آخر الأخبار

"بينها مؤلفات نادرة".. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين الكتب لبناء عقولها الرقمية

شارك

أوائل عام 2026، بدأ جيمس باين، مالك متجر "جيمس باين للكتب والمطبوعات" في بروكلين الأمريكية، يتلقى طلبات شراء وصفها لاحقا بأنها "جريئة وغريبة".

لم تكن غرابة الطلبات تقتصر على طريقة الشراء فحسب، بل شملت طبيعة الكتب المطلوبة نفسها، إذ كان من بينها دليل قانوني صدر عام 1998 بعنوان "كيف تربح في محكمة الدعاوى الصغيرة في نيويورك" وكتاب أكاديمي صدر عام 2006 بعنوان "ثقافات العمارة الزجاجية".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بعد تحذير رئيس أنثروبيك.. من يملك مفتاح إيقاف الذكاء الاصطناعي؟
* list 2 of 2 الخبراء: هل الذكاء الاصطناعي العربي سيادة أم تبعية؟ end of list

وعادة ما يعرض باعة الكتب مقتنياتهم على منصات متعددة، من بينها "أب إي بوكس" (AbeBooks) و"أليبريس" (Alibris) و"أمازون" و"بيبيليو" (Biblio) وكانت منصة "أليبريس" تُعد على نطاق واسع الأقل نشاطاً وإيرادا بين هذه المنصات.

لكن الأمور تغيرت فجأة بالنسبة إلى باين، فبعد أن كان يبيع أقل من 10 كتب سنويا عبر "أليبريس" أصبح ينفذ طلبات لبيع 10 كتب في المرة الواحدة، وبمتوسط سعر يتراوح بين 75 و80 دولارا للكتاب الواحد. ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة عليه وحده، إذ تحدث بائعو كتب آخرون في أنحاء الولايات المتحدة عن وقائع مماثلة.

ولم تكن حالة باين فريدة من نوعها، بل شكلت الخيط الأول الذي تتبعته فرانشيسكا مانشينو (Francesca Mancino) في تحقيقها الشامل بمجلة "ذا نيويوركر" بشأن عمليات شراء الكتب وإتلافها من جانب شركات الذكاء الاصطناعي.

مصدر الصورة كتاب بعنوان "كيف تربح في محكمة الدعاوى الصغيرة في نيويورك؟" (أمازون)

طلبات غامضة

في تورونتو، كانت سيلفيا بيتراس مالكة متجر "ليف آند ستون بوكس" تراقب تجار الكتب في الولايات المتحدة وهم يتحدثون عن ارتفاع مبيعاتهم، وتشعر بالغيرة منهم. ثم بدأت الطلبات تصل إلى متجرها هي الأخرى، لكن الغيرة سرعان ما تحولت إلى حيرة.

فبيتراس تمتلك مخزونا واسعا من الكتب المطبوعة التي يعود تاريخها إلى الفترة ما بين القرنين الـ15 والـ17، فضلا عن الكتب النادرة والأكاديمية. وكانت عناوين غريبة تتناول موضوعات مثل محطات معالجة مياه الصرف الصحي تُباع بسرعة.

إعلان

وكغيرها من بائعي الكتب الذين انهالت عليهم طلبات شراء كتب متخصصة، لاحظت بيتراس أن المشترين لم يستخدموا أسماء أفراد، بل أسماء شركات ذات مسؤولية محدودة غامضة، هي "غرين باروت بروغكت" و"ريد سبارو بروجكت".

إحدى بائعات الكتب -التي طلبت عدم الكشف عن هويتها- قررت معرفة الجهة التي تصل إليها الكتب التي تبيعها. وقبل شحن أحد الكتب المشتراة، قررت وضع جهاز تعقب بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) عليه.

وبعد أن بحثت في الخيارات المتاحة، اختارت جهاز "سمارت كارد" وهو يشبه بطاقة الائتمان، ووضعته داخل مظروف صغير، ثم ألصقته على اللوح الداخلي الخلفي لكتاب ذي غلاف صلب، تحت غلاف الحماية الورقي.

وتابعت البائعة حركة الكتاب عبر الإنترنت، إذ انتقل من غراندفيو هايتس في ولاية أوهايو إلى مجمع صناعي في أديسون بولاية إلينوي، حيث تدير شركة "إيه آر سي دوكيومنت سوليوشنز" منشأة للمسح الضوئي على المستوى الصناعي.

وفي مقطع فيديو ترويجي، يوضح متحدث باسم الشركة "إيه آر سي دوكيومنت سوليوشنز" أن العديد من مواقع الشركة، التي يزيد عددها على 100 موقع في أنحاء الولايات المتحدة، تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. ويشير إلى أحد العملاء الذين استعانوا بالشركة لمسح ما يعادل "ملعب كرة قدم واحدًا مملوءًا بصناديق مكدسة بارتفاع 4 صناديق كل شهر".

مصدر الصورة تطبيقات للذكاء الاصطناعي على حاسوب محمول مع كتب في الخلفية (غيتي)

ما الذي يحدث لهذه الكتب؟

كانت شركة " أنثروبيك" التي تقف وراء عائلة نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم "كلود" تحاول الحصول على أكبر عدد ممكن من الكتب المطبوعة.

وقد ظهرت هذه المعلومة في ملفات قانونية خاصة بالشركة، كُشف عنها في دعوى قضائية تتعلق بحقوق الطبع والنشر رُفعت ضد "أنثروبيك" عام 2024.

فبعد أن حددت الشركة الكتب باعتبارها "أعلى مصدر جودة لبيانات التدريبب" لنماذج اللغات الكبيرة الخاصة بها، أطلقت برنامجا سريا حمل اسم "مشروع بنما".

وفي وثيقة داخلية لـ"أنثروبيك" عُرّف مشروع "بنما" بأنه "مسعى الشركة لمسح جميع الكتب في العالم بطريقة إتلافية".

والمقصود هنا بالمسح "بطريقة إتلافية" أن "أنثروبيك" أو الشركات التابعة لها تقوم بنزع أغلفة الكتب المطبوعة، ثم تقطع الصفحات إلى أبعاد مناسبة للعمل، وتمسحها ضوئيا، وتتخلص من كل نسخة مطبوعة أثناء إنشاء نسخة رقمية تحل محلها، وفقا للملفات المقدمة إلى المحكمة.

وتتضمن هذه العملية استخدام آلة قطع تعمل بالطاقة الهيدروليكية، تُعرف أيضًا باسم "مقصلة الكتب".

قد يبدو استخدام "مقصلة الكتب" ممارسة غير مألوفة، لكنه في الواقع شائع نسبيا. فأقسام الحفاظ على الكتب في الجامعات تقوم بصورة روتينية بفك تجليد الكتب لجعل عملية مسحها ضوئيا أسهل. ومع ذلك، فإن تدمير الكتاب ليس الطريقة الوحيدة لرقمنته.

فمكتبة برينستون تحرص على الاحتفاظ بالنسخ المادية من النصوص التي تقوم برقمنتها، حتى لو كان ذلك يجعل العملية أقل كفاءة. وقالت ميريديث مارتن، أستاذة اللغة الإنجليزية والمديرة الأكاديمية لمركز العلوم الإنسانية الرقمية في برينستون، إن من الممكن التقاط صور تحافظ على سلامة الكتاب من دون تسطيحه، وإن كانت هذه الطريقة أكثر تكلفة.

إعلان

لكن ميريديث وخبراء آخرين يشيرون إلى أن الكتب القديمة تُرمى وتُدمر طوال الوقت، حتى لأسباب غير أكاديمية، من جانب المكتبات التي تقوم ببساطة بتقليص مجموعاتها.

والتبرع بالكتب خيار أكثر قبولا، لكن التخلص من بعض الكتب قد يكون صعبا، مثل دليل إرشادات أو كتاب مدرسي قديم، أو عدة نسخ بالية من الكتاب نفسه ذي الغلاف الورقي واسع الانتشار.

بل إن بعض هذه الكتب لا تقبلها حتى مكتبات السجون، التي ترفض عموما الكتب ذات الأغلفة الصلبة أو النصوص الموجودة في حالة سيئة. وهكذا قد ينتهي الأمر بهذه الكتب في مكب للنفايات، أو قد يجري، بحسب نوع أغلفتها، تفكيكها وتحويلها إلى عجينة لإعادة التدوير، أو تمزيقها.

وفي منشور على منصة "ميديوم" الإلكترونية تدافع فيه عن قيام المكتبات بـ "تنقية" رفوفها، تقول كلير سويل، وهي أمينة مكتبة أكاديمية في هيوستن، إن رؤية حاوية قمامة مليئة بالكتب يمكن أن تبدو مناقضة تماما لما يفترض أن تمثله المكتبات بوصفها مستودعات للمعرفة.

لكنها تضيف أن الكتب القديمة أو المتقادمة أو المتضررة أو قليلة التداول يجب تنقيتها بصورة منتظمة، حتى تتمكن المكتبات من إفساح المجال أمام كتب جديدة يرغب القراء فعلا في استعارتها.

مصدر الصورة شركة "أنثروبيك" تسعى لمسح جميع الكتب في العالم بطريقة إتلافية في "مشروع بنما" (غيتي)

ليست "الكتب النادرة"

ومع ذلك، فإن الجدل بشأن مشروع "أنثروبيك" لم ينشأ بسبب الخوف من أن تدمر الشركة نسخة متضررة بالمياه من مؤلف "السر" وهو كتاب شهير في مجال التنمية الذاتية، وإنما بسبب احتمال تدمير كتب نادرة وقيمة فعلا.

ولتلبية حاجتها إلى مليارات الصفحات، بدأت الشركة بوضع طلبات ضخمة لدى تجار الجملة، ثم اتجهت إلى بائعي الكتب الأفراد وبائعي الكتب المستعملة لسد الثغرات.

وأدى اهتمام "أنثروبيك" بالنصوص الغامضة إلى نشر عناوين صحفية تتحدث عن شركات الذكاء الاصطناعي التي تشتري "كتبًا قديمة نادرة" أو "كتبًا عتيقة" وتدمرها، وهي عبارات توحي عادةً بكتب تاريخية نادرة وثمينة، مثل الطبعات الأولى.

لكن هل كانت الكتب التي تشتريها "أنثروبيك" نادرة بالفعل؟ متحدث باسم الشركة قال في بيان "لا يوجد أي برنامج من برامجنا لجمع البيانات يقوم بشراء كتب نادرة أو أثرية وتدميرها".

ويشير مصطلح "عتيق" هنا إلى الكتب التي مضى على صدورها ما لا يقل عن 100 عام، بغض النظر عن ندرتها.

كما قالت "جمعية بائعي الكتب العتيقة في أمريكا" إنها لم تتلق إخطارا من أي من أعضائها يفيد ببيع مثل هذه الكتب لشركات ذكاء اصطناعي.

ومن بين بائعي الكتب الأفراد الذين جرى الحديث إليهم، لم يبع أي منهم كتبا عتيقة إلى مشترين بدوا وكأنهم شركات ذكاء اصطناعي.

وبدلا من ذلك، كانت غالبية الكتب المبيعة تحمل أرقام "آي إس بي إن" (ISBN) وهي معرّفات رقمية فريدة لم يبدأ استخدامها حتى عام 1970.

مصدر الصورة غلاف كتاب "السر" (الجزيرة)

في هذا السياق، قالت بيتراس إنها كانت مرتاحة عموما للبيع إلى مشترين متخفين، لكنها لن تبيعهم أبدا كتابا يحتوي على حواشٍ جانبية مثيرة للاهتمام أو مصدر ملكية مهم.

وفي بوسطن، قالت جويس كوسوفسكي إحدى مالكتي متجر "براتل بوك شوب" إن الكتب التي باعتها كانت جميعها متوافرة في نسخ متعددة. وخمنت قائلة "ربما كانت لدينا بأرخص سعر".

وترى كوسوفسكي أن الكتب عموما، لا تختلف عن أي سلعة أخرى قابلة للبيع، وتشرح ذلك بالقول إنه عندما يدخل شخص متجرا للملابس ويشتري بنطالا من الجينز، يصبح البنطال ملكه ويمكنه ارتداؤه أو تزيينه أو إعطاؤه لشخص آخر، ولا يتبعه أحد ليسأله عما سيفعله ببنطاله.

وبالنسبة إلى ميريديث مارتن، الأستاذة في برينستون، فإن حقيقة أن "أنثروبيك" تشتري كتبًا "من المرجح أنها ليست نادرة جدًا" تعني أن استخدام الشركة لمقصلة الكتب لا ينبغي اعتباره أمرًا مثيرًا للجدل.

إعلان

لكن السؤال يبقى: إذا لم تكن هذه الكتب نادرة، فما طبيعتها؟

كتب أكاديمية غامضة

شارك بائعو الكتب أسماء أكثر من 600 عنوان قالوا إنهم يعتقدون أنهم باعوها لشركات ذكاء اصطناعي، وأُرسلت القائمة إلى ميلاني والش، الأستاذة المساعدة في كلية المعلومات بجامعة واشنطن، لمعالجتها وتحليلها رقمياً لصالح مجلة "ذا نيويوركر".

وكانت الكتب غامضة من حيث موضوعاتها، كما كانت تفتقر إلى الشعبية بين القراء. وفي بعض الحالات، كانت ذات طبعات محدودة لا تتجاوز عادة 1000 نسخة أو أقل، لتلبية متطلبات السوق الواقعية.

ومن بين أكبر 10 ناشرين لهذه الكتب، كان 8 منهم دور نشر أكاديمية، وهو ما يمثل نحو ثلث العينة إجمالاً. ونُشرت معظم الكتب بين سبعينيات القرن العشرين والعقد الثاني من القرن الـ21 وتوزعت موضوعاتها بين التاريخ والسيرة الذاتية والرواية والشعر والنقد الأدبي والقانون والعلوم الاجتماعية.

وخلصت والش، استناداً إلى هذه العينة، إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي قد تكون مهتمة بتدريب نماذجها على أبحاث أكاديمية مُحكّمة في مجموعة واسعة من الموضوعات.

ويتوافق ذلك مع ما كشفه مايكل تاكر عالم الأبحاث في شركة "أنثروبيك" أثناء تنظيم بيانات التدريب لنموذج ذكاء اصطناعي، إذ أشار في شهادة مكتوبة قدمها أمام المحكمة (استشهدت بها المجلة) إلى أن الأعمال غير الخيالية تميل إلى أن تكون أكثر قيمة من الأعمال الخيالية، مضيفا أن بيانات الكتب غير الخيالية ساعدت النموذج على الأداء بشكل جيد في تخصصات متنوعة مثل الفلسفة وعلم الفلك.

وتستشهد والش، عند الحديث عن الأعمال غير الخيالية المتخصصة، بمثال كتاب "استخدام حمأة مياه الصرف الصحي البلدية" وهو كتيب صدر عام 1972 وباعته بيتراس مؤخرا.

وترى أن هناك حجة يمكن طرحها مفادها أن مثل هذه الكتب الأكاديمية الغامضة قد يكون لها تأثير أكبر بوصفها جزءا من نموذج "كلود" مما كان سيكون لها بخلاف ذلك، فالكتب كانت متجهة بالفعل نحو التقادم والاندثار.

مصدر الصورة أنثروبيك تقوم بتدريب نموذجها "كلود" على أبحاث أكاديمية مُحكّمة في مجموعة واسعة من الموضوعات (غيتي)

صراع قانوني بـ1.5 مليار دولار

لم تمر محاولات "أنثروبيك" الحصول على "جميع الكتب في العالم" من دون تحديات قانونية. ففي عام 2025، وافقت الشركة على دفع 1.5 مليار دولار لتسوية دعوى جماعية رفعها عدد من المؤلفين، اتهموا فيها الشركة بانتهاك حقوق الطبع والنشر الخاصة بهم من خلال استخدام كتبهم في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون إذنهم.

ووبّخ وليام ألسوب القاضي الذي ترأس القضية "أنثروبيك" بسبب بعض أفعالها، ومن بينها تنزيل أكثر من 7 ملايين نسخة مقرصنة من الكتب والاحتفاظ بهذه الملفات "كمورد دائم ومتعدد الأغراض" حتى عندما لم تكن تُستخدم لتدريب "كلود".

وكتب ألسوب في قراره أن "أنثروبيك" تبدو وكأنها تعتقد أن استخدام بعض الأعمال التي نسختها في تدريب نماذج اللغات الكبيرة يمنحها الحق في أخذ جميع الأعمال في العالم مجانًا والاحتفاظ بها إلى الأبد من دون محاسبة إضافية.

لكن اعتبر أن الممارسة الأوسع المتمثلة في استخدام الكتب لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي كانت استخدامًا عادلًا.

وكتب أن المؤلفين لا يمكنهم، بحق، استبعاد أي شخص من استخدام أعمالهم للتدريب أو التعلم، مشيرًا إلى أن الجميع يقرأ النصوص ثم يكتب نصوصًا جديدة.

وقد يحتاج الشخص إلى الدفع مقابل الحصول على نص في المرة الأولى، لكن من غير الممكن، بحسب ألسوب، أن يُطلب من أي شخص الدفع تحديدًا مقابل استخدام الكتاب كل مرة يقرأه فيها، أو كل مرة يستعيده من ذاكرته، أو كل مرة يستند إليه لاحقًا أثناء كتابة أشياء جديدة بطرق جديدة. فهذا أمر لا يمكن تصوره مطلقًا.

لكن براندون بتلر محامي حقوق الطبع والنشر والمدير التنفيذي لتحالف "ري كريت" وهو مجموعة مناصرة تدعم مبدعي الأعمال المحمية بحقوق الملكية الفكرية ومستخدميها على حد سواء، وصف تدريب الذكاء الاصطناعي بأنه "أعدل استخدام في تاريخ قانون حقوق الطبع والنشر".

وحجته تقوم على أن الذكاء الاصطناعي يأخذ من الثقافة الموجودة فقط الأشياء التي تنتمي فعلا إلى الجميع، أي الحقائق والأفكار وعناصر اللغة والقواعد النحوية، ثم يجعل استخدامها أسهل للجميع.

وقد يحدث انتهاك لحقوق الطبع والنشر إذا أعادت نماذج اللغات الكبيرة إنتاج مواد محفوظة في الذاكرة حرفيا أو نقلت تعبيرا محميا. لكن هذه النماذج تنقل المعلومات غير المحمية عموما بطريقة تختلف عن صياغة المصدر الأصلي.

إعلان

ولهذا، لا يرى بتلر وجود منافسة في السوق بين شركات الذكاء الاصطناعي والمؤلفين، فالشخص الذي يصادف مقتطفا معادا صياغته من كتاب يظل لديه حافز لشراء الكتاب.

غير أن المسألة تصبح أكثر تعقيدا لأن بعض نماذج اللغات الكبيرة، ومنها "لاما" التابعة لـ "ميتا" قامت أحيانا بـ"حفظ" روايات كاملة تقريبا حرفيا.

من مكتبة أبحاث إلى مخزن بيانات

ووفقا للقاضي ألسوب، كان من حق "أنثروبيك" قانونيا تدمير النسخ المطبوعة التي اشترتها بطريقة مشروعة.

فقد اشترت الشركة ملايين النسخ المطبوعة لـ"بناء مكتبة أبحاث" ثم دمرت كل نسخة مطبوعة واستبدلتها بنسخة رقمية لاستخدامها داخل مكتبتها الخاصة، وليس للمشاركة أو البيع خارج الشركة.

وبما أن تغيير صيغة الكتب كان بهدف تسهيل التخزين والبحث، ولم يؤد إلى إنشاء نسخ إضافية متداولة من الكتب الأصلية، فقد اعتبر ألسوب ذلك استخداماً عادلاً.

لكن المسألة -بصرف النظر عن قانونيتها – تطرح مشكلة حتى على المستوى اللغوي، إذ يبدو فهم "أنثروبيك" لمصطلح "مكتبة أبحاث" مختلفاً كلياً عن الفهم المعتاد للكلمة.

وفي توضيحه لمجلة "ذا نيويوركر" يقول بتلر إن الشركة لا تبني مكتبة لأن شخصا ما قد يرغب في يوم من الأيام في قراءة هذه الكتب، كما أنها ليست مهتمة بمساعدة أي شخص على قراءتها، بل إن ما تريده الشركة فعلاً هو البيانات.

إذ تُجمع هذه المادة الرقمية بهدف واحد محدد: وهو استخدامها كبيانات لتغذية الخوارزميات، وتوسيع "ذاكرة" نماذج اللغات الكبيرة الخاصة بـ"أنثروبيك" وبالتالي صقل قدراتها على الكتابة والتحليل.

"مشروع بنما" سري في أنثروبيك لمسح وتدمير كل كتب العالم (رويترز)

أين يذهب أصل الكتاب؟

نتيجةً لتركيز الشركة على البيانات وحدها، يظل المصدر الأصلي لهذه الكتب غائبًا في الظل. فحتى إذا نجحت هذه النماذج في الحفاظ على مواد أدبية ربما كانت ستندثر مع مرور الزمن أو تراجع الاهتمام بها، فإن المادة الأصلية تظل محتجبة عن العيان.

فالباحثون لن يتمكنوا من الوصول إلى بيانات الكتب، كما أن المستخدمين لا يستطيعون التحكم في كيفية الحصول على المعلومات المقدمة إليهم أو التثبت من مصدرها.

وفي تصريحات لمجلة "ذا نيويوركر" يقول مايك فورلو مدير "هاتي تراست" التنفيذي -إحدى أكبر المبادرات الرقمية للمكتبات الأكاديمية- إن من حق الناس أن يطالبوا شركات الذكاء الاصطناعي بمزيد من الشفافية بشأن كيفية إنشاء مجموعات بياناتها، ولا يغير من ذلك أن مهمة هذه الشركات ليست توزيع الكتب، أو أن الكشف عن هذه البيانات قد يضحي بميزتها التنافسية.

أما المكتبات والباحثون الأكاديميون، فيخضعون لمعيار أكثر صرامة بكثير، إذ إن الباحث الأكاديمي الذي يريد إنشاء نموذج لغوي صغير النطاق يُتوقع منه الكشف عن القائمة الكاملة للكتب التي استخدمها، كما يقول فورلو. وهذه ممارسة أكاديمية شائعة، لأن الباحث يريد أن يكون بالإمكان إعادة إنتاج ذلك العمل أو فهم ما دخل فيه.

والأمر نفسه ينطبق أساسًا على أي أداة موثوقة يستخدمها عامة الناس في البحث، فحتى "ويكيبيديا" تتضمن إحالات إلى المصادر.

وهكذا، كان يمكن أن يكون هدف "أنثروبيك" المتمثل في جمع "جميع الكتب في العالم" أمرًا مثيرًا، لولا أن هذا المستودع الافتراضي للمعرفة المكتوبة لن يكون موجودًا إلا في الأعماق الرقمية لـ"كلود".

كل جيل أعاد كتابة نعي الكتاب

ويعيد هذا الاحتجاز الرقمي للكتب، وتحويلها لبيانات آليّة، إلى الأذهان مخاوف تاريخية قديمة بشأن "موت الكتاب" إذ تقول المؤرخة ليا برايس في مؤلف لها عن تاريخ الكتاب صدر عام 2019 "كل جيل أعاد كتابة نعي الكتاب، كل ما يتغير هو هوية الفاعل". وفي القرن الـ19، كانت المكتبات هي القاتل المشتبه به.

ففي كتيب طُبع في لندن بعنوان "الحقيقة بشأن منح القراء وصولًا مجانيًا إلى الكتب في مكتبة إعارة عامة" سعى كاتب مجهول إلى كشف ما وصفه بالواقع المروع للوصول المجاني، الذي كان يمكن أن يؤدي إلى سرقة الكتب و"إضاعتها". وفي وقت أقرب، تركزت المخاوف على ظهور الكتاب الإلكتروني وجهاز "كيندل".

لكن برايس تشير في كتابها المعنون بـ"ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن الكتب" إلى أن الكتب كانت تتمتع دائمًا بقدرة شبيهة بالحرباء، فهي تتكيف مع الابتكارات التكنولوجية، وليس بالضرورة أن يكون الكتاب والتكنولوجيا في حالة صراع دائم. ومع ذلك، فإن مفهوم أن يكون المرء قارئًا أو مستهلكًا للأدب بدأ يتغير هو الآخر.

وفي رسالة إلكترونية أرسلتها إلى مجلة "ذا نيويوركر" عبّرت برايس عن مخاوفها من التهديد الوشيك المتمثل في أن "الذكاء الاصطناعي سيحل محل القراء البشر" والسبب في رأيها أن "المسح الإتلافي يضحي بقراءات بشرية مستقبلية محتملة ومتعددة مقابل حالة واحدة من القراءة الآلية".

فالكتب تحمل معها أعباءها، والذكاء الاصطناعي يجردها من ذلك، إذ تتطلب الكتب وقت القارئ ومشاركته وتدبره، ولكل منها متطلبات قراءة فريدة.

غلاف كتاب "ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن الكتب: تاريخ القراءة ومستقبلها" (الجزيرة)

وفي بحث صدر عام 2006 بعنوان "صعود التخييل" استكشفت الكاتبة كاثرين غالاغر انتشار كتابة التخييل خلال القرن الـ18، وسردت الطرق التي كانت بها الروايات المبكرة تستحوذ على انتباه القارئ ومشاركته، فقد كانت تطلب منه توقع المشكلات، ووضع فرضيات، ورؤية النتائج المحتملة والتفسيرات البديلة.

وإذا كان المرء لا يزال يؤمن بالقراءة باعتبارها "تجربة تخيلية غامرة" كما تقول برايس، فإن هناك فارقًا حاسمًا -لا سيما فيما يتعلق بالأعمال الأدبية البارزة- بين القراءة البشرية المباشرة، وبين قيام الروبوتات بالقراءة نيابة عن المستخدمين واستخراج المحتوى ذي القيمة.

وتقول برايس "الرواية ليست مجرد دلو من الجمل، فالترتيب الذي تَرِد به تلك الجمل مهم". ومع ذلك، يبدو أن هدف "إنثروبيك" هو جمع المزيد والمزيد من هذه "الدلاء" وإخراجها.

وفي تصريحات لمجلة "ذا نيويوركر" يحذر ماثيو كيرشنباوم أستاذ الكومنولث للذكاء الاصطناعي واللغة الإنجليزية (جامعة فرجينيا) من العواقب المترتبة على إذابة "الفضيلة العظيمة للكتاب" أي وجوده ككيان قائم بذاته، له كاتب بشري وتاريخ بشري، وتحويله بدلاً من ذلك إلى بيانات تستنزف كل سياق النص الأصلي.

فعندما يصبح النص "متجانسا" و"يفقد كل علاقاته التي كانت تربطه بالكتاب الأصلي" تختفي حدود الكتاب تماما، بما في ذلك أغلفته وماديته ومعلومات النشر والمؤلف.

وهنا تكمن المفارقة: فالقدرة التي تحمي الذكاء الاصطناعي من انتهاك حقوق الطبع والنشر، أي قدرته على إعادة صياغة ما يقرأه بدل نقله حرفيا، هي نفسها التي تشكل جزءا من المشكلة، إذ تؤدي إعادة الصياغة إلى فصل النص عن سياقه وعلاقاته الأصلية.

فنموذج اللغة الكبير يحول الأدب إلى شيء هجين، نصف ميت، بعيد عن مصدره الأصلي، إن لم يكن منفصلا عنه تماما. ويؤدي ذلك إلى منتج جديد بدرجة كبيرة إلى حد أن النص، بوصفه عملا فرديا، يُدمَّر فعليا.

وهذا الشكل الأقل وضوحا من المحو أكثر خطورة وإثارة للقلق بكثير من المسح الإتلافي.

هل يفضل الناس النسخة أم الأصل؟

غير أن هذا المسخ اللغوي والأدبي الذي تنتجه النماذج الرقمية يطرح سؤالاً جوهريا بشأن طبيعة القراء أنفسهم: هل سيجذب استسقاء المعرفة عبر نماذج اللغات الكبيرة سوى شريحة محدودة من الجمهور؟ ثمة موازاة تاريخية لافتة هنا مع صعود فن الرواية في القرن الـ18.

فبعد نشر رواية "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو عام 1719، ورواية "باميلا" لصامويل ريتشاردسون عام 1740، نَفِدت طبعات ورقية متعددة خلال بقية القرن. وحين لاحظ المنافسون كثرة النسخ التي كانت تُطبع لمواكبة الطلب، وجدوا في ذلك فرصة لتحقيق أرباح سريعة، فنشروا تشكيلة واسعة من الطبعات المقرصنة.

وضمت هذه النسخ من الدرجة الثانية طبعات مبسطة للأطفال، وملخصات أبقت على أفضل الأجزاء كتابةً أو أكثرها إثارة، ونصوصًا مختصرة كانت ببساطة أرخص سعرًا من النسخ الكاملة، فضلًا عن أجزاء تكملة غير مصرح بها.

روبنسون كروزو: الطبعة الأصلية لعام 1719 "رواية كلاسيكية" لدانيل ديفو (الجزيرة)

واللافت أن تلك الكتب المقرصنة حظيت بشعبية جارفة أيضًا، حتى في الوقت الذي واصل فيه الناس البحث عن النصوص الأصلية.

وهكذا، كان يمكن تقسيم مستهلكي هذه الكتب في القرن الـ18 إلى فئتين: أولئك الذين اشتروا وقرؤوا الروايات التي كتبها ديفو وريتشاردسون، وأولئك الذين فضلوا النسخ المعدلة أو المقلدة.

ولطالما كان هناك -وربما سيظل دائمًا- من يفضلون المحتوى الرديء على المصدر الأصلي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار