آخر الأخبار

نسج الشموع.. قصة عبق مراكشي يصل إلى العالمية

شارك

مراكش- داخل ورشة لتحضير الشموع المعطرة في مراكش، وفي يوم رمضاني معتدل، تقف السيدة شفيقة أمام قوالب طينية تظهر منها فتائل بيضاء، تصب الشمع المذاب ببطء وهدوء في تجاويفها، بينما تتنقل زميلاتها بين القوالب لتتفقد كل تفصيل صغير.

تمتزج في أرجاء الورشة روائح الصويا الطبيعي مع عبق زهر البرتقال، بينما تضفي الحركات العفوية للعاملات شعورا بدفء عائلي، يخيم عليه جو من التركيز والهدوء على العمل عند كل شمعة في لحظات ولادتها الأولى.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 الدخان الخفي.. ماذا يحدث لجسمك عند إشعال الشموع المعطرة في المنزل؟
* list 2 of 4 شموع عيد الميلاد تزيد البكتيريا بنسبة 1400%.. إليك 4 بدائل آمنة
* list 3 of 4 هل شموع السترونيلا فعالة في مقاومة الحشرات؟
* list 4 of 4 سيد الشموع: الفنان التشكيلي "بتروس فان شندل" end of list

"أشعر بفخر كبير حين أنظر إلى هذه الجوهرة بين يدي، والتي ستسافر لتصل إلى أماكن لم أزرها يوما، وتضيء مساحات بعيدة، حاملة معها جزءا من عملنا وحرفتنا إلى عواصم عالمية"، تقول شفيقة، السيدة الأربعينية، وهي تلقي نظرة خاطفة على شمعة مكتملة.

مصدر الصورة الشاب عمر صاحب المشروع (الجزيرة)

بداية الحكاية

تعمل شفيقة ضمن فريق مهني متكامل يصل إلى أكثر من 50 عاملا، في ورشة تعود ملكيتها للشاب عمر بن عبد الرازق، الذي يقود اليوم علامة "كوتي بوجي" نحو العالمية.

ذلك الفخر الذي تسكبه شفيقة في قوالب الطين بألوان زاهية أو النحاس المخرم، هو ذاته الذي دفع والدة عمر، السيدة سعيدة القادري، قبل أكثر من 20 عاما لبداية مشروع صغير، يبحث عن "روح" جديدة للشمعة المغربية التي يزين بها المغاربة ليالي رمضان والأعياد والمناسبات العائلية.

يتذكر عمر، وهو يحكي للجزيرة نت فصول البدايات، كيف بدأت أمه بابتكار نماذج حصرية عام 2003، لكن التحول الجوهري حدث بعد عامين، حين اقترح هو أن تلبس هذه الشموع حللا جديدة من الصناعة التقليدية المتقنة، لتثمين مهارات الحرفيين وإبراز حركاتهم المتوارثة عبر الأجيال.

أطلق عمر عام 2013 علامته التجارية بهوية بصرية احترافية وموقع إلكتروني وضع المنتج المغربي في واجهة الأسواق الدولية.

وفي العام التالي، كان عمر يقف في باريس داخل معرض ميزون أوبجيه، ليعرض نتاج ورشة مراكش أمام كبار الحرفيين العالميين.

مصدر الصورة العاملة شفيقة تسكب الماء في إطار تحضير شموع معطرة (الجزيرة)

فصل جديد

يقال إن الصدفة خير من ألف ميعاد، وأن الفكرة المبدعة تولد فكرة جديدة أكثر إبداعا، إذ ما كان يشغل بال عمر دائما بالتجديد والابتكار، وجده في منعطف أحد أزقة مدينة الصويرة عام 2017.

إعلان

هناك، التقى بالسيدة "راضية"، نساجة الرافيا، ليبدأ فصلا جديدا من الحكاية، ولكي تلبس شموع مراكش حللا جديدة ترضي كل الأذواق.

يقول عمر إن العمل مع هذه الصانعة ذات الأصابع الذهبية على نموذج تجريبي شكل انطلاقة جديدة لتعاون طويل ومثمر، واليوم تنسج أكثر من 30 امرأة هذه الحلل الفريدة للشموع داخل تعاونية متخصصة.

بالنسبة لهذا الشاب، لم يكن الهدف مجرد إنتاج، بل كان الاعتراف بالعمل اليدوي المتقن ركيزة أساسية لمواكبة النساء المغربيات نحو الاستقلالية المادية والإبداع.

قد ترتبط الشموع المعطرة بالمناسبات السعيدة وقد تصبح ضمن العادات اليومية، لذا يطلق عمر تشكيلتين في العام تغطيان احتياجات كل الفصول، لتصبح الشمعة سفيرا ثقافيا دائما، وليست منتجا موسميا.

وتحكي راضية للجزيرة نت بلسان يملؤه الاعتزاز: "هذا التعاون أثمر 9 سنوات من الإنتاج المنتظم، ولم يمنحنا التمكين الاقتصادي فحسب، بل منحنا القوة لنبتكر أشكالا جديدة أعطت للشموع هوية لا تقلد".

مصدر الصورة منتجات شموع معطرة (الجزيرة)

الحفاظ على التراث

لم يتوقف طموح عمر في الابتكار عند حدود "الرافيا" الصويرية، بل امتد ليشمل خارطة الحرف المغربية بتنوعها المدهش.

فكر عمر في قوالب جديدة من الطين الأخضر الشهير بمنطقة "تمكروت" والسيراميك، وصولا إلى تغليف الشموع بنسيج خيوط "الصابرا" الرفيعة والملونة.

وفي كل حرفة، يتعاون صاحب العلامة مع حرفيين ماهرين وجدوا ضالتهم في عمل مستمر لم ينقطع حتى في ذروة أزمة كورونا، مما جعل من الورشة ملاذا آمنا للحفاظ على هذه المهن من الاندثار.

كما خصص داخل ورشة سيدي غانم، ركنا لصانع متخصص في تطويع النحاس بأشكال جديدة (تخرامت).

يراهن عمر على فلسفة الإنتاج البطيء المتقن، بينما يشرح الصانع نور الدين للجزيرة نت: "نحن نمنح القطعة وقتها الكامل لتنضج، التركيز هنا منصب على العمل اليدوي البطيء والمتقن الذي لا يمكن للآلة محاكاته".

بينما يقول مولاي هشام الإدريسي، المشرف على الورشة: "نعمل هنا في جو عائلي بوتيرة مريحة، تزداد قليلا مع اقتراب يوم الجمعة، موعد التصدير الأسبوعي".

"هذا الصبر الحرفي هو ما يبرر القيمة السوقية المرتفعة للمنتج، إذ قد تستغرق القطعة الواحدة عدة أيام من العمل لتخرج في حلتها النهائية، وقد تباع بعض المجموعات الفاخرة المطعمة بالنحاس أو الطين الرفيع بحوالي 4000 درهم (نحو 400 دولار)"، يضيف عمر.

مصدر الصورة هشام الإدريسي المشرف في ورش تحضير شموع (الجزيرة)

تحديات مالية

لكل مشروع رائد تحدياته المالية واللوجستية في البداية، لكن عمر يؤكد أن نجاح "كوتي بوجي" لم يأتِ بمحض الصدفة، بل نتيجة للإصرار على تقديم منتج فريد ذي جودة يحترم "الأصالة والاستدامة".

ومن أجل تحسين منتجه، عقد شراكة مع فريق عمل متخصص في مدينة غراس، عاصمة العطور العالمية، لابتكار عطور حصرية تأخذ الزبون في رحلة عبر المغرب بنفحاته الحمضية والزهرية، أو عبر اللمسات المشرقية الدافئة.

هذا التوجه نحو الجودة اقترن بوعي بيئي، حيث يفضل عمر المواد الطبيعية، معتمدا على "شمع الصويا" والفتائل القطنية، لضمان إنتاج شموع صديقة للبيئة لا تنبعث منها أدخنة سوداء، وهي مقاربة بيئية مستدامة كانت بمثابة "تأشيرة دخول" حقيقية للأسواق العالمية.

إعلان

اليوم، توجت كل تلك البدايات البسيطة باعتراف وطني تمثل في حصول عمر على جائزة خاصة بالتصدير، كما ترجم النجاح إلى لغة أرقام صلبة، إذ حققت العلامة في العام الماضي 40 مليون درهم (نحو 4 ملايين دولار)، يذهب 75% منها نحو الأسواق الدولية في أوروبا وآسيا والأمريكتين، مع طموح بالوصول إلى عتبة 100 مليون درهم (نحو 10 ملايين دولار) خلال سنوات قليلة، كما يخطط عمر.

مصدر الصورة الصانع التقليدي نور الدين يعمل في إعداد قوالب نحاسية (تخرامت) في إطار تحضير شموع معطرة (الجزيرة)

روح لا تنطفئ

تغرب شمس مراكش، فتخبو أضواء الورشة في حي سيدي غانم، لكن فتائل شموع "كوتي بوجي" تظل مشتعلة، حاملة عبق المدينة وروح الحرفيين إلى ما وراء الحدود.

قد لا يعرف المشتري أسماء شفيقة أو راضية أو نور الدين، لكن عند لمس خشونة الرافيا واستنشاق نفحات البرتقال والنعناع، سيدرك أن كل شمعة تحمل قصة مغربية تُحكى بالحب والإتقان.

كل قطعة هي سفير صامت، يربط بين الورشة الصغيرة في قلب مراكش وعواصم بعيدة، يحكي عن التراث والابتكار، عن صبر الصانعة والصانع المغربي وإبداعهما.

هنا، في تلك الزوايا المضيئة من المدينة، تتجسد الحرفة في أجمل صورها، حيث روح العطور لا تنطفئ، والإبداع يشق طريقه إلى العالم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار