في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين ضجيج أقراص القص المعدنية وغبار الصخر المتطاير، يقف الشاب عدي الإبراهيم داخل إحدى ورش قص الحجر في محافظة درعا جنوب سوريا، يثبت كتلة بازلت سوداء أمام آلة القص قبل أن تبدأ بشقها ببطء إلى ألواح مصقولة.
هنا تتحول الصخور الثقيلة القادمة من أطراف الريف إلى واجهات منازل ومطابخ وأدراج داخل الأبنية.
يقول عدي في حديثه للجزيرة نت إن العمل شاق وخطر، فالتعامل مع الصخور الضخمة والآلات الحادة يتطلب حذرا دائما، ومع ذلك يبدو متعلقا بهذه المهنة التي يقضي يومه فيها بين الحجارة السوداء.
ويضيف: "رغم قساوة حجر البازلت، فإن التعامل معه لين"، مشيرا إلى أنه لا يعرف تفسيرا واضحا لهذا الشعور، لكنه يجد نفسه أكثر ارتياحا في العمل مع هذه الصخور مقارنة بالرخام أو الأحجار البيضاء.
قبل ظهور المناشير الكهربائية وورش القص الحديثة، كانت الحجارة السوداء نفسها تستخدم لبناء بيوت حوران القديمة بوسائل بدائية. فقد شكلت الهضاب البركانية الممتدة في مناطق مثل اللجاة شرقي درعا، على مدى قرون، المصدر الرئيسي للحجر الذي بنيت منه معظم قرى المنطقة.
الحاج محمود أبو نبوت، الذي تجاوز التسعين من عمره، ما زال يستعيد تفاصيل تلك الأيام حين كان بناء المنازل يعتمد بالكامل على الحجارة البازلتية.
يقول للجزيرة نت: "قبل ستين أو سبعين عاما، كانت البيوت تبنى من الحجر الأسود باستخدام أدوات بسيطة مثل المطرقة والأزميل، وكان العمل شاقا للغاية ويستغرق وقتا طويلا".
ويشير إلى أن الحجارة كانت تنحت في المكان الذي توجد فيه الصخور، ثم تنقل على عربات خشبية تجرها الدواب، لتبدأ عملية البناء ورصها فوق بعضها لتشكيل الجدران.
كان وزن الحجر الواحد يتجاوز 40 كيلوغراما في كثير من الأحيان، وكان رفعه إلى الطوابق العليا يتم على مراحل، يحمل على الأكتاف ويصعد به تدريجيا.
وبحسب أبو نبوت، كان بناء منزل واحد بمساحة 100 متر مربع يستغرق ما لا يقل عن عامين بسبب صعوبة العمل واعتماده الكامل على الجهد اليدوي.
ويعبر عن دهشته قائلا إنه لم يكن يتخيل أن تعود واجهات المنازل في درعا إلى اللون الأسود كما كانت في الماضي، وإن رؤية البازلت يعود من جديد "تعيد إلى الذاكرة شكل البيوت القديمة في حوران".
هذه العودة لم تأت من باب الحنين فقط، بل نتيجة عوامل اقتصادية أيضا، فخلال السنوات الأخيرة بدأ البازلت يستعيد حضوره في الأبنية الحديثة في محافظة درعا.
يقول صاحب إحدى ورش قص الحجر غازي الرفاعي، للجزيرة نت، إن الإقبال على البازلت الأسود بدأ يتزايد منذ نحو ثماني سنوات، موضحا أن السبب في البداية كان انخفاض سعره مقارنة بالحجر الأبيض.
ويضيف أن سعر المتر المربع من البازلت كان يقارب 10 دولارات، في حين وصل سعر الحجر الأبيض إلى نحو 25 دولارا، مما دفع كثيرين لاختياره بديلا أقل كلفة.
ومع مرور الوقت، لم يعد السعر العامل الوحيد في اختيار الحجر، فقد بدأت صلابة البازلت وجمال لونه المميز، وارتباطه بتاريخ المنطقة، تشجع أصحاب الأبنية الجديدة على استخدامه بدل الحجر الأبيض المستورد، بما في ذلك القادم من تركيا.
ويشير الرفاعي إلى أن صخور البازلت تجلب من مناطق مختلفة في ريف درعا، أبرزها أطراف وادي الزيدي ومحيط السدود وبعض قرى منطقة اللجاة، حيث تشترى النقلة الواحدة التي تحمل 30 طنا من الصخور بنحو 900 دولار، قبل أن تنقل إلى الورش ليقص الحجر ويصقل ويحول إلى ألواح مختلفة القياسات.
ولا تقتصر استخدامات البازلت على تلبيس واجهات المنازل، بل يدخل أيضا في أطراف النوافذ والأدراج الداخلية ورفوف المطابخ، حيث تمنحه صلابته العالية قدرة على تحمل الاستخدام الطويل والحرارة.
على بعد كيلومترات من الورشة، يرتفع منزل جديد في قرية عتمان بريف درعا الشمالي؛ الواجهة السوداء والبيضاء التي تغطي البناء تمنحه مظهرا مختلفا عن كثير من الأبنية الحديثة ذات اللون الأبيض فقط.
عاد صاحب المنزل سليمان المصري قبل ثلاث سنوات إلى قريته بعد أكثر من 25 عاما من العمل في السعودية، حاملا معه حلم بناء منزل يستقر فيه مع عائلته بالقرب من أقاربه.
يقول للجزيرة نت إن هذا المنزل يمثل بالنسبة له "منزل الأحلام" بعد سنوات طويلة من الغربة والعمل من أجل جمع المال والعودة إلى مسقط رأسه.
يضيف أنه خلال سنوات عمله في السعودية اعتاد رؤية الأبنية الملبسة بالحجارة البيضاء، وكان يفكر في بناء منزل مشابه، لكن بعد عودته وبدء العمل في المنزل تغيرت الفكرة.
يقول المصري "فكرت أن أبني شيئا يشبهني ويشبه المنطقة التي غبت عنها سنوات، وفي النهاية وقع اختياري على حجر البازلت الأسود إلى جانب بعض الحجارة البيضاء، بما يتناسب مع تصميم المنزل".
وعند طرح الفكرة على زوجته وأبنائه لم يواجه أي اعتراض، بل على العكس -كما يقول- رأوا فيها تعبيرا عن ارتباطهم بالمكان الذي عادوا إليه بعد سنوات من الغياب.
وبين ورشة عدي التي تشق الصخور يوميا، وبيت سليمان الذي يرتفع حجرا فوق حجر، تبدو الحجارة السوداء وكأنها تستعيد مكانها القديم في درعا، عودة لا تحركها الحاجة الاقتصادية فقط، بل أيضا رغبة في استعادة ملامح معمارية ظلت لقرون جزءا من هوية حوران.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة