آخر الأخبار

عندما يتكرر السرطان في العائلة.. هل للوراثة دور؟

شارك

عندما يُصاب أكثر من شخص في العائلة بالسرطان، قد يظن البعض أن السبب يعود إلى الوراثة، خاصة إذا تكررت الحالات لدى أفراد من أجيال مختلفة، لكن وجود تاريخ عائلي للإصابة لا يعني بالضرورة أن هناك جينا موروثا تسبب في المرض، كما أن وجود تغير جيني يزيد من خطر الإصابة لا يعني حتمية الإصابة بالسرطان.

ينشأ السرطان بسبب تغيرات جينية تحدث داخل الخلايا، لكن هذه التغيرات لا تكون موروثة دائما. فقد تظهر في حياة الإنسان نتيجة عوامل بيئية أو أخطاء طبيعية تحدث أثناء انقسام الخلايا، بينما يرث بعض الأشخاص تغيرات جينية تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالسرطان.

ويوضح المعهد الوطني الأمريكي للسرطان أن ما يمكن أن ينتقل من الوالدين إلى الأبناء هو الاستعداد الوراثي الذي يزيد خطر الإصابة بالسرطان، وليس السرطان نفسه.

السرطان الوراثي أقل من المتوقع

يقول رئيس قسم الطب الوراثي والطب الجينومي في مستشفى سدرة للطب بقطر الدكتور توفيق بن عمران، إن معظم حالات السرطان تحدث بسبب عوامل غير وراثية، من بينها التقدم في العمر والتدخين والسمنة وغيرها من عوامل الخطورة، بينما تمثل السرطانات المرتبطة بتغيرات جينية موروثة نسبة محدودة من الحالات.

كما يشير المعهد الوطني الأمريكي للسرطان إلى أن نحو 5% إلى 10% من جميع السرطانات يعتقد أنها ناجمة عن تغيرات جينية موروثة من أحد الوالدين.

مصدر الصورة السرطان مرض ينشأ نتيجة تغيرات جينية داخل الخلايا (بيكسلز)

ويتوافق ذلك مع ما أوردته مراجعة علمية نُشرت في دورية "جينز" (Genes) عام 2023، تشير إلى أن متلازمات السرطان الوراثية تمثل نحو 10% من إجمالي حالات السرطان.

ويساعد اكتشاف التغير الجيني المرتبط بهذه المتلازمات في تحديد مستوى خطر الإصابة، ووضع خطط مناسبة للمتابعة والفحوصات الوقائية للمريض وأفراد أسرته.

وأضاف بن عمران أن الاستعداد الوراثي لا يعني وراثة المرض نفسه، بل وجود تغيرات جينية قد تزيد احتمال الإصابة. وحتى في متلازمات السرطان الوراثية لا تكون الإصابة حتمية، ويمكن للاستشارة الوراثية والفحوص والمتابعة المناسبة أن تساعد في الحد من هذا الخطر.

لماذا يتكرر المرض داخل الأسرة؟

قد يتكرر السرطان بين أفراد الأسرة من دون العثور على تغير جيني موروث معروف. وأوضح بن عمران أن وجود أكثر من حالة في العائلة لا يعني بالضرورة وجود سبب جيني مشترك، إذ قد يكون وراء هذا التجمع تداخل بين عوامل وراثية وبيئية وسلوكية يشترك فيها أفراد الأسرة.

إعلان

أما المعهد الوطني الأمريكي للسرطان فيوضح أن المرض قد يبدو عائليا بسبب تعرض أفراد الأسرة لعوامل بيئية مشتركة أو تبني سلوكيات متشابهة، مثل التدخين، كما قد يصاب أكثر من فرد بسرطان شائع من دون أن يكون السبب تغيرا جينيا موروثا. وقد تسهم كذلك مجموعة من المتغيرات الجينية، يضيف كل منها زيادة صغيرة إلى خطر الإصابة.

ومن هنا يفرق الأطباء بين السرطان الناتج عن تغير جيني موروث معروف، وبين تكرر الإصابة داخل الأسرة من دون وجود سبب وراثي محدد يفسر هذا التكرار. لذلك فإن عدد الإصابات داخل الأسرة مهم في تقييم الخطر، لكنه لا يكفي وحده للحكم بأن السرطان وراثي.

مصدر الصورة الفحص الجيني ليس اختبارا يتنبأ بصورة قاطعة بمن سيصاب بالسرطان (بيكسلز)

متى يصبح التاريخ العائلي لافتا؟

وأضاف بن عمران أن احتمال وجود عامل وراثي يصبح أكثر وضوحا عندما يظهر المرض في سن مبكرة، خصوصا قبل الخمسين، أو تتكرر الإصابات لدى عدة أقارب من الدرجة الأولى، أو تظهر الحالات في أكثر من جيل، أو يصاب شخص واحد بأكثر من سرطان مستقل.

وقال إن الاستشارة الوراثية والتقييم الجيني ينصح بهما عند وجود تاريخ عائلي قوي للمرض، أو عند اكتشاف تغير جيني موروث معروف لدى أحد الأقارب، لأن التقييم المبكر يمكن أن يساعد في تحديد الحاجة إلى الفحص ووضع خطة مناسبة للمتابعة والوقاية.

وتتوافق هذه المؤشرات مع ما يورده المعهد الوطني الأمريكي للسرطان، الذي يعد الإصابة في عمر أصغر من المعتاد، أو وجود عدة أقارب مصابين، أو ظهور أكثر من سرطان لدى الشخص نفسه، أو معرفة وجود تغير جيني يزيد خطر الإصابة في الأسرة، من العوامل التي قد تستدعي مناقشة الاستشارة والفحص الجيني مع المختصين. وعندما يكون ذلك ممكنا، يفضل أن يبدأ الفحص بأحد أفراد الأسرة الذين سبق أن أصيبوا بالسرطان، لأن النتيجة تكون أكثر فائدة في تفسير الخطر لدى بقية أفرادها.

الجينات لا تعمل وحدها

وأكد بن عمران أن خطر الإصابة بالسرطان يتشكل من تفاعل معقد بين الجينات الموروثة والعوامل البيئية ونمط الحياة، فالاستعداد الوراثي قد يزيد خطر الإصابة، لكن ظهور المرض يظل مرتبطا بعوامل أخرى أيضا.

وتبرز أهمية هذه العوامل في دراسة لباحثين من الجمعية الأمريكية للسرطان، نشرتها دورية "سي إيه: أ كانسر جورنال فور كلينيشنز" (CA: A Cancer Journal for Clinicians) عام 2024، وقدرت أن نحو 40% من حالات السرطان لدى البالغين بعمر 30 عاما فأكثر في الولايات المتحدة عام 2019 ارتبطت بعوامل خطر يمكن تجنبها أو الحد منها. وكان تدخين السجائر العامل الأكبر يليه الوزن الزائد، إلى جانب عوامل أخرى يمكن الحد من تأثيرها.

ولا يعني ذلك أن تغيير نمط الحياة يمكنه إلغاء الاستعداد الوراثي أو منع الإصابة بالسرطان بشكل مؤكد، لكنه يوضح أن الجينات ليست العامل الوحيد الذي يؤثر في خطر الإصابة. لذلك، تظل الوقاية واتباع نمط حياة صحي أمرين مهمين، حتى لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالسرطان.

مصدر الصورة السرطان قد يبدو عائليا بسبب تعرض أفراد الأسرة لعوامل بيئية مشتركة أو تبني سلوكيات متشابهة (بيكسلز)

ماذا يقول الفحص الجيني؟

الفحص الجيني ليس اختبارا يتنبأ بصورة قاطعة بمن سيصاب بالسرطان، وإنما يبحث عن تغيرات موروثة معروفة ترتبط بزيادة الخطر. ويمكن أن تساعد نتيجته الأطباء في تقدير خطر الإصابة وتحديد المتابعة الملائمة، وقد توفر كذلك معلومات مهمة لأفراد الأسرة الآخرين.

إعلان

لكن النتيجة السلبية لا تعني دائما أن الخطر عاد إلى المستوى المعتاد، خصوصا عندما يكون التاريخ العائلي واضحا ولا يكشف الفحص عن تغير جيني معروف. فقد يكون سبب تكرار المرض داخل الأسرة غير معروف بعد، ولهذا تظل المتابعة مرتبطة بالتاريخ الشخصي والعائلي وعوامل الخطر الأخرى.

وهكذا لا يحمل تكرر السرطان داخل الأسرة حكما مسبقا على بقية أفرادها أو الأجيال التالية، لكنه يحمل إشارة تستحق أن تقرأ طبيا لا بخوف. فمعرفة من أصيب، وفي أي عمر، ودرجة القرابة، قد تحول التاريخ العائلي من مصدر للقلق إلى أداة تساعد الطبيب على تقدير الخطر، وتحديد من يحتاج إلى استشارة وراثية أو متابعة أدق، ومن تكفيه إجراءات الوقاية والمتابعة المعتادة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار