صورة أسد ظهرت على حسابات غامضة في تيك توك، بعضها بلا أسماء أو محتوى واضح، تحولت إلى خيط قاد محققين بريطانيين وفريقا من المنصة إلى شبكة إجرامية منظمة مقرها ألبانيا، تروّج لمسارات هجرة غير قانونية إلى المملكة المتحدة عبر القنال الإنجليزي، قبل أن تكشف التحقيقات حجمها وطريقة عملها.
بدأت القصة بحساب على تيك توك لم يكن يبدو لافتا للوهلة الأولى؛ صورته الشخصية لساعة بيغ بن، ولم يظهر أن صاحبه نشر أي محتوى، لكنه جمع 957 متابعا.
ورصد الحساب أولا محقق من الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة البريطانية (NCA)، قبل أن يبدأ فريق التحقيقات في تيك توك تتبع صلاته بحسابات أخرى، لتظهر شبكة أوسع مرتبطة بمجموعة إجرامية منظمة مقرها ألبانيا.
وكانت الشبكة تضم أكثر من 200 حساب، نشرت نحو 900 فيديو وصلت إلى آلاف المشاهدين للترويج لمسارات غير قانونية إلى بريطانيا، بينها رحلات عبر القنال الإنجليزي على متن قوارب مطاطية كبيرة.
لكن ما لفت المحققين أكثر كان عنصرا مشتركا يتكرر في هذه الحسابات: صور الأسود.
تكررت صور الأسود في محتوى الحسابات، وكان بعضها مولدا بالذكاء الاصطناعي، فأطلق الباحثون على الشبكة اسم "الأسد الذهبي".
ولم تكن صور الأسود مجرد زينة بصرية، بل أدت دور ما يشبه بطاقة تعريف، إذ إن ظهور أسد على حساب من نوع معين كان يمكن أن يشير إلى ارتباطه بمهرب يستطيع نقل المستخدمين عبر أوروبا.
وكانت هذه العلامة أقل وضوحا لأنظمة الرصد الآلي من الكلمات الصريحة المرتبطة بتهريب المهاجرين، وربما ساعد ذلك الشبكة على الإفلات من أنظمة الكشف.
وبتتبع التفاعلات فيما بينها، تمكن محققو تيك توك من رسم شبكة تربط هذه الحسابات بالمهربين، كما درسوا مصادرها ومواقعها المحتملة. وأزيلت الحسابات التي حددها المحققون، وعددها 200.
لا تقتصر حيلة شبكات تهريب المهاجرين على إخفاء هويتها، بل تطور أيضا طريقة عرض خدماتها لتفادي أنظمة الرصد الآلي.
وقال رئيس فريق مكافحة تهريب المهاجرين عبر الإنترنت في (NCA) مايك هوليت إن المهربين باتوا يتجنبون الإعلان الصريح عن مسارات العبور، بعدما كانوا يفعلون ذلك بصورة مكشوفة قبل سنوات.
وتستخدم الشبكات طرقا عدة، منها توزيع المحتوى على مجموعة من الحسابات، وتغيير طريقة كتابة الكلمات باستبدال أرقام أو علامات ببعض الحروف، مثل كتابة (Eur0p) بدلا من (Europe)، إلى جانب وضع النصوص داخل مقاطع الفيديو واستخدام الرموز التعبيرية والصور.
وبعد جذب المستخدمين عبر المنصات العامة، ينتقل التواصل عادة إلى تطبيقات مراسلة خاصة، غالبا ما تكون مشفرة.
كما يستخدم المجرمون شبكات افتراضية خاصة " في بي إن" وعناوين بروتوكول إنترنت وسيطة لإخفاء مواقعهم والأجهزة التي يستخدمونها، فضلا عن شرائح الاتصال الإلكترونية (eSIM) التي تتيح استخدام أرقام هواتف أوروبية لإنشاء الحسابات حتى عندما يكون المستخدم في مكان آخر.
تكشف قصة "الأسد الذهبي" جانبا من المعركة التي تدور خلف شاشات التواصل الاجتماعي، فالعلامة التي تستخدمها الشبكات الإجرامية لتسهيل التعرف إلى حساباتها يمكن أن تتحول في الوقت نفسه إلى خيط يساعد المحققين على ربط الحسابات المتناثرة بعضها ببعض.
ووفقا لأرقام حصرية شاركتها تيك توك مع صحيفة "آي بيبر" البريطانية، أزالت المنصة 10 آلاف فيديو في المملكة المتحدة خلال النصف الأول من عام 2026 لمخالفتها قواعد مكافحة استغلال البشر، وذلك نتيجة تحقيقات أجرتها فرق متخصصة، بينها موظفون سابقون في الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة.
ويقول هوليت إن شركات التواصل الاجتماعي تؤدي دورا أساسيا في تعطيل الحسابات التي تشكل مراكز لشبكات التهريب، لأن إزالة الحسابات الرئيسية يمكن أن يكون لها أثر أكبر من حذف حسابات منفردة. ففي عالم تهريب المهاجرين، قد تبدأ الرحلة على شاشة الهاتف قبل أن تبدأ على الطريق.
المصدر:
الجزيرة