دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يرجّح بحث جديد أن يكون مخطّط يد رُسم بصبغة حمراء على جدار كهف في إندونيسيا قبل 67800 عامًا بالحد الأدنى، أقدم فن صخري معروف في العالم .
ويُعتقد أنّ مخطّط اليد الباهت، إلى جانب لوحات كهفية أخرى لافتة على جزيرة سولاويسي، أنجزه بشر أوائل كانوا جزءًا من مجموعة سكانية انتشرت في قارة مفقودة تُعرف باسم "ساهول"، تشمل اليوم أستراليا وبابوا غينيا الجديدة وأجزاء من إندونيسيا .
وقال عالم الآثار والكيمياء الجيولوجية في جامعة غريفيث بأستراليا، ماكسيم أوبير، المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت في دورية Nature الأربعاء، إنّ هذه الرسوم "صُنعت باستخدام المغرة. وضعوا أيديهم على الجدار، ثم رشّوا الصبغة. لا يمكننا تحديد التقنية التي استخدموها. ربما وضعوا الصبغة في أفواههم ونفثوها، أو ربما استخدموا أداة ما". ووصف أوبير الاكتشاف بأنه "مثير ومتواضع".
يتجاوز الحد الأدنى لعمر مخطط اليد، الذي عُدِّل في مرحلة ما لإبراز أصابع ضيقة مميّزة، أعمار عشرات الأمثلة الأخرى للفن ما قبل التاريخ، المحفوظة في كهوف الحجر الجيري الآسرة في المنطقة .
ويبرز مثال آخر يتمثّل في مشهد يصوّر كائنات نصفها بشري ونصفها حيواني تصطاد خنزيرًا بريًا، ويُعد أقدم دليل معروف على السرد القصصي في تاريخ الفن .
وقال أوبير: "ما نراه في إندونيسيا على الأرجح انكشاف تدريجي لتقليد ثقافي أعمق وأقدم بكثير من سلسلة مفاجآت معزولة، بقي غير مرئي لنا حتى الآونة الأخيرة ".
مسحَت الدراسة الجديدة 44 موقعًا في جنوب شرق جزيرة سولاويسي، وحدّدت على نحو موثوق أعمار 11 رسمًا من فنون الكهوف، من بينها سبعة رسوم لأيدٍ. وعثر الفريق على أقدم مخطط يد في كهف ميتاندونو على جزيرة مونا. ويضم الكهف أيضًا صورًا أحدث بكثير لخيول وغزلان وخنازير، يُرجَّح أنها رُسمت قبل نحو 3,500 إلى 4,000 سنة، وفق الدراسة. وقد شكّلت هذه الرسوم عامل جذب للسيّاح .
ويُعد تأريخ فنون الكهوف مهمة معقّدة، لذلك استخدم الفريق تقنية حلّلت آثارًا كيميائية في القشور المعدنية التي تتشكّل فوق الرسوم، تُعرف أحيانًا باسم "فشار الكهوف"، لتحديد حدٍّ أدنى لعمر هذه الأعمال الفنية .
يفوق فن الصخور في سولاويسي قِدمَ فنون الكهوف الشهيرة في أوروبا، مثل كهوف لاسكو في فرنسا، وكذلك مخطّط يد يُشتبه في أن إنسان نياندرتال صنعه في أحد كهوف إسبانيا .
يرجّح أن الأشخاص الذين أنجزوا رسوم الأيدي كانوا من أوائل أفراد نوعنا، الإنسان العاقل، الذين عاشوا في جنوب شرق آسيا خلال العصر الجليدي. حينها، كانت مستويات البحار أدنى بكثير، وكانت المنطقة مختلفة تمامًا، بحسب الدراسة .
وقال أوبير إنّ البشر، بعد إنجازهم مخططات الأيدي، ضيّقوا الأصابع كي تبدو كالمخالب. ورأى أنّ الطبعات السلبية للأيدي تشكّل أمثلة على فن يكشف سلوكًا معقّدًا، حتى وإن لم تكن تصويرية أو سردية مثل المشهد الآسر لصيد الخنزير البري .
وأوضح أن الأيدي مثلا كانت تشير إلى أماكن ذات أهمية بالنسبة إلى الفنانين. وقال: "لم يكن هذا نشاطًا عابرًا. تطلّب تخطيطًا ومعرفة مشتركة ودلالة ثقافية ".
وأشار إلى أن مخططات الأيدي تختلف ماديًا عن رقائق حجرية عُثر عليها في كهف بجنوب أفريقيا ويعود تاريخها إلى 73 ألف عام، وتحمل خطوطًا وصفها بعضهم بأنها أقدم رسم معروف. ولفت أوبير إلى أن تلك الخطوط كانت تجريدية، وربما لم تكن صورة مقصودة أصلًا .
وقال بول بيتيت، أستاذ علم آثار العصر الحجري القديم والمتخصص بفنون ما قبل التاريخ في جامعة دورهام في المملكة المتحدة، إن التاريخ المُعطى لمخطط اليد يمثّل حدًا أدنى للعمر، مضيفًا أنه قد يكون أقدم بكثير، ولا ينبغي الافتراض أنه صُنع على يد الإنسان العاقل. وأوضح بيتيت، غير المشارك في الدراسة، أن أنواعًا بشرية أخرى، مثل الدينيسوفانيين الذين لا يزال فهمهم محدودًا، عاشت في المنطقة على الأرجح .
وأضاف: "لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مخططات الأيدي ذات الأصابع الضيقة أو المدببة قد عُدِّلت عمدًا أم أنها مجرد نتيجة لتحريك الأصابع، لكن وصف ذلك بالسلوك المعقّد ينطوي على مبالغة في تفسير رسم اليد ".
وأضاف: "قبل صياغة سرديات كبرى عن تعقيد الإنسان العاقل ونجاحه، ينبغي لنا فعلًا أن ننظر في تفسيرات أخرى، قد تكون أكثر إثارة للاهتمام، لهذه الظاهرة الآسرة ".
يساعد وجود فنون الكهوف القديمة جدًا في سولاويسي علماء الآثار أيضًا على الإجابة عن أسئلة مثيرة للجدل حول كيفية وموعد وصول البشر الأوائل إلى أرض مفقودة تُعرف باسم "ساهول". وكانت هذه الأرض تربط أستراليا بجزيرة غينيا الجديدة، التي تنقسم اليوم إلى بابوا غينيا الجديدة وبابوا الإندونيسية .
ويرى بعض الباحثين أن البشر وصلوا إلى ساهول قبل نحو 50,000 عام، بينما يفترض آخرون أنهم وصلوا قبل 65,000 عام بالحد الأدنى. كما يناقشون الطريق الذي يرجّح أنهم سلكوه. وتشير أعمار فنون الكهوف في سولاويسي إلى أن أسلاف أول الأستراليين قد يكونون تواجدوا في ساهول بما يتوافق مع الجدول الزمني الأقدم، وأن هؤلاء البشر الأوائل سلكوا طريقًا شماليًا عبر سولاويسي، التي كانت حينها جزيرة .
وأفادت الدراسة أنّ مثل هذه الرحلة كانت محفوفة بالمخاطر، وشملت أول عبارات بحرية مخططة وطويلة المدى قام بها نوعنا البشري. ويرجح أنّ العبور شمل بورنيو (التي كانت آنذاك جزءًا من كتلة أرضية تُعرف باسم "سوندا") إلى سولاويسي وجزر أخرى تشكل منطقة يسميها العلماء "واليسيا"، قبل الوصول إلى ساهول .
وقال مارتن ريتشاردز، أستاذ البحث بعلم الوراثة الأثرية في جامعة هدرسفيلد بالمملكة المتحدة، الذي يستخدم الحمض النووي القديم والأدلة الوراثية من البشر المعاصرين لفهم كيفية وموعد وصول البشر إلى أستراليا، وغير المشارك في الدراسة، إن الدراسة الجديدة "مهمة للغاية".
ولفت في حديثه مع CNN: " توفر هذه الدراسة أول دليل واضح (بما يوحي به مستوى تعقيد فنون الكهوف) على وجود الإنسان العاقل الحديث في منطقة واليسيا قبل نحو 70 ألف عام".
وأشار ريتشاردز إلى "وصول البشر إلى ساهول قبل نحو 60 ألف عام، وتواجدهم في سولاويسي خلال السنوات الـ10 آلاف السابقة، سيكون منطقيًا جدًا ويدعم نموذج 'الطريق الشمالي' لأول استيطان لساهول".
يقترح خبراء آخرون أن البشر ربما سلكوا طريقًا جنوبيًا، مرورًا بجاوة وبالي وجزر سوندا الصغرى قبل العبور إلى شمال غرب أستراليا .
وقال أوبير إنه حتى الآن، لم يكن هناك دليل أثري واضح على أي من الطريقين لتفوق أحدهما على الآخر بشكل قاطع .
وأضاف: "خلال العصر الجليدي، كانت مستويات البحار أقل، لكن الناس اضطروا لاستخدام القوارب بين الجزر، ومن المرجح أن سولاويسي كانت نقطة توقف رئيسية".
المصدر:
سي ان ان