تسعى دول عربية إلى فتح مسار دبلوماسي لاحتواء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عبر اتصالات مكثفة تهدف إلى خفض التصعيد وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار بعد نحو أسبوعين من المواجهات العسكرية المتصاعدة في المنطقة.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلا عن دبلوماسيين عرب أن إيران وضعت شروطا مسبقة قاسية لأي عودة إلى المفاوضات، من بينها وقف الغارات الجوية أولا، والحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجوم جديد، إلى جانب المطالبة بتعويضات والسعي إلى دفع القوات الأميركية للانسحاب من المنطقة.
بحسب ما نقلته الصحيفة عن دبلوماسيين عرب، تشترط طهران وقف الضربات الجوية قبل الدخول في أي مناقشات حول وقف إطلاق النار، معتبرة أن استمرار الغارات يجعل أي مسار تفاوضي بلا معنى.
كما تطالب إيران بضمانات قاطعة بعدم تعرضها لهجوم جديد في حال وافقت على وقف القتال، في خطوة تعكس مخاوف القيادة الإيرانية من تكرار الهجمات مستقبلا.
وتشير المصادر نفسها إلى أن طهران تطالب أيضا بالحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء الضربات العسكرية، وتأمل في دفع القوات الأميركية للانسحاب من المنطقة.
وتقول الصحيفة إن هذه المطالب تأتي ضمن إظهار أوسع للثقة من جانب القيادة الإيرانية في الأيام الأخيرة، سواء كانت هذه الثقة حقيقية أم جزءا من خطاب سياسي موجه للخارج.
فبعد نحو أسبوعين من الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وإغراق جزء كبير من البحرية الإيرانية واستهداف مواقع صاروخية، تشير المعطيات إلى أن القيادة الإيرانية ما تزال قادرة على إدارة المواجهة وتوجيه ضربات في المنطقة.
ووفقا للتقرير، يواصل الجيش الإيراني تنفيذ هجمات على أهداف مختلفة في المنطقة، من بينها ناقلات نفط وسفن شحن في مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط العالمية.
وتهدف هذه الهجمات إلى دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وهو ما تحقق بالفعل لفترة عندما تجاوزت الأسعار العالمية مستوى 100 دولار للبرميل.
وفي أول بيان له منذ اختياره لخلافة والده، تعهد المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي بمهاجمة القواعد الأميركية في الشرق الأوسط والاستمرار في إغلاق مضيق هرمز.
وقد أبلغت طهران دبلوماسيين عربا أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن الأمن للجميع، وإلا فلن يكون هناك أمن لأحد.
وترى الصحيفة أن هذه الاستراتيجية التصعيدية تهدف إلى ردع أي هجمات مستقبلية على النظام الإيراني الذي يشعر بأن بقائه مهدد، وهو ما قد يؤدي إلى صراع طويل حتى لو قررت واشنطن لاحقا إنهاء العمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، كتب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني على منصة إكس: "بدء الحرب سهل، لكن إنهاءها لن يحدث ببضع تغريدات". وأضاف: "لن نترككم حتى تعترفوا بخطئكم وتدفعوا ثمنه".
ووفقا لما نقلته الصحيفة عن دبلوماسيين عرب، لم تبد الولايات المتحدة أو إسرائيل حتى الآن أي اهتمام بالتوصل إلى اتفاق.
ففي حين استمعت واشنطن إلى مبادرات الوساطة المختلفة، يؤكد ترامب أنه يريد استسلام إيران غير المشروط أو انهيار قدرتها القتالية، معتبرا أن ذلك قد يكون قريبا مع استمرار الضربات الأميركية.
كما أشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل ما تزال تتطلع إلى استسلام إيران، في حين تؤكد طهران أنها غير مهتمة بالتفاوض مع إسرائيل.
وأدى التصعيد العسكري إلى قلق متزايد لدى دول الخليج العربية، التي تعرضت منشآتها النفطية ومطاراتها وقواعدها العسكرية وحتى مناطقها السكنية لهجمات.
كما أثر القتال على صادرات النفط وهدد الصورة التي عملت هذه الدول على ترسيخها بوصفها مناطق مستقرة وجاذبة للاستثمارات الأجنبية.
ومنذ اندلاع الصراع في 28 شباط/فبراير، تواصل دول عربية جهودها لجمع الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات، فيما تكثفت الاتصالات الدبلوماسية في مطلع هذا الأسبوع بعد جولة جديدة من الاتصالات بادرت بها السعودية التي تشعر بقلق متزايد من الهجمات على البنية التحتية للطاقة.
وتركز هذه الجهود حاليا على إقناع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بالدخول في "فترة هدوء" قد تساعد في بناء الثقة تمهيدا للتوصل لاحقا إلى وقف إطلاق نار شامل.
وأشار التقرير إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى في حزيران/يونيو الماضي ألحقت أضرارا كبيرة ببرنامجي إيران النووي والصاروخي، وكشفت ضعف قدرة النظام على صد الهجمات.
وانتهت تلك المواجهة عندما أعلن ترامب وقف الضربات، فيما أمرت إيران قواتها المسلحة بوقف الهجمات على إسرائيل.
لكن القيادة الإيرانية رأت لاحقا أن ذلك القرار كان خطأ استراتيجيا أضعف البلاد وشجع خصومها على التفكير في شن هجمات جديدة.
ولهذا السبب أبلغت طهران الوسطاء هذه المرة أنها لن تقبل بوقف إطلاق النار إلا مقابل ضمانات قوية بعدم تعرضها لهجمات مستقبلية.
وطرحت طهران أيضا فكرة أن تكون روسيا ضامنا لأي اتفاق محتمل، بحسب دبلوماسي إيراني تحدث للصحيفة، مضيفا أن إيران تأمل في نهاية المطاف دفع الولايات المتحدة إلى تقليص وجودها العسكري في المنطقة.
وفي هذا السياق كتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على وسائل التواصل الاجتماعي: "الطريقة الوحيدة لإنهاء هذه الحرب هي الاعتراف بحقوق إيران المشروعة، ودفع التعويضات، وتقديم ضمانات دولية راسخة ضد أي عدوان مستقبلي".
وترى الصحيفة أن هذه الشروط من غير المرجح أن تقبل بها الولايات المتحدة، التي ما تزال قلقة بشأن برنامجي إيران النووي والصاروخي، أو إسرائيل التي تعتبر إيران عدوا وجوديا.
ومع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن إيران أثبتت قدرتها على تعريض جيرانها في الخليج للخطر، وبالتالي التأثير في أسواق النفط العالمية، عبر عدد محدود من الهجمات بالطائرات المسيرة.
وقال عساف أوريون، الرئيس السابق لقسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي: "العدو لديه صوت". وأضاف: "لا أعتقد أن هناك احتمالا كبيرا لأن يستسلموا". وختم بالقول: "إنهم يلعبون على الوقت".
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة