شكّل إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا وإسرائيل لحظة مالية فارقة أعادت تشكيل سلوك سوق العملات خلال ساعات، متجاوزا كونه مجرد تطور سياسي عابر.
فالمسألة لم تكن مجرد تراجع في التوتر، بل انتقال سريع من تسعير "سيناريو الانفجار" إلى تسعير "نافذة احتواء مؤقت"، وهو انتقال انعكس مباشرة في حركة الدولار والعملات العالمية.
فالسوق، كما تُظهر تحركاته، لا يتعامل مع الهدنة كاستقرار، بل كفترة اختبار يُعاد خلالها توزيع مخاطر السوق وتدفقات الأموال.
الصدمة الأولى جاءت من سوق الطاقة، حيث هبطت أسعار النفط بنسب حادة فور الإعلان، في واحدة من أسرع عمليات تفريغ علاوة المخاطر الجيوسياسية (ربح إضافي يطلبه المستثمرون مقابل قبولهم بالاستثمار في شيء غير مضمون مقارنة بشي مضمون)، مع تراجع أسعار خام برنت القياسي وغرب تكساس بنسب مزدوجة (تفوق 10%) خلال ساعات.
هذا الانخفاض لم يكن مجرد تصحيح سعري (انخفاض مؤقت ومفاجئ في سعر سلعة أو أصل من أصول مثل الأسهم والعملات والنفط بعد فترة من الارتفاع المستمر)، بل مثّل إعادة ضبط فورية لتوقعات الاقتصاد الكلي، إذ يؤدي تراجع النفط مباشرة إلى تخفيف الضغوط التي تدفع نحو ارتفاع التضخم وإعادة تسعير مسارات الفائدة عالميا.
وفي هذا السياق، يشير تحليل صندوق النقد الدولي إلى أن صدمات الطاقة خلال النزاعات تعمل فعليًا كـ "ضريبة مفاجئة" على الدول المستوردة، ما يعني أن انحسارها يترجم سريعا إلى تحسن في أوضاع هذه الاقتصادات ودعم نسبي لعملاتها.
وتُظهر بيانات رويترز أن الأسواق تعاملت مع هبوط النفط باعتباره العامل الأكثر تأثيرا في تحركات العملات عقب الهدنة، حيث انتقلت التدفقات سريعا من الشركات العسكرية إلى العملات المرتبطة بالنمو، ما يؤكد أن قطاع الطاقة بقي هو المحرك الرئيسي لسلوك سوق الصرف في هذه المرحلة، أكثر من الحدث السياسي بحد ذاته.
ومع انحسار التوتر، تراجع مؤشر الدولار إلى نحو 99.02 نقطة، في حركة تعكس خروج جزء من الطلب عليه كملاذ آمن.
غير أن هذا التراجع لا يعكس تحولًا هيكليًا في مكانة العملة الأمريكية، بل يرتبط بإعادة تسعير مستوى المخاطر قصيرة الأجل. وفي هذا السياق، نقلت منصة "إنفستنغ دوت كوم" المتخصصة في أخبار الأسواق المالية عن كريس تيرنر، رئيس إستراتيجية العملات في بنك "آي إن جي" أن السيناريو الأقرب يتمثل في فقدان الدولار نحو 50% من مكاسبه الأخيرة، معتبرا أن ما يحدث يمثل تصحيحا طبيعيًا بعد صعود مدفوع بالمخاطر.
كما يشير تيرنر إلى أن العملات المرتبطة بالسلع والأسواق الناشئة قد تسجل تعافيا سريعا قد يصل إلى نحو 2% خلال يوم واحد، في حين تبقى مكاسب العملات الأقل حساسية للمخاطر أكثر محدودية، وهو ما يعكس طبيعة التحرك الحالي بوصفه إعادة تموضع سريعة أكثر من كونه تحولًا مستقرًا في الاتجاه العام.
بذلك، يبدو أن العملة الأمريكية أصبحت أكثر ارتباطًا بزمن الأزمة ومسارها، بحيث يمكن لأي إشارة إلى تعثر الهدنة أن تعيد التدفقات إلى الملاذ الآمن بسرعة، ما يجعل التراجع الحالي أقرب إلى حركة تكتيكية قصيرة الأجل منه إلى بداية تحول مستدام.
وجاء الأثر الإقليمي على العملات متفاوتا، إذ لم تُظهر معظم العملات الخليجية تحركات سعرية يومية واضحة مرتبطة مباشرة بإعلان الهدنة في تغطيات الوكالات، مع بقاء استجابتها أقرب إلى استقرار حذر يعكس تراجع المخاطر، أكثر من كونه تغيرا في مستويات الصرف.
وفي هذا السياق، برزت السوق المصرية كأحد أبرز الأمثلة على سرعة استجابة العملات الناشئة، حيث تراجع الدولار أمس الأربعاء إلى ما دون مستوى 54 جنيهًا بعد أن كان قد اقترب من 55 جنيهًا خلال ذروة الحرب، وفق منصة إنفستنغ دوت كوم. كما أظهرت بيانات البنوك المحلية تسجيل الدولار ما بين 53.55 و53.67 جنيها، ما يعكس تراجعا يوميا يقارب 2.5%.
ويعكس هذا التحرك عودة جزئية للتدفقات الأجنبية إلى الأسواق الناشئة بعد موجة خروج قوية خلال الأسابيع الماضية، بالتوازي مع تراجع مؤشر الدولار عالميا أمس الأربعاء بنحو 1%، ما يعزز من حساسية الجنيه للتحولات في المزاج الاستثماري العالمي.
في المقابل، بدت الليرة التركية أكثر حساسية للتطورات، إذ تحركت ضمن نطاق أقوى نسبيًا مع تحسن شهية المخاطرة، في وقت أكد فيه وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار -وفق رويترز- أن السوق لا يزال "متقلبًا"، ما يعكس أن أي تحسن في العملة يظل مرتبطًا بمسار التوتر أكثر من العوامل الداخلية وحدها.
ويمتد هذا النمط إلى الأسواق الناشئة الأوسع، حيث قدّمت الروبية الهندية المثال الأكثر وضوحا بالأرقام، إذ أغلقت أمس عند 92.58 للدولار مرتفعة بنحو 0.5% في يوم واحد ومحققة مكاسب تقارب 2.4% منذ بداية أبريل/نيسان، بالتوازي مع تراجع علاوات التحوط وهبوط النفط بأكثر من 10%، بحسب رويترز. كما قفز عملة جنوب أفريقيا الراند بنحو 3% إلى 16.31 للدولار، في استجابة مباشرة لتحسن شهية المخاطرة العالمية.
هذه التحركات تعكس إعادة تسعير سريعة لانحسار صدمة الطاقة أكثر من كونها تحولًا مستقرًا في أساسيات العملات، إذ تبقى هذه المكاسب مشروطة باستمرار الهدنة واستقرار تدفقات النفط.
وفي أوروبا، انعكس أثر الهدنة مباشرة على سوق العملات عبر تحركات رقمية واضحة، حيث ارتفع اليورو أمس الأربعاء ليتداول عند نحو 1.1685 دولار، وفق بيانات منصة إكس إي، وهو أعلى مستوى له في عدة أسابيع، بالتوازي مع تراجع مؤشر الدولار إلى نحو 98.8 نقطة.
كما سجّل الجنيه الإسترليني أداءً أقوى نسبيًا، متداولًا قرب 1.34 دولار، في أعلى مستوياته منذ أواخر مارس/آذار الماضي، ما يعكس انتقالًا واضحًا للتدفقات نحو العملات الأكثر حساسية تجاه المخاطرة.
وتنسجم هذه التحركات مع ما أشار إليه تحليل منصة "فوركس دوت كوم"، إذ أوضح أن تحسن شهية المخاطرة بعد الهدنة دفع إلى تفكيك مراكز "الدولار القوي" ودعم اليورو، مع تحول المزاج العام من موقع الدفاع إلى البحث عن العائد، وهو ما يضع زوج العملات "اليورو/الدولار" ضمن مسار تصاعدي على المدى القريب.
أما العملات التي تدافع عن مكانتها، فقد تحركت بوتيرة أبطأ، إذ تراجع الدولار أمام الين الياباني ليتداول قرب "158 ينا للدولار"، في إشارة إلى انحسار الطلب على الملاذات الآمنة دون اختفائه بالكامل.
ورغم الهدنة، يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر تأثيرًا في توقعات العملات، إذ يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، ما يجعله عنصرا حاسما في تحديد اتجاه الأسواق.
وتشير رويترز إلى أن شركات الشحن والتأمين لا تزال تتعامل بحذر، ما يعني أن عودة الإمدادات النفطية إلى سابق عهدها قبل الحرب لن تكون فورية، وهو ما يخلق فجوة بين تفاؤل الأسواق المالية وبطء الاقتصاد الحقيقي، وتُترجم غالبا إلى تقلبات في سوق العملات.
القراءة الأعمق لتحركات العملات الدولية تشير إلى أن الأسواق لا تتعامل مع الهدنة كحدث ثابت، بل كإطار زمني محدود. فالتسعير الحالي مبني على فرضية أن الأسبوعين يمثلان اختبارا حقيقيا لقدرة الأطراف على الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارا.
وفي هذا السياق، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار تهدئة هشة مع بقاء علاوة المخاطر، ما يعني أن الدولار قد يظل ضعيفًا نسبيًا، لكن مع قابلية للارتفاع السريع عند أي إشارات سلبية، في حين تبقى العملات الأخرى رهينة لتطورات الأيام المقبلة أكثر من أي عوامل اقتصادية تقليدية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة