آخر الأخبار

تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان

شارك

بيروت – مع قدوم رمضان في لبنان تتبدل ملامح الأيام كأن المدن تخلع إيقاعها المعتاد وترتدي ثوبا آخر. يهدأ النهار على إيقاع الصيام، فيما تشتعل الليالي بالحركة واللقاءات. وجوه تميل إلى التأمل مع ساعات الإمساك قبل أن تستعيد دفئها وضحكتها مع أذان المغرب.

غير أن العادة الرمضانية الأرسخ في لبنان تبقى، بلا منازع، اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار، تلك اللحظة التي تختصر معنى الشهر كله وتحول البيت إلى فضاء تتعانق فيه الروائح والأصوات والدعوات.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 رمضان في عصر الذكاء الاصطناعي.. كيف يغير عاداتنا اليومية؟
* list 2 of 4 الداكو والدُوَّاء أشهر عادات مسلمي أوغندا في شهر رمضان
* list 3 of 4 طقوس وعادات فريدة للشعوب الإسلامية في استقبال شهر رمضان
* list 4 of 4 كيف غيرت الحرب عادات رمضان في غزة؟ end of list

قبل دقائق من أذان المغرب يخيم صمت مترقب، ترص الصحون بعناية، وتتصاعد رائحة الشوربة الساخنة، فيما يتزين طبق الفتوش بحبيبات السماق.

مصدر الصورة الحلويات الرمضانية تبرز بطابعها المميز الذي يختص بالشهر الفضيل (الجزيرة)

يجلس الجميع حول المائدة، من الجد إلى أصغر الأحفاد، في مشهد يومي يعيد ترميم صلة الرحم. لا يكسر الصيام إلا على تمرة وكوب ماء قبل أن تتوالى الأطباق التقليدية، وهي الكبة النيئة أو المقلية، الشيش برك، الفتة، وصولا إلى الحلويات التي تتصدرها القطايف والمفروكة.

تقول ربة المنزل أم عيسى النمر (55 عاما) من أحد أحياء مدينة صيدا للجزيرة نت: "زمان كنا ننتظر رمضان لنشعر بلمة العائلة، اليوم تغيرت الظروف لكننا نحرص أن يجتمع أولادي كلهم حول المائدة نفسها، ولو ليومين في الأسبوع."

في المقابل، يرى الطالب الجامعي علي سليمان (23 عاما) للجزيرة أن وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) غيرت بعض الطقوس، ويقول:: "نصور المائدة ونشاركها على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن اللحظة الأجمل تبقى حين نطفئ الهواتف ونبدأ الحديث والضحك."

مصدر الصورة الأسواق الشعبية قبيل المغرب تعج بالحركة والروائح والأصوات (الجزيرة)

سباق مع الوقت

قبيل المغرب تتحول الأسواق الشعبية إلى خلية نحل. في الأزقة القديمة تتعالى أصوات الباعة، تختلط برائحة الخبز الطازج والحلويات المقلية. نساء يتفقدن الخضار، رجال يحملون أكياسا ممتلئة، وأطفال يلحون على أمهاتهم لشراء العصائر الرمضانية.

إعلان

يتغير إيقاع اليوم، محال تبدو هادئة صباحا، تمتلئ بعد العصر بزبائن يسابقون عقارب الساعة. يزداد الطلب على اللحوم، الخضار الطازجة، والتمر المستورد. ومع اقتراب الأذان تتسارع الخطى كأن المدينة بأكملها تركض نحو لحظة الإفطار.

مع بداية الشهر، تتبدل ملامح الشوارع والأحياء بزينة خاصة لا تخطئها العين، فوانيس ملونة تتدلى من الشرفات، أهلة ونجوم مضيئة تعبر الأزقة، ولافتات كتب عليها "رمضان كريم" ترفرف فوق الطرقات. في بعض الساحات تعلق سلاسل الأضواء بين الأبنية فتتحول الحارات الشعبية إلى لوحات متلألئة بعد الغروب.

يشارك الأطفال في تعليق الزينة، يحملون السلالم الصغيرة ويختارون أماكن الفوانيس بعناية كأنهم يشاركون في صناعة العيد بأنفسهم. تقول الأم لثلاثة أطفال سارة الأحمد (40 عاما) للجزيرة نت: "أول ما نعلق الزينة في الشرفة نشعر أن رمضان دخل البيت فعلا حتى لو كانت بسيطة، تعطي إحساساً بالفرح والدفء."

ولا تقتصر الزينة على الشوارع، فداخل البيوت تضاء الزوايا بفوانيس تقليدية، وتفرش موائد بنقوش شرقية فيتحول المكان إلى مساحة احتفالية يومية تعكس شوق الناس لهذا الشهر رغم كل الظروف.

ألوان تروي العطش

لا تكتمل صورة الشارع الرمضاني من دون عربات المشروبات المنتشرة عند المفارق والساحات، قوارير زجاجية لامعة تتدرج ألوانها بين الأحمر القاني للجلاب، والبنفسجي الداكن للتمر هندي، والبرتقالي المشع لقمر الدين. يرفع البائع مغرفته النحاسية، يسكب الشراب في أكواب بلاستيكية، ويضيف حفنة من الصنوبر أو الزبيب فتتحول اللحظة إلى طقس صغير من البهجة.

تقول رشا خليل (30 عاما) للجزيرة نت: "رغم أنني أستطيع تحضير العصير في البيت إلا أنني أشتريه من العربة لأعيش أجواء الشارع، طعمه مختلف لأنه مرتبط بذكريات الطفولة."

تلك العربات ليست مجرد مصدر رزق موسمي بل جزء أصيل من المشهد الرمضاني، يلتف حولها الصغار قبل الإفطار، ويتوقف عندها الصائمون بعد يوم طويل بحثا عن رشفة تعيد إليهم نشاطهم.

مصدر الصورة الشارع الرمضاني يكتمل بعربات المشروبات الملونة من الجلاب والتمر هندي وقمر الدين (الجزيرة)

نجمة المائدة

أما القطايف، فهي بطلة الحلويات بلا منازع. تبدأ رحلتها منذ ما بعد الظهر حين ترص أقراص العجين الذهبية أمام المحال، يقف الناس في طوابير قصيرة، يختارون بين الحشوات: جوز مع القطر، قشطة طازجة، أو حتى شوكولا بنسختها العصرية.

في أحد الأفران الشعبية، يصف أبو أحمد قبلاوي (70 عاما) المشهد قائلا: "كنا ننتظر صوت صب العجين على الصاج لنشم رائحة القطايف، اليوم تغيرت الحشوات لكن الطعم الأساسي ما زال كما هو."

في البيوت، تتحول عملية حشو القطايف إلى نشاط عائلي، تجلس الأم وبناتها حول الطاولة، يطوين الأقراص بعناية، ويغمسنها في القطر الساخن. صوت القرمشة عند أول قضمة يعلن نهاية يوم الصيام بطعم حلو، وكأن القطايف تكافئ الصائمين على صبرهم.

التكافل كهوية

من أبرز المشاهد الرمضانية في لبنان "مائدة الرحمن"، حيث تنصب موائد طويلة في الساحات أو أمام المساجد لاستقبال الصائمين خصوصا من العائلات المحتاجة أو عابري السبيل. هنا يتجلى التكافل الاجتماعي كقيمة راسخة لا كشعار عابر.

إعلان

شباب متطوعون يوزعون الماء والتمر، نساء يجهزن الأطباق في مطابخ جماعية، ورجال أعمال يتكفلون بالمصاريف، يقول المتطوع أبو حسن الرفاعي (52 عاما) للجزيرة نت: "رمضان ليس فقط صياما بل مسؤولية، حين نرى البسمة على وجوه الناس، نشعر أن تعبنا لم يذهب سدى."

ولا يقتصر هذا التضامن على الموائد العامة، بل يمتد إلى توزيع الحصص الغذائية سرا، حفاظا على كرامة المحتاجين.

مصدر الصورة زينة رمضان تحول الأحياء بعد الغروب إلى لوحات مضيئة (الجزيرة)

ليالي التراويح

بعد صلاة التراويح، تنبض الأحياء بالحياة. الساحات تمتلئ بعائلات تتنزه، وأطفال يركضون بين الألعاب الشعبية. المقاهي تبقى مفتوحة حتى السحور حيث يجتمع الأصدقاء حول طاولة واحدة يتبادلون الأحاديث والذكريات.

تختلط أصوات الضحك برائحة القهوة والعصائر، وتمتد السهرات حتى قبيل الفجر. في بعض الأحياء تنظم مسابقات دينية أو أمسيات إنشاد، بينما ينتظر الأطفال المسحراتي الذي يجوب الشوارع بطبلته، يوقظ الناس للسحور.

صوت الفجر

وقبيل أن ينشق الليل عن خيط الفجر، يظهر المسحراتي في الأزقة القديمة. يحمل طبلته الصغيرة، يقرعها بإيقاع ثابت، وينادي بأسماء أبناء الحي: "يا نايم وحد الدايم .. قوموا على سحوركم"، صوته يتردد بين الجدران الحجرية، فيوقظ البيوت بهدوء لا يشبه صخب النهار.

يقول أبو فرج السعيد (75 عاما) للجزيرة نت: "زمان كنا ننتظر المسحراتي من الشرفات، نحفظ صوته ونضحك حين يذكر أسماءنا. اليوم، ورغم قلة وجوده وحلول المنبه مكانه لا شيء يعوض دفء ذلك الصوت."

في بعض الأحياء، ما زال المسحراتي يحافظ على حضوره كأنه يحرس ذاكرة الجماعة من النسيان. الأطفال يطلون من النوافذ لمشاهدته يلوحون له، فيما يواصل جولته حتى يقترب أذان الفجر، تاركا خلفه إحساسا بأن رمضان لا يكتمل من دونه.

مصدر الصورة تتحول الشوارع والأحياء إلى لوحات ملونة بالفرح في رمضان (الجزيرة)

عادات تتبدل وروح تبقى

رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتسارع إيقاع الحياة، ما زالت العادات الرمضانية في لبنان تحتفظ بجوهرها. قد تتغير التفاصيل، يقل حضور المسحراتي، وتستبدل الألعاب الشعبية أحيانا بالأجهزة الذكية لكن قيمة الاجتماع وروح المشاركة ومعنى التكافل تبقى حاضرة بقوة.

رمضان في لبنان ليس مجرد شهر في التقويم بل لوحة اجتماعية متكاملة، تتشكل من تفاصيل صغيرة: صحن فتوش مزين بالمحبة، كوب جلاب بارد من عربة على ناصية شارع، قطعة قطايف مغموسة بالقطر، دعوة جار لجاره، ويد تمتد لتعين محتاجا. في هذه التفاصيل تتجسد الهوية الرمضانية، حية نابضة، تعيد للناس إحساسهم بالانتماء، وتمنح المدينة إيقاعا لا يتكرر إلا مرة كل عام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار