا في حالةٍ من التخبط وعدم الاستقرار، بدون سلطة حكم واضحة، ما يعني نزيفا مستمرا للأرواح ورؤوس الأموال. أما البقاء لفترةٍ طويلة فيحمل خطرا آخر هو التورط المطول في صراع "منخفض الحدة" يستنزف اهتمام الولايات المتحدة وشرعيتها وإرادتها السياسية.

هذه هي المفارقة التي يطرحها التدخل العسكري: القليل جدا يُؤدي إلى الفوضى، والكثير جدا يُقود إلى المستنقع. المشكلة أن هوامش الخطأ ضئيلة للغاية، وستكون عواقب سوء التقدير محسوسة خارج حدود فنزويلا.

ومن المرجح أن تفسح الأزمة المطولة المجال لمزيد من التدخلات الخارجية. لقد اعتمدت إيران وروسيا على علاقاتهما الأمنية مع كراكاس، أما الصين فقد لعبت لعبة طويلة الأمد، مُركزةً على البنية التحتية والتمويل والوصول إلى الأسواق. قد يُعزز الوجود العسكري الأميركي المكثف، دون قصد، موقف بكين من خلال ترسيخ الانطباع بأن واشنطن تُمارس القوة والإكراه بينما تُقدم الصين التنمية والفرص.

هنا تحديدا يكمن قصور "مبدأ دونرو". لم تعد القوة العسكرية الأداة الأكثر فعالية في التأثير على نتائج الصراعات في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. ربما كانت كذلك في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما فرضت الولايات المتحدة النظام عبر الاحتلال العسكري ودبلوماسية القوة. لكن اليوم، لم يعد التنافس على النفوذ في المنطقة عسكريا في المقام الأول، بل أصبح اقتصاديا وتكنولوجيا.

إعلان

لقد أدركت الصين ذلك منذ سنوات، فعملت على ترسيخ وجودها في سلاسل التوريد والموانئ وشبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية، وغالبا ما كان تركُّز نفوذها في الأماكن التي استهدفتها واشنطن بالعقوبات أو التهديدات. وبدون دعم اقتصادي، لن تُجبر الهيمنة العسكرية الأميركية الصين على الخروج من فنزويلا أو المنطقة، بل ستشجع دول المنطقة على المزيد من التحوط في رهاناتها (4).

أظهرت ردود الفعل الإقليمية والعالمية على الضربة الأميركية ذلك بوضوح. فقد أدانت البرازيل وكولومبيا والمكسيك الخطوة الأميركية، بينما احتفل العديد من الفنزويليين علنا برحيل مادورو.

أما ردود الفعل الأوروبية -من بروكسل ولندن وباريس- فجاءت حذرة أكثر من كونها ناقدة، إذ أبدت دعما عاما للنتيجة النهائية، لكنها تحفظت على الأساليب والتبعات. يُظهر هذا أن هناك دعما حقيقيا لرحيل مادورو، لكن تأييد الولايات المتحدة يظل مشروطا بكيفية إدارتها للمرحلة التالية.

يعني ذلك أن الميزانيات، لا ساحة المعركة، ستكون هي المسألة الأكثر حسما، وهنا يهدد ميل ترامب لمكافأة حلفائه السياسيين بتحويل رؤوس الأموال بعيدا عن الاستثمار طويل الأجل اللازم لإعادة بناء اقتصاد فنزويلا.

لقد انهارت الخدمات العامة، وفقدت البلاد أكثر من ثلاثة أرباع ناتجها المحلي الإجمالي في عقد من الزمان بفعل انهيار إنتاج النفط (والعقوبات)*، رغم أن البلاد لا تزال تمتلك أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم وفقا لبعض المقاييس. ولا يوجد جهد لإعادة الإعمار في أعقاب الصراع في أي مكان في نصف الكرة الغربي يقترب من هذا الحجم.

وفي هذا السياق، لا تُعدّ السيطرة على عائدات النفط مسألةً فنيةً فحسب، بل هي العامل الحاسم في قدرة أي حكومة مستقبلية على الحكم، فإذا تحولت هذه العائدات إلى الخارج، فستصبح السيادة السياسية لهذه الحكومة جوفاء، بغض النظر عن نتائج الانتخابات.

للسيطرة على النفط الفنزويلي تداعيات عالمية أيضا. فحتى في ظلّ التوقعات المتفائلة، سيؤدي تدهور البنية التحتية، وقيود رأس المال، ومطالبات الدائنين، والمخاطر السياسية إلى تباطؤ نمو الإنتاج على المدى القصير. مع ذلك، وبمرور الوقت، قد يُحدث الإنتاج الفنزويلي تغييرا جوهريا في موازين القوى العالمية. في هذه الحالة، ستصبح واشنطن مشاركا فعليا في تشكيل أسواق النفط العالمية، مُدمجةً نفسها عمليا في منظومة "أوبك+" دون عضوية رسمية.

هذه فرصة للولايات المتحدة للمنافسة في المجالات التي تتمتع فيها بمزايا حقيقية. فالحكمة الاقتصادية -لا الهيمنة العسكرية- هي التي ستُحدد ما إذا كان اندماج فنزويلا سيُعزز النفوذ الأميركي أم يُضعفه.

ولن يقتصر تحقيق الاستقرار على تخفيف العقوبات فحسب، بل يتطلب استثمارات خاصة، وإعادة هيكلة الديون، واستعادة إنتاج الطاقة، والاندماج في التحولات التكنولوجية التي تُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. تقف منطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي على أعتاب تغيير هيكلي في مجالات الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، ويتعين على فنزويلا أن تشارك في هذا المستقبل، وإلا ستبقى أسيرة الاستغلال والتبعية.

الطريق للمستقبل

في ضوء ذلك، هناك 3 سيناريوهات رئيسية محتملة في أعقاب تنحي مادورو القسري:


* السيناريو الأول هو "انتقال مُدار"

في هذا السيناريو، قد تُجرى الانتخابات، لكن من غير المؤكد أن تفرز قائدا واحدا من المعارضة يكون قادرا على تولي زمام الأمور. فالزخم السياسي الذي تحظى به ماريا ماتشادو (الحائزة على جائزة نوبل للسلام)، وإن كان حقيقيا، لا يُترجم تلقائيا إلى سلطة حكم في ظل واقع ما بعد مادورو الذي يتسم بالتدهور المؤسسي، وهيمنة جهات أمنية تتمتع بـ" حق النقض"، واختلال موازين القوى، في حين أدى النفي والتشرذم والإرهاق إلى إضعاف صفوف المعارضة.

وبدلا من ذلك، ربما يحدث التوافق حول سلطة مؤقتة أو ترتيب تكنوقراطي مقبول لدى الفاعلين المحليين الرئيسيين، بمَن فيهم عناصر من النظام السابق والقوات المسلحة.

يوفر هذا السيناريو أفضل فرصة لتحقيق الاستقرار، ولكن بشرط أن يقترن بإغاثة اقتصادية سريعة وضمانات أمنية موثوقة.


* السيناريو الثاني هو "استمرارية الإجرام"

يعزز هذا السيناريو حقيقة أن جزءا كبيرا من البنية القسرية و"الإجرامية" للنظام لا تزال قائمة، حيث تستمر الجماعات المسلحة وتجار المخدرات في العمل. رسميا، يمكن أن تتسلم السلطة شخصية مدنية مؤقتة، مثل نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي توفر للشركاء الدوليين استمرارية "إجرائية" مع الحفاظ على الشبكات الأساسية التي دعمت النظام.

وفي هذا السيناريو، يستمر عدم الاستقرار، ويكون الاستقرار السياسي شكليا، وتُمنح حصانة غير معلنة للنخب الأمنية، مع مواصلة النظام السيطرة على مصادر الإيرادات الرئيسية بدلا من إصلاحها.


* أما المسار الثالث فهو "التصعيد"

حيث تتحول صراعات السلطة إلى عنف مستمر، وتنتشر الجماعات المسلحة، وتواجه الولايات المتحدة ضغوطا للتدخل مجددا. وساعتها فإن ما بدأ بصورة "استقرار" يُنذر بأن يصبح التزاما مفتوحا آخر للولايات المتحدة.

لا يعتمد المسار الذي سيسلكه الانتقال فعليا (من بين تلك السيناريوهات)* على العملية التي أطاحت بمادورو، بقدر ما ستُحدِّده الإستراتيجية الأميركية اللاحقة. ففنزويلا الآن اختبار، ليس فقط للقوة الأميركية، بل لحكمة الأميركيين أيضا. وسيكون إغراء إعلان النصر السريع والمضي قدما قويا، وكذلك الرغبة في التحكم المباشر في النتائج، ويتعين مقاومة كليهما.

وإذا نجح ترامب وروبيو في مساعيهما، فسيعيدان تشكيل السياسة في نصف الكرة الغربي، ويؤكدان حدة وصرامة القيادة الأميركية. أما إذا فشلا، فسوف تتردد أصداء الفشل لسنوات، مما سيؤدي إلى تفاقم الهجرة، وتمكين الخصوم، وتعزيز الشكوك حول التدخلات الأميركية. إن مستقبل فنزويلا لن يُحسم بإزاحة مادورو، بل بالانضباط وضبط النفس والرؤية الاقتصادية التي ستُطبق في أعقاب ذلك.

_________________________________________

هذه المادة مترجمة عن فورين أفيرز ولا تعبر بالضرورة عن موقف شبكة الجزيرة التحريري

الهوامش:

* ملاحظات المترجم

(1) يشير مصطلح "نصف الكرة الأرضية" أو "نصف الكرة الغربي" في هذا المقال إلى القارتين الأميركيتين.

(2) "الميركنتيلية" (Mercantilism) أو "الاتجارية": هي مدرسة اقتصادية وسياسية تاريخية ترى أن قوة الدولة السياسية على حشد الثروات وحرمان الخصوم منها، وتقيس نجاح أي فعل سياسي بقدرته على جلب المزيد من الثروة.

(3) "مبدأ دون – رو" (Don-roe Doctrine): مصطلح مستحدث -دون تعني دونالد ورو تعني مونرو- يشير إلى تعديلات ترامب على عقيدة مونرو، التي أصدرها الرئيس الأسبق جيمس مونرو عام 1823 وأعلن بموجبها نصف الكرة الغربي منطقة خالصة للنفوذ الأميركي. وقد أقرت إستراتيجية إدارة ترامب الأمنية الصادرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي هذا المبدأ ونقَّحته ضمن ما وصفته بـ"ملحق ترامب على عقيدة مونرو" (Trump Corollary to the Monroe Doctrine).

(4) يفترض الكاتب هنا أن النتائج الرسمية لانتخابات 2024 التي أقرت فوز مادورو كانت مزورة، لكن المشكلة هي غياب الاعتراف الداخلي الرسمي بفوز المعارضة من أجل إثبات شغور منصب الرئيس.

(5) "التحوُّط" (Hedging): هو إستراتيجية سياسة خارجية تستخدمها الدول المتوسطة أو النامية لتجنُّب الالتزام الكامل مع قوة عظمى واحدة (مثل أميركا أو الصين)، من خلال التوازن بين الاقتراب من الاثنتين معا لتقليل المخاطر وتعزيز المكاسب. ويعني هنا أن الاستخدام الغاشم للقوة العسكرية الأميركية سيجعل دول المنطقة حريصة أكثر على إبقاء علاقاتها مع الصين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا