دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- كشفت مركبة "كيوريوسيتي" الجوالة عن أكثر مجموعة متنوعة من الجزيئات العضوية التي عثر عليها على الإطلاق على كوكب المريخ ، بما في ذلك 7 جزيئات لم يتم اكتشافها من قبل على الكوكب الأحمر.
هذه المركبات التي تحتوي على الكربون هي اللبنات الأساسية نفسها التي مكنت الحياة من الظهور على الأرض.
وجاءت النتائج، التي نُشرت في مجلة "Nature Communications"، من تجربة فريدة من نوعها على المريخ، حيث قامت المركبة بجمع عينة صخرية وإذابتها في محلول كيميائي لكشف أسرار تركيبها.
يعتقد فريق البحث أن الجزيئات العضوية التي تم تحديدها في الصخر قد حفظت على المريخ لـ3.5 مليار سنة، وفقًا للدكتورة إيمي ويليامز، المؤلفة الرئيسية للدراسة والأستاذة المشاركة في علوم الأرض بجامعة فلوريدا، فضلاً عن كونها عالمة في مهمة "كيوريوسيتي".
وقالت ويليامز: "هذه النتائج مهمة لأنها تؤكد أن المادة العضوية المعقدة الأكبر حجمًا يمكن أن تُحفَظ على المريخ عبر فترات زمنية جيولوجية، رغم البيئة الإشعاعية القاسية. وهذا يدعم البحث عن بيئات صالحة للحياة على المريخ، والتي تعرّف بأنها أماكن كان يمكن للحياة أن تتواجد فيها لو كانت موجودة".
وتكمل هذه النتائج الاكتشافات السابقة لـ"كيوريوسيتي" المتعلقة بالمركبات العضوية، وتعزز فكرة أن المريخ ربما كان يومًا ما كوكبًا صالحًا للحياة قبل مليارات السنين، بدلًا من الصحراء المتجمدة التي هو عليها اليوم.
وقال أشوين فاسافادا، العالم المشارك في الدراسة وعالم مشروع "كيوريوسيتي" في مختبر الدفع النفاث التابع لـ"ناسا" في ولاية كاليفورنيا: "إن ما كشفته المهمة بالنسبة لي ليس فقط أن المريخ كان صالحًا للحياة، بل مدى صلاحيته للحياة بشكلٍ رائع".
هبطت مركبة "كيوريوسيتي" في فوهة "غيل" على المريخ عام 2012 بهدف تحديد ما إذا كان الكوكب صالحًا للحياة في أي وقت مضى. وعلى مدى سنوات، صعدت المركبة تضاريس تُعرف باسم جبل "شارب" داخل الفوهة، سعيًا للوصول إلى طبقات غنية بالطين رصدتها المركبات المدارية.
وتشير هذه الطبقات الطينية، القادرة على حفظ الجزيئات العضوية، إلى أنّ الماء لم يكن موجودًا فقط على المريخ في الماضي البعيد، بل اختفى وعاد للظهور في الموقع مع مرور الزمن.
واستغرق وصول "كيوريوسيتي" إلى طبقة الطين في منطقة "غلين توريدون" من جبل "شارب" نحو 6 أو 7 سنوات، لكن الانتظار كان يستحق العناء، بحسب فاسافادا.
عثرت المركبة على أدلة على وجود طين متحجر من بحيرات قديمة، إضافة إلى حجر رملي تشكل بفعل تدفق المياه نحو تلك البحيرات.
واجتمع أعضاء فريق المهمة لاختيار أفضل موقع لحفر عينة لاختبار وجود مواد عضوية. ونظرًا لأن المركبة تحتوي على كوبين فقط لتجارب الكيمياء الرطبة، أراد الفريق تحقيق أقصى استفادة من التجربة، فاختاروا موقعًا أطلقوا عليه اسم "ماري آننغ"، تكريمًا لعالمة الحفريات البريطانية الرائدة في القرن الـ19.
في عام 2020، حفرت "كيوريوسيتي" عينة من الحجر الرملي الذي يحتوي على معادن الطين، وسحقتها، ومن ثمّ وضعتها داخل جهاز تحليل العينات على المريخ الموجود وسط المركبة.
وتمكن الفريق من تحديد 21 جزيئًا يحتوي على الكربون، بما في ذلك مركبات حلقية تحتوي على النيتروجين، وهي هياكل تعد سلفًا للحمضين النوويين الحمض النووي الريبوزي (RNA) والحمض النووي الصبغي (DNA).
وقالت ويليامز: "هذا الاكتشاف عميق الأثر لأن هذه التراكيب يمكن أن تكون مقدمات كيميائية لجزيئات أكثر تعقيدًا تحتوي على النيتروجين. ولم يتم العثور على مثل هذه المركبات من قبل على سطح المريخ أو تأكيدها في نيازك مريخية".
كما كشفت النتائج عن وجود مركب البنزوثيوفين، وهو جزيء يحتوي على الكربون والكبريت يوجد عادة في النيازك، ما يشير إلى أنّ مثل هذه المواد ربما وصلت إلى الكواكب عبر اصطدامات نيزكية.
وأضافت ويليامز: "المواد ذاتها التي تساقطت على المريخ عبر النيازك هي التي تساقطت على الأرض، وربما ساهمت في توفير اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها".
خلال العام الماضي، اكتشفت "كيوريوسيتي" أيضًا أكبر جزيئات عضوية تم العثور عليها على المريخ، بينما رصدت عربة "بيرسيفيرانس" أنماطًا تشبه بقع الفهد على الصخور قد تكون ناتجة عن حياة قديمة.
وتُسهم هذه الاكتشافات مجتمعة في رسم صورة مثيرة لما كان عليه المريخ في الماضي البعيد، وفقًا لفاسافادا.
كما تمهد هذه التجربة الطريق لمهام مستقبلية ستستخدم تجارب كيميائية مماثلة للبحث عن مركبات عضوية في أنحاء النظام الشمسي.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة تشارلز ماليسبين: "كان معرفة كيفية إجراء هذا النوع من التفاعلات الكيميائية على المريخ لأول مرة إنجازًا كبيرًا . والآن بعد أن اكتسبنا الخبرة، أصبحنا مستعدين لتطبيق تجارب مماثلة في المهام المستقبلية".
يُعد هذا الاكتشاف دليلًا واضحًا على أنّ الصخور الرسوبية على المريخ تستطيع حفظ آثار المواد العضوية التي كانت موجودة على سطحه قبل مليارات السنين، بحسب الدكتورة بريوني هورغان من جامعة بوردو.
وأضافت: "رغم أننا لا نستطيع حتى الآن الجزم بأن هذه المواد العضوية ناتجة عن الحياة، فإننا نبدأ في جمع البيانات للإجابة عن هذا السؤال. ولكن للإجابة عن السؤال بالكامل، يجب إعادة العينات إلى الأرض لدراستها في المختبرات".
وكان الكونغرس قد ألغى في يناير/ كانون الثاني الماضي خطة طموحة ومكلفة لوكالتي "ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية لإعادة عينات من المريخ، لكن العلماء ما زالوا يؤكدون أن هذه الخطوة ضرورية للإجابة عن أحد أكبر الأسئلة في تاريخ البشرية: هل سبق أن وُجدت الحياة خارج كوكب الأرض؟
المصدر:
سي ان ان