مقاعد من الركام.. رحلة غزاوي لإعالة أسرته ومساعدة الطلاب
بين أنقاض المنازل في منطقة الرمال بمدينة غزة، يبحث محمد عامر عن أسياخ حديد تصلح للاستخدام مجددا.
لا يجمعها لبناء بيت، بل لصناعة مقاعد مدرسية لأطفال بدأت عودتهم إلى التعلم داخل خيام ومساحات بديلة، بعدما دمرت الحرب معظم مدارس القطاع.
عامر، النازح من مخيم جباليا إلى خيمة بمدينة غزة، كان يمتلك مصنعا للرخام والديكور في شمال القطاع، لكن الحرب وشح المواد الخام دفعاه إلى الانتقال إلى النجارة، بحثا عن دخل يعيل أسرته المكونة من 8 أفراد.
ويقول لموقع "سكاي نيوز عربية": "نصنع مقاعد للمدارس، فموسم المدارس بدأ الآن، إلى جانب رياض الأطفال والمدارس الخاصة، وهناك أشخاص يلجؤون إلينا بسبب ارتفاع تكلفة الخشب".
حديد من الأنقاض
يوفر الحديد المستخرج من الركام بديلا أقل كلفة من شراء مواد جديدة، ويحاول عامر الاستفادة من كل قطعة يمكن إنقاذها، لتتحول مخلفات البيوت إلى هياكل مقاعد يحتاجها الأطفال.
لكن توفير الحديد لا يحل معضلة التكلفة، فالأدوات ومستلزمات العمل أصبحت أغلى، بما يضعف هامش الربح ويجعل استمرار الحرفة تحديا يوميا.
ويقول عامر: "ورقة الجلخ التي كنا نشتريها بشيكل أو شيكل ونصف، أصبحت اليوم بأربعة شواكل، بينما كان سعر كيلو البراغي 7 شواكل، ووصل اليوم إلى 150 شيكلا".
وارتفعت أيضا، بحسبه، أسعار أدوات القص والكهرباء، ففي الأسبوع الأول فوجئ بأن تشغيل المعدات كلفه نحو ألف شيكل للكهرباء وحدها، ليتساءل كيف يغطي هذا الإنفاق من عمل بدأه لتأمين احتياجات أسرته.
عودة إلى التعلم.. لا إلى المدارس
بدأ العام الدراسي الجديد في غزة يوم 19 سبتمبر الماضي، لكن الأطفال لم يعودوا إلى البيئة التعليمية التي عرفوها قبل الحرب، فجزء كبير من الأبنية المدرسية لم يعد صالحا للاستخدام، والاستجابة تعتمد على الخيام والمساحات المتاحة.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يشارك نحو 495 ألف طفل في مساحات تعلم تدعمها الأمم المتحدة وشركاؤها، بينهم قرابة 67 بالمئة في 200 مركز تعليمي تديره منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( اليونيسف).
ويتلقى نحو 70 ألف طفل التعليم في مساحات مجتمعية وخاصة، بينما لا يزال نحو 200 ألف طفل خارج أي شكل من التعليم المنظم.
وفي مطلع سبتمبر، كانت 359 مساحة تعليم مؤقتة تستعد للعام الدراسي، مع توزيع أكثر من 155 ألف حقيبة مدرسية وأكثر من ألف مجموعة من اللوازم التعليمية الجاهزة.
فجوة أكبر من المقاعد
تعكس بيانات اليونيسف حجم الدمار الذي تحاول هذه المساحات تعويضه. ففي تحديث صدر في أبريل 2026، قالت المنظمة إن نحو 700 ألف طفل ومراهق بين الرابعة والسابعة عشرة فاتتهم الدراسة الحضورية الرسمية لما يقارب 3 أعوام دراسية متتالية.
وأشارت إلى تضرر نحو 98 بالمئة من مباني المدارس، وحاجة أكثر من 93 بالمئة منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة إعمار كاملة، وكانت تقديرات نهاية 2025 قد سجلت تضرر أو تدمير أكثر من 95 بالمئة من مدارس القطاع.
ولا ينتهي التحدي عند إيجاد مكان للدراسة، فبحسب اليونيسف، يوجد نحو 60 مليون طن من الركام في غزة، تعيق الحركة وتخفي مخاطر الذخائر غير المنفجرة، مما يصعب الوصول الآمن إلى أماكن التعلم.
مكان للدفتر والطفل
وسط هذه الاحتياجات، يحاول عامر سد فجوة محددة: توفير مقعد يجلس عليه طفل بدلا من الأرض.
فتتحول قطع الحديد والأخشاب والمواد المتاحة في يديه إلى أثاث تعليمي، يجمع بين حاجته إلى العمل وحاجة المدارس البديلة إلى تجهيزات أساسية.
ولا تعوض هذه المحاولة فقدان الأبنية والكتب وسنوات الدراسة، لكنها توفر جزءا مما يحتاجه الأطفال لاستئناف التعلم.
بالنسبة لهم، تبدأ العودة من تفاصيل بسيطة يصعب تأمينها، المعلم، والدفتر، والخيمة التي تحميهم من الطقس، والمقعد الذي يستقرون عليه، وبالنسبة لعامر، قد تكون قطعة الحديد التي يجدها بين الأنقاض بداية لذلك المقعد، ومصدرا لدخل يساعد أسرته على الاستمرار.