بينما يهرب الفتية من صفحات الروايات الكلاسيكية إلى شاشات الهواتف، يقرر الروائي محمد الزروق ملاحقتهم إلى هناك، محولا ورق الأدب الليبي الرصين إلى كادرات "كوميكس" مشفرة رقميا ضمن مشروعه، نحو إعادة تأويلها وتقديمها في صيغ جديدة تستجيب لاهتمامات اليافعين وأسئلتهم المعاصرة لحماية الذاكرة الأدبية الليبية وإعادة إدماجها في وعي الجيل الجديد.
في هذا الحوار، يتحدث محمد الزروق عن رهانات هذا المشروع، وتحدياته، وخياراته الفنية واللغوية، وعن رؤيته لدور الأدب في ترسيخ مفاهيم الهوية والمواطنة لدى الناشئة، في بلد لا تزال تحولاته مفتوحة على أسئلة معقدة.
لهذا كان توثيق هذه الأعمال إلكترونيا وحفظها على البلوكتشين مرحلة لاحقة بعد تقديم هذه الأعمال على هيئة كوميكس، وما يشغلني ليس فقط "تسهيل" الكلاسيكيات، بل إعادة طرحها بوصفها نصوصا حيّة يمكن أن تدخل في حوار مع القارئ الصغير، وتلامس أسئلته المعاصرة، سواء على مستوى الهوية أو الأخلاق أو التجربة الإنسانية. إضافة إلى إقحام القارئ الناشئ والتقرب من عالمه ليقرأ بالوسائل المتاحة.
"ما يشغلني ليس فقط تسهيل الكلاسيكيات، بل إعادة طرحها بوصفها نصوصا حيّة يمكن أن تلامس أسئلة القارئ الصغير المعاصرة"
على الصعيد المحلي، ورغم أنني لا أعرف أن ثمة من سبق أن قدّم أعمالا ليبية مخصصة للكبار لتوافق من هم أصغر، وإن اعتدنا أن نقرأ ذلك في مراحل أعمارنا المبكرة، لكنني سمعت عن مشروع آخر سبق هذا المشروع يسعى إلى تعريف الطفل الليبي بإرثه الثقافي والتاريخي والمعماري قدمه كاتب اسمه أحمد البخاري. هذا غير أن لدينا فعلا من يكتب للصغار منهم د. غالية الذرعاني صاحبة إحدى الروايات التي دخلت في المشروع وصدرت بحمد الله.. عربيا، يمكن أن نعده ضمن مشروعات عربية أنجزت لكتاب عرب خاصة في مصر. بالمناسبة، ترجمت إحدى الروايات إلى الإنجليزية وهي (رجال حول غسوف) لصديقي إبراهيم الإمام.
قد يتجاوز المشروع المحلية ونطاق الدول الناطقة بالعربية متى توفرت الإمكانات. تبقى الأحلام مشروعة، وقد تعلمنا في الإدارة أن الطريق إلى النجاح ممهد ما دمنا نحلم ونسعى في اتجاه تحقيق أحلامنا.
من ضمن شخصيتي في تقديم العمل الإبداعي، وتوجهي في الكتابة حتى للكبار، تهذيب اللفظ والابتعاد عن الألفاظ الوحشية والغامضة، فالنص لا يمكن أن يكون اختبارا لقدرات المتلقي على الفهم، بقدر ما يكون متاحا لتذوقه وفتحه على التأويل بما يلائم خصوصيته الفكرية. هذا الأمر عينه استخدمته مع الصغار.
كانت الكلمة الغامضة أو الصعبة تُستبدل بها غيرها الأسهل، وإذا كانت الكلمة لا تُستبدل، خاصة تلك المستخدمة على نطاق ضيق في بيئة محلية بحتة، تُشرح في الهامش أو بين الأقواس.
ارتكز اختياري لأعمال إبراهيم الإمام بالأساس على السرد التاريخي، والابتعاد بقدر كبير عن الفنتازيا والأساطير، وقلما نجد ذلك في كتابات الإمام. لم يكن صعبا أن يُحوَّر النص خاصة أن الناشئ تجتذبه قصص الحركة بما فيها قصص الحروب والقتال. قد أجد صعوبة في تحويل أعمال أخرى للكاتب نفسه، وهذا قد يشكل تحديا قادما.
كتبت الدكتورة غالية رواية "أم الزين" بصوت الراوي المتكلم، فقدمت الأحداث التي جرت في فبراير/شباط 2011 وما بعدها بنفَس محايد، وأبدت تعاطفا مع (البوعزيزي) التونسي رحمه الله، الذي كان شرارة هذه الثورات والاضطرابات في المنطقة، ولم تغفل عن إظهار صورة الثائر الذي يحمل السلاح بوجهين متناقضين. أظن أنها نجحت إلى حد كبير في أن تعرض الجو العام السائد في تلك الأيام، دون أن تؤيد أو تعارض، وهذا لوحده يغرس في الناشئ فكرة أن الوطن أشمل من كل الأفراد، وأوسع من خلافاتهم وحتى قتالهم.
"رواية أم الزين تغرس في الناشئ فكرة أن الوطن أشمل من كل الأفراد، وأوسع من خلافاتهم وحتى قتالهم"
رغم أن رواية نساء كلية توريللي لي، وجدت أنها أصعب في إعادة تدويرها للناشئ. سبب اختياري لها ضمن الروايتين الأخريين أنها حققت المعايير الأعلى (قرب تاريخ الإصدار، وتحقيقها الإنجاز، وسهولة الحصول على موافقات أصحابها بإعادة الكتابة)، واستبعدت رواية "بر الحبش" لدسامة أحداثها.
كانت اللغة الواجب اختيارها لمخاطبة النشء فيها تتطلب حرصا، فهي رواية خاصة بمعاناة النساء الراشدات في مجتمعنا الصعب. هنا كان عليّ الوقوف واستبعاد مشاهد كاملة رغم أنها من تفاصيل الرواية الأساسية.
أخشى أن أقول إنني قدمت النسخة الأسوأ بين الأعمال الثلاثة. أترك ذلك للمتلقي الصغير. ربما الأنسب هو إجراء ورش عمل واستقراء يقوده يافعون (كما اقترح أحد الزملاء) للحصول على الأثر الرجعي المناسب، وتقويم أدائنا.
بالطبع، وقد أكملت عدة روايات أخرى، منها رواية الأستاذة خيرية فتحي عبد الجليل (اختلاس ذاكرة غير صلبة) والتي غيرت عنوانها إلى (اختلاس ناعم)، كما توجد قصة ضمن ميتافكشن (Metafiction) حملت عنوان (الأمازونات ومقاتل الريح)، سبق لي كتابتها منذ سنوات، كانت معدة للكبار واقترح عليّ كاتب الأطفال التونسي الصديق عماد الجلاصي أن أكتبها للأطفال. هذه الأعمال ستُطبع ويُجهَّز بعضها على هيئة روايات مصورة بإذن الله.
هذا السؤال بالذات يعيدني إلى سبب إحياء هذا المشروع وأهدافه التي كانت: تعريف اليافع الليبي بأدبه (ليس فقط الروائي) وكذلك بإرثه الثقافي والتاريخي، وتوثيقه إلكترونيا وحفظ حقوق أصحابه عبر البلوكتشين (Blockchain). أظن أن هذا المشروع إن نجح واكتمل سيكون سبيلا من سبل إحياء وحماية الذاكرة والإرث والهوية الليبية وحفظها، خاصة أن البلوكتشين أتاح هذه الخاصية دون حاجة إلى اللجوء إلى إجراءات إدارية طويلة ومعقدة.
ربما سميرة في (توريللي) وسعاد في (أم الزين).
لست أول من كتب لليافعين لأدعي هذا الشرف، لكنني أتمنى أن يكون قد حفظ مكانته وحجز موقعه ضمن تاريخ أدب اليافعين في ليبيا.
الأماكن لدي تتجاوز كونها جمادا. أعدّها كائنات حية تتحدث معنا عن الماضي والحاضر وتحلم معنا بالمستقبل. نستشعر الأماكن بحواسنا الخمس. قد تتحول الأماكن إلى شخوص. الأماكن ركن أساس من العمل الروائي، لكنها بالنسبة إليّ هي كل الرواية.
"الأماكن كائنات حية تتحدث معنا.. قد تتحول الأماكن إلى شخوص وهي بالنسبة إليّ كل الرواية"
الشعر الليبي نجح في ذلك منذ زمن بعيد. الشعر الشعبي سبق الشعر الفصيح، والشعر الفصيح وثق أحداثا وأرخ لها. اليوم، الرواية تؤدي دورها هذا إلى حد كبير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة