في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مدينتنا الصغيرة على حافة خريطة السودان، وعندما كنا في المرحلة الثانوية، اعتدنا -أنا وصديقي المسرحي عمر عقال- أن نعرض أشعارنا على أخيه المهندس رضوان. ذات يوم قرأ قصيدةً لي، كانت طويلة، فقال لي عبارة ربما نسيها لطول الزمان: "بإمكانك أن تكتب رواية".

لم أعرف وقتها ما الرواية. ذكر لي "موسم الهجرة إلى الشمال"، وطلب مني قراءتها، وحدثني عن النجاح الكبير الذي حققه الطيب صالح وترجمات رواياته. قرأت الرواية، سرى فيّ سحرها، "وحملني القطار إلى محطة فيكتوريا وإلى عالم جين مورس". قلت بحماسة: "بإمكاني أن أكتب مثلها، أو ربما أفضل منها"، ولم أرَ في عبارتي تلك أي نوع من الغرور.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 “مكتوبة تحت أتون القصف!”.. روائي غزّي يحول العشق إلى “سلاح ثوري” ضد الفناء
* list 2 of 2 رواية “عذراء المحطة”.. السرد السينمائي وذاكرة سنوات الجمر end of list

بعدها سافرت إلى العاصمة لدراسة الصيدلة، وحاولت الاقتراب من الوسط الأدبي، فوجدت الجميع تقريباً مفتونين مثلي برائعة الطيب صالح. وسمعت بمقولة لأسطورة الصحافة الثقافية بالسودان الراحل عيسى الحلو تتحدث عن الطيب صالح الذي صار سقفا للرواية السودانية. أما القاص والروائي الراحل محمد خير عبد الله فيقول: "قد أنجب السودان روائيا واحدا هو الطيب صالح، أما البقية فهم شرّاح لسردياته!".

وما زال ذلك العبقري الذي رحل عنا يثير الجدل إلى اليوم. ومع مرور 60 عاما على صدور الرواية السودانية الأشهر، أحببت أن أسأل عددا من الكتّاب عن تأثير عبقري الرواية العربية على صورة الأدب السوداني، وهل ما زالت روايته سقفا إبداعيا أم مصدرا للإلهام؟ فكانت هذه إجاباتهم:

الروائي والناقد السوداني د. عاطف الحاج سعيد: استكانة تحت السقف ونصوص متماهية

يعتبر الروائي والناقد السوداني د. عاطف الحاج سعيد أن كتابات الطيب صالح مثّلتْ لحظة فارقة في تاريخ المدونة السردية السودانية، فاعتبر البعض أن هذه اللحظة نتاج طفرة أكثر منها تطورا طبيعيا تراكميا، وقد حظيت سردياته بقراءة واسعة من الكتّاب السودانيين فأرهبتهم بسموقها، حتى ظن بعضهم بأن العبقري سيظل سقفا للرواية السودانية لن يطاله أحد في المدى المنظور!

إعلان

تمكّن كثير من الروائيين السودانيين من الإفلات من قوة الجذب الهائلة التي أحدثتها مؤلفات الطيب صالح نحو ثيمات وطرائق معينة في الكتابة، منهم أمير تاج السر، الحسن بكري، بركة ساكن، ومنصور الصويم. إلا أنه لا يزال الكثير منهم يقبع مستكينا تحت السقف المهيب! ومن يتتبع الأعمال الروائية السودانية اللاحقة، يرى في كثير منها أطياف عوالمه السردية، وهو الأمر الذي ربما دفع الروائي المخضرم محمد خير عبد الله ليرمي بمقولته المتطرفة.

انطلاقا من تأكيد تودوروف بأن العمل الأدبي يظهر مندمجا داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة، أستطيع أن أرى التماهي مع سرديات الطيب صالح واضحا في عدد من الأعمال الروائية، مثل "حبال النور والظلمة" لأمير شمعون الذي بنى نصه على فكرة الغريب الحكيم الذي يحل بالقرية ويُحدث فيها تغييرا كبيرا، وهي فكرة مركزية في مشروع الطيب صالح (مصطفى سعيد، الشيخ الهميم، وبندرشاه). إضافة إلى ذلك، اتخذ شمعون من قرية في شمال السودان فضاء لأحداث روايته، وهو فضاء نجده في روايتي حمور زيادة "الكونج" و"الغرق".

في "الطاووس الأسود" لحامد الناظر، بنى الكاتب شخصية المستشار شمس الدين على غرار شخصية مصطفى سعيد: الغموض، الذات المضطربة، الذكاء الحاد، إجادة اللغة الإنجليزية، والدونجوانية، لدرجة أنك تحس بأن الناظر استنسخ مصطفى سعيد ووضعه في سياق جديد، وكذلك استدعى لنصه كثيرا من المشاهد السردية الشهيرة في "موسم الهجرة" والتي يمكن رصدها بيسر.

وفي رواية "قونقليز" لهشام آدم، نجد مشهدا لأحد الشخصيات يهذي بالفرنسية بعد سُكر، أشبه بإنشاد مصطفى سعيد للشعر الإنجليزي بين يدي محجوب وهو ثمل.

وفي رواية (الباترا، مخاوي الطير)، بنى الروائي جمال الدين علي شخصية الباترا على نمط شخصية الزين في رواية (عرس الزين)، وكلاهما يمثل نمطا من الشخصيات ناقصة العقل يُطلق عليه في القرية "المبروك". استدعيتُ فقط 4 نصوص سردية سودانية، تمثل عينة ضئيلة من متن كبير، لأبرهن على الفرضية التي سقتها في المقدمة، وأزعم أنه في كل مرة تم استدعاء الطيب صالح.

الروائي السوداني أمير تاج السر: أنا ضد السقوف

أمير تاج السر (روائي سوداني): يؤكد أنه عندما صدرت "موسم الهجرة إلى الشمال" أواخر الخمسينيات، لتناقش العلاقة بين الشرق والغرب، جاءت بأفكار جديدة لم تكن موجودة في الروايات التي ناقشت نفس الفكرة مثل "عصفور من الشرق" و"الحي اللاتيني". كانت رواية فذة ومتمكنة، فيها عمق كبير، ومهارة أسلوبية فائقة، وكأن زمنها مستوحى من ألف ليلة وليلة. هذه الرواية نالت شهرة كبيرة، وما تزال تتمتع بالحضور نفسه في الأدب العربي والعالمي، ولو بحثت عنها في موقع أمازون تجد أرقام توزيعها باللغة الإنجليزية ما زالت عالية.

الكثير من الكُتّاب السودانيين استلهموا من هذه الرواية، على الأقل الاستلهام المعنوي، وإمكانية كتابة نص مقتحم، لكن أنا ضد مسألة السقوف، وأن يكون ثمة كتاب سقفا لا يمكن تجاوزه. السودانيون كتبوا بعد ذلك، وجاءت أجيال أجادت الكتابة، وأبدعت وعملت على أفكار أخرى، فقط تظل مسألة انتشار الكتابة الجديدة صعبة، بسبب كثرة ما يُكتب في مجال الرواية، ومن العسير الحصول على النص المناسب لقراءته أو الترويج له.

مصدر الصورة الروائي أمير تاج السر (الجزيرة)

الشاعر والصحفي الأردني حسين جلعاد: ظلٌّ يُربك ولا يُطفئ

حسين جلعاد (شاعر وصحفي أردني): يرى أن الحديث عن أثر "موسم الهجرة إلى الشمال" يخصّ إشكالية أعمّ حول علاقة النصوص المؤسِّسة بما يأتي بعدها. رواية الطيب صالح ليست سقفا أغلق سماء الرواية السودانية، بل هي بالأحرى نجمٌ ساطع جعل الناظر من بعيد لا يرى سواه، فيما السماء نفسها مأهولة بكواكب أخرى تنتظر من يلتفت إليها.

إعلان

داخليا، أحسب أن الرواية كانت مصدر إلهام أكثر منها عبئا، فالكتابة الكبرى لا تخنق ما يأتي بعدها بقدر ما تفتح له ممرات. أنظر هنا إلى تجارب أمير تاج السر، عبد العزيز بركة ساكن، وحمور زيادة، وصولاً إلى ستيلا قايتانو ومنصور الصويم؛ إنها تجارب خرجت من تحت العباءة لتؤسّس عوالمها الخاصة: الهامش، الحرب، الجنوب، المرأة، واللغات المتعددة. وعليه فثمة استفادة من الدرس الصالحي في تفجير اللغة وتعميق السؤال الوجودي، لكن دون تقليد.

أما خارجيا، فهنا تكمن المفارقة المُرّة. لقد طغت الرواية على الذائقة العربية والعالمية، فصار الطيب صالح مرادفا للأدب السوداني كله، وهذا ظلمٌ مزدوج للأدب السوداني الذي اختُزل في عنوان واحد، وللرواية ذاتها التي حُمِّلت أكثر مما ينبغي. المسؤولية هنا لا تقع على الرواية، بل على النقد العربي الكسول، وعلى مؤسسات الترجمة والنشر التي تُفضّل إعادة إنتاج المألوف. الطيب صالح فتح بابا، لكنّ كثيرين اكتفوا بالوقوف عنده.

مصدر الصورة حسين جلعاد (الجزيرة)

الشاعر الباكستاني شاهد عباس: سؤال تتواصل الإجابة عنه

شاهد عباس (شاعر باكستاني): يعتقد أن تَرِكة رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" تأبى الانضواء تحت لواء تفسير أحادي؛ فهي لا تستقرُّ كقمة تحجب الآفاق، ولا تتلاشى في الخلفية كأثرٍ عابر، بل تشغلُ حيزا أكثر تعقيدا؛ حيث تظل شامخة ومثمرة في آنٍ واحد.

لقد غدت الروايةُ لدى الكثير من الكُتّاب السودانيين "استفزازا" إبداعيا أكثر منها سياجا مانعا، فاشتباكُها العميق مع قضايا الذاكرة، والاغتراب، ووشائج التاريخ الاستعماري الملتوية، دفع بالأصوات اللاحقة إلى إعادة صياغة علاقتها بسلطة السرد. فبينما اختار البعضُ الكتابة في ظلالها، سعى آخرون للإفلات من قوة جذبها.

أما خارج حدود السودان، فإنَّ صدى الرواية يثير توترا أكثر هدوءًا؛ فمما لا شك فيه أنها شكّلت البوابة العالمية للأدب السوداني، غير أنَّ هذا الاعتراف قد يضيقُ أحيانا بقدر ما يتسع. فبينما يقبعُ بعضُ القراء في أسر رؤية "صالح"، يجدُ آخرون دعوةً للانفتاح على مشهدٍ أدبيٍّ أرحب. الرواية، من هذا المنظور، لا تزالُ قائمةً كسؤالٍ يجيبُ عنه الأدبُ السودانيُّ بأصواتٍ متعددةٍ ومتجددةٍ.

مصدر الصورة الشاعر الباكستاني شاهد عباس (حسابه على فيسبوك)

الأديب اللبناني شادي منصور: هيمنة رمزية ومرجعية ثقيلة

شادي منصور (أديب لبناني): يوضح أنه حين كتب "موسم الهجرة إلى الشمال"، لم يكن الطيب صالح ينجز رواية فحسب، بل كان يشقّ مجرى عميقًا في الوعي العربي والأفريقي معًا. النّص ارتفع كعلامة فارقة، حتى بدا وكأنه يحدّد أفق القراءة ذاتها، ويضع معيارًا قاسيًا لكل ما يأتي بعده. منذ ذلك الحين، تشكّلت حول الرواية هالة نقدية وثقافية واسعة، جعلت من حضورها طاغيًا إلى حدّ أنّ كثيرًا من الأعمال السودانية الأخرى بقيت في الظل، رغم ما تحمله من غنى وتنوّع وتجريب.

هذه الهيمنة الرمزية خلقت مفارقة لافتة هي: عملٌ واحد يفتح الباب، وفي الوقت نفسه يضيّق الممرّ. فالقارئ حين يقترب من الأدب السوداني، يدخل غالبًا عبر هذا النص، ويقيس ما يقرؤه على إيقاعه الخاص، ولغته المكثّفة، وتوتره بين المحلي والعالمي. هكذا، تتحوّل الرواية من إنجاز فردي إلى مرجعية ثقيلة، تفرض على بقية الكتّاب أن يكتبوا في فضائها أو في مواجهتها.

مع ذلك، يزخر الأدب السوداني بأسماء وتجارب تمتلك حساسية مغايرة ورؤى عميقة، من أعمال تستكشف تحولات المجتمع، إلى نصوص تنبش في الذاكرة والهوية واللغة. هذه الكتابات تحمل قيمتها الخاصة، وتستحق قراءة تتحرر من المقارنة الجاهزة، قراءة تنظر إليها بوصفها عوالم مستقلة، لا ظلالًا لنص سابق. تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة توزيع الضوء، بحيث يتّسع المشهد لكل هذه الأصوات، ويخرج الأدب السوداني من أسر عملٍ واحد نحو تعددية تُنصف ثراءه الحقيقي.

المسرحي والشاعر الفيتنامي فام ترونج جيانج: الترويج للأدب السوداني

فام ترونج جيانج (مسرحي وشاعر فيتنامي): يرى أن الرواية تتربع بوصفها ذروةً أدبية ومصدرا ملهما وبعيد الأثر للسرد السوداني. وضعها كـ"سقف" لا يعكس قصورا في الحقل الأدبي، بل يجسد القوة الفنية الاستثنائية والصدى العالمي الذي حققته الرواية. ومع ذلك، فإن هذه المكانة المرموقة قد تُلقي بظلالها، مما يضع ضغوطا على الكُتّاب اللاحقين الذين يجدون أنفسهم أمام تحدي صياغة أصواتهم الخاصة في حضرة هذا العمل الشامخ.

إعلان

بيدَ أنَّ الاعتراف الدولي بالرواية قد شرّع الأبواب أمام القراء حول العالم للتعرف على الأدب السوداني. فبدلاً من أن تحجب الروايةُ ما سواها، تتبدى بوابة جاذبة تثير الفضول وتحفز على سبر أغوار السرديات الغنية المنبثقة من أرض السودان.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن الإشكالية في الرواية ذاتها، بل في الكيفية التي تُقدّم وتُروّج بها الدوائر الأدبية العالمية للأصوات السودانية الأخرى. لا ينبغي أن يُنظر إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" كظِلٍّ يطغى على المجال، بل منارة تضيء الطريق؛ تُرشد القراء نحو تقديرٍ أعمق وأكثر شمولاً لآفاق الأدب السوداني.

طارق الطيب: لا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟

طارق الطيب (روائي سوداني نمساوي): يرى أنه ستبقى رواية "مَوسِم الهِجرة إلى الشمال" دومًا مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، أمّا مسألة كونها سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولًا ثمّ القارئ المتسرّع ثانيًا. يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانية التي تسبَح في عالم آخر بعيد تمامًا عن سِكَة الطيّب صالح. معظم النقاد يسوقونها بإفراط كمرجعية لكلّ أدب سوداني بَعده، هذا الأمر يغلق الباب من البداية بفرضية: "لا أدبَ سودانيا بعد الطيّب صالح"، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين!

الرواية هي سيّدة عصر الكتابة منذ سنوات لأسباب كثيرة، وازداد كُتّابُها ربّما منذ بدء ظاهرة الجوائز ذات القيمة الماليّة العالية، ممّا جعل الشاعر والقاص يتجهان نحو كتابة الرواية، وحتى الروائي نفسه يكثّف من إسهال الأعمال الروائية في زمن قصير.

سيُوضع الأدب السوداني في وضعيته الصائبة، حين يكون للسودان دور نشر محترفة تنافس بقوة في عالم النشر العربي، وأيضا حين يوجد دعم مالي محلي يناسب تلك القوة السودانية الناعمة، بغير هذا، لا يمكن تقديم الأدب السوداني خارج أرضِه ولا حتى في الداخل بما يستحقه من تنويرٍ وتقدير.

مصدر الصورة الروائي النمساوي السوداني طارق الطيب (مواقع التواصل)

القاص السوداني عثمان الشيخ: مرآة كاشفة لا نموذجا يحتذى

السؤال يضعني بين احتمالين: أن تكون "الموسم" سقفا، أو أنها علامة فارقة ضمن مسار أوسع للرواية السودانية. وأنا أميل إلى الاحتمال الثاني؛ إذ إن تجارب روائية سودانية عديدة تشكّلت بمعزل عنها، إما لعدم قراءتها، أو لتجنبها بقصد الابتعاد عن المقارنة.

حين قرأتها أول مرة لم تستوقفني، بل وجدت "عرس الزين" أكثر جاذبية، لكن مع تكرار القراءات أعادت "الموسم" تموضعها، لتصبح عملا مهما في قائمة قراءاتي، لا باعتبارها نهاية الطريق. أما كونها مصدرا للإلهام، فأثرها يظل نسبيا؛ لا يعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع. وهنا يمكن النظر إليها بوصفها "مرآة كاشفة" أكثر من كونها نموذجا يُحتذى، إنها هي عمل يفتح الأسئلة بدلا من أن يفرض الإجابات، ويحرّض على الاختلاف لا على التكرار.

تبدو الرواية في الوعي الثقافي القارئ بالعربية متجاورة مع الشعر؛ إذ يُستدعى اسم الروائي الطيب صالح إلى جانب محمد الفيتوري والهادي آدم. فالرواية السودانية عموما، رغم حداثتها مقارنة بالشعر، استطاعت أن تحجز موقعا موازيا لا تابعا، ومن ثم جُعلت سقفا لظروف تخص مسيرة الكاتب وسطوع نجمه في المجالين الغربي والعربي، وهذا لا يقلل من قيمتها الفنية.

الأديب السوداني حسام الدين صالح: انفتاح واستكشاف

حسام الدين صالح (أديب سوداني): يعتبر أن أثر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" يشمل ثنائية التسقيف والإلهام معا، وقد حجزت لها مكانا تاريخيا خاصا لكنه لا يمنع ظهور رواية ألمع منها في المستقبل.

شكّلت الرواية لحظة تأسيس فارقة، بترسيخها حضور السودان في الأدب العربي والأفريقي والعالمي، وطرحت أسئلة الهوية والقلق الحضاري بعمق غير مسبوق. بهذا المعنى، بدت لفترة طويلة سقفا يُقاس عليه ما بعده من إبداع سوداني، لكنها أيضا صنّفت نفسها كرواية كلاسيكية، وهذا بطبيعته يتيح تجاوزها زمنيا وإبداعيا بما ينفي فكرة التسقيف. كما أن تجارب روائيين مجايلين للطيب صالح مثل إبراهيم إسحاق وعيسى الحلو، وروائيين معاصرين كثر، تُظهر أن الرواية السودانية لم تتوقف عند هذا السقف، بل انفتحت على أشكال وموضوعات جديدة، ما يدل على تحوله إلى أفق إلهام وحافز للتفوق أكثر منه قيدا.

وفي سياق الإلهام، أسهمت الرواية في لفت الانتباه العالمي إلى الأدب السوداني والعربي، بفضل ترجمتها وانتشارها الواسع. وإن كانت اختزلت صورة الأدب السوداني لدى البعض في نموذج واحد، فإن ذلك أدى في المقابل إلى تنقيب مستمر عن كنوز هذا الأدب الذي فتح غطاءه الطيب صالح بروايته.

رغبة في التجاوز قد تلاشت

كانت دعوة المهندس رضوان لي بالدخول لعوالم الطيب صالح نقطة فارقة. كان طموحي المبكر أن أتفوق على الطيب صالح، ومع مرور الزمن، تلاشت في داخلي تلك الرغبة. طورت نظرة أرى العالم من خلالها مثل كرة ضخمة، ونحن جميعا نحيط بها من أطرافها؛ كل منا يقف بجوار الآخر، ولا يستطيع أي منا إلا أن ينظر من الزاوية المتاحة له، زاويته الفريدة التي لا يشاركه فيها أحد، ولذلك نحتاج إلى مجموع هذه الرؤى لتكتمل نظرتنا للعالم.

إعلان

كل منا لديه الفرصة لإدهاش الآخرين بلا استثناء، بإمكان أي شاعر أن يُدهش الشعراء، وكل روائي يستطيع أن ينتزع من زملائه عبارة مثل: "كيف استطاع أن يصنع هذا العالم المذهل!". "موسم الهجرة" لا يستطيع أن يكتبها سوى الطيب صالح، "مائة عام من العزلة" لا يمكن أن يكتبها غير ماركيز، و"الخبز الحافي" لن يكتبها أحد غير محمد شكري، وهذا قانون يسري على كل عمل، وربما هذا هو سر بقاء الأعمال العظيمة وسر بحث الناس عن المزيد من الأعمال الجديدة التي تساهم في تشكيل نظرتنا للعالم.