آخر الأخبار

“سوق كل شيء” ببغداد.. كيف حافظ سوق “هرج” على حضوره عبر العقود؟

شارك

في ممرات تضيق بالمتسوقين والبضائع، تتجاور في سوق "هرج" ببغداد دلال نحاسية وسبح وخواتم فضية مع ملابس وأجهزة وأدوات منزلية مستعملة.

ولا يقصد كثير من زواره المكان بقائمة شراء محددة، فقد يقود البحث عن قميص رخيص إلى مسبحة قديمة، أو يفتح التفاوض على جهاز مستعمل بابا لتحفة نادرة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 3 تريليونات دولار.. فاتورة خفية تحاصر شركات الذكاء الاصطناعي
* list 2 of 2 صناديق بتكوين الأمريكية تسجل أكبر نزوح أسبوعي منذ نهاية يونيو end of list

لهذا ما زال السوق -الذي يصفه رواده بأنه "سوق كل شيء"- يحتفظ بحضوره في المدينة رغم انتشار مراكز التسوق الحديثة. فهو ملجأ للباحثين عن احتياجاتهم بأسعار مقبولة، كما يقصده آخرون بحثا عن مصادفة ثمينة بين أغراض خرجت من بيوت العاصمة.

ويربط الباعة والرواد اسم السوق بالصخب وتداخل أصوات البائعين والمتسوقين، فيما يشبه حالة "الهرج والمرج" التي ظلت ملازمة للمكان حتى غدت اسمه الذي عُرف به.

“منقذ الفقراء”

منذ عام 1985، يعمل حسن الكناني (أبو علي) في سوق "هرج". وعلى امتداد عقود، شاهد تغيّر البضائع والزبائن والظروف الاقتصادية، لكنه يرى أن وظيفة السوق الأساسية بقيت واحدة: توفير ما يحتاجه الناس بأسعار تناسب قدراتهم الشرائية.

ويصف أبو علي السوق بأنه "منقذ الفقراء من كل النواحي"، مشيرا إلى أن الزبون يمكنه العثور على ملابس مستعملة، بينها قطع من علامات تجارية معروفة، بتكلفة تقل كثيرا عن سعرها في الأسواق التجارية الأخرى.

ولا يقدّم البائعون السوق بكونه بديلا كاملا عن المتاجر الحديثة، بل بوصفه مكانا مختلفا في منطق البيع والشراء، إذ تتغير المعروضات باستمرار، ويظل التفاوض جزءا من التجربة، بينما تمنح البضائع المستعملة أصحاب الدخول المحدودة فرصة للحصول على حاجاتهم الأساسية بتكلفة أقل.

وبينما تتدلى الملابس من واجهات المحال وتتراكم الأدوات والأجهزة في الممرات، تظهر في زوايا أخرى دلال القهوة والأواني النحاسية، إلى جانب الخواتم والمسابح والقطع الفضية والعملات والطوابع القديمة؛ ليجمع السوق بين الحاجة اليومية وما يثير فضول هواة المقتنيات.

مصدر الصورة تتنوع معروضات سوق هرج بين أدوات منزلية مستعملة وأثاث ومقتنيات قديمة، مما يجعله وجهة للباحثين عن حاجات بأسعار مناسبة (الجزيرة)

مزاد للمصادفات

لا يقصد الجميع سوق "هرج" من أجل الملابس أو الأدوات المنزلية. فبالنسبة إلى أبو مصطفى -أحد رواد المكان- يظل السوق وجهة للبحث عن المسابح والتحف والقطع القديمة الرخيصة.

إعلان

ويقول أبو مصطفى إن بعض الأشياء النادرة لا يُعثر عليها بسهولة في أماكن أخرى، مضيفا بالعامية العراقية "شغلات نادرة ما تلقاها، تلقاها هنا. تحفيات (تحف) قديمة تلقاها هنا ورخيصة".

أما الحاج علي فيصف السوق بأنه أقرب إلى "مزاد مفتوح"، حيث يبيع بعض الناس أغراضا لم يعودوا بحاجة إليها، وقد يجد المتسوق بينها قطعة جيدة بثمن محدود، أو ربما تحفة لا يعرف البائع قيمتها الفعلية.

ولا يعني ذلك أن كل ما يُعرض في السوق نادر أو أصلي، لكن هذا الاحتمال بحد ذاته يمثل جزءا من جاذبيته، فقد يعثر الزائر -بين أشياء عادية ومتداولة- على خاتم فضي أو مسبحة أو قطعة نحاسية تذكّره ببيت قديم أو حقبة بعيدة.

نكهة بغداد الشعبية

بالنسبة إلى علي قاسم، الذي يعرف السوق منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لا تختصر علاقة الناس به في الأسعار أو البضائع فحسب، إذ يقول إن ما يجذبه هو "البساطة" وطريقة تعامل الباعة مع الزبائن، إلى جانب "النكهة الخاصة" للمكان.

وفي السوق -كما يصفه قاسم- يمكن العثور على أشياء زهيدة وأخرى لم يكن الزائر يتوقع وجودها، فضلا عن التحف البغدادية القديمة والمسابح والقطع المرتبطة بالتراث الشعبي.

ويستعيد أبو محمد -أحد الباعة- ذاكرته مع المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، رابطا السوق ببغداد القديمة وشارع الرشيد الشهير. وتختلف اهتمامات الزبائن، فمنهم من يبحث عن المحابس والمسابح، ومنهم من يقصد المكان لاقتناء غرض بعينه، وهو ما يبقي البضائع في تجدد مستمر.

أما ماجد محمد فيضع سوق "هرج" وشارع المتنبي في مساحة واحدة من ذاكرة المدينة، ويصفهما بأنهما "متنفس" لا بديل له، فهما لا يقدمان سلعة أو كتابا فحسب، بل يقدمان تجربة مرتبطة بالمكان والناس وتفاصيل بغداد اليومية.

ذاكرة لا تتوقف عند الماضي

ولا يبدو اجتماع بضائع "البالة" والتحف النادرة في سوق "هرج" أمرا طارئا، إذ يجمع المكان بين التراثيات والصور القديمة، والملابس والأجهزة والأدوات المتداولة في الأسواق الشعبية.

لكن شهادات الرواد والبائعين تكشف أن قوة السوق ليست في ماضيه وحده، بل في قدرته على الاستمرار بوظيفة متجددة، فما يستغني عنه شخص قد يتحول إلى حاجة ضرورية لآخر، وما يبدو غرضا عاديا قد يصبح عند زائر آخر ذكرى تستحق الاحتفاظ بها.

وهكذا، يبقى سوق "هرج" حيا في قلب بغداد، لا لأنه يبيع الماضي فحسب، ولا لأنه ينافس المراكز التجارية الحديثة، بل لأنه يتيح لزواره العثور على ما يحتاجونه، أو ما لم يكونوا يعرفون أنهم يبحثون عنه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار