دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- لا شك أن كتاب " Eat, Pray, Love" (طعام صلاة حب)، للروائية الأمريكية إليزابيث جيلبرت، قد غير طريقة سفر ملايين النساء في منتصف العمر.
ويمزج هذا الكتاب، الذي صدر قبل 20 عامًا، هذا الأسبوع، بين أدب الرحلات والاعترافات وإرشادات التنمية الذاتية، ويتتبع رحلات جيلبرت بعد الطلاق إلى كل من إيطاليا والهند وإندونيسيا.
وقد تحوّل هذا المشروع الشخصي لجيلبرت إلى ظاهرة اجتاحت العالم. وصار للكتاب حياة تجاوزت صفحاته، في الفنادق والمقاهي والمنتجعات الصحية والشواطئ، حيث انطلق أعداد هائلة من قرّائه بحثًا عن رحلاتهم التحولية الخاصة.
وفي العام 2019، كانت غلوريا كاسيرو، التي وُلدت في البرتغال وتقيم في ولاية نيوجيرسي، وهي أم لطفلين بالغين، انفصلت عن زوجها بعدما غادر ابنيها المنزل. وتقول إنها بعد تقاعدها وجدت الجواب عما ينبغي أن تفعله لاحقًا في نسخة ورقية من كتاب "طعام وصلاة وحب"، أي قررت السفر إلى كل الأماكن التي لم تزرها من قبل. وفي الـ51 من عمرها، انطلقت في أول عطلة تسافر فيها بمفردها إلى إيطاليا.
هذا النوع من التجارب هو ما جعل رواية "طعام وصلاة وحب" ظاهرة خالدة، وليس ملايين النسخ المباعة من الرواية أو إيرادات شباك التذاكر التي بلغت 200 مليون دولار للفيلم المقتبس عن الرواية عام 2010، من بطولة جوليا روبرتس في دور جيلبرت وخافيير بارديم في دور حبيبها الجديد الذي التقت به خلال رحلاتها.
تشير جيلبرت إلى أن أصدقاءها يصفونها بأنها بمثابة "إذن إنساني"، إذ استطاعت إقناع جيل كامل من النساء بأنه لا بأس من السفر لمجرد متعة السفر.
وبحلول الوقت الذي صدر فيه الكتاب عام 2006، كان العالم قد بدأ يهنّئ نفسه على مدى "السهولة" التي أصبح عليها سفر المرأة بمفردها لأغراض الترفيه، وهو ادعاء يقول الكثير عن القيود التي كانت قائمة من قبل.
ولم يمضِ وقت طويل منذ أن توقفت دول كثيرة عن التعامل مع المسافرات المنفردات بوصفهنّ مشكلة يجب إدارتها، فلم تعد تُرفض لهن حجوزات غرف الفنادق عندما يسافرن من دون رجل، ولا يحرمن من بطاقات الائتمان اللازمة للدفع.
وقد جعلت العولمة والتنامي المتزايد في ديمقراطية السفر الوصول إلى أماكن بعيدة أسهل، كما جعلت الأجهزة المحمولة الذكية، المزودة بشرائح اتصال وتطبيق "ترجمة غوغل"، تنقّل المسافرين أسهل عند وصولهم إلى هناك.
كانت هناك كلمة واحدة تتكرر على ألسنة النساء اللواتي تحدثن عن رحلاتهن في تلك السنوات مفاده أنّ سفر المرأة بمفردها أصبح أكثر قبولًا اجتماعيًا، وأكثر أمانًا.
وتقول جيلبرت: "أمضى فرويد وقتًا طويلًا يسأل: ماذا تريد النساء؟"، مضيفة: "يبدو أنهن، في الواقع، يردن عامًا يسافرن فيه حول العالم بمفردهن، ويتناولن الكثير من البيتزا، ويقعن في حب رجل برازيلي وسيم، ويعشن المغامرة".
واعتقدت العديد من النساء اللواتي ألهمهن كتاب "طعام وصلاة وحب" فرص السفر قد فاتتهن، إذ استهلكت المهن والعائلات وقتهن وطاقتهن؛ وكانت العطل تُخصص لجولات البحث عن الجامعات للأبناء أو لزيارة الأقارب.
وحين أصبح السفر الفردي خيارًا متاحًا، لم يكن يروق لهن النوم في غرف مشتركة داخل نزل. وتقول كاسيرو: "في البداية، كان السفر بمفردي غريبًا بعض الشيء. وشعرت بالحرج من تناول الطعام وحدها داخل مطعم، وكانت تتساءل إن كان الناس سيشعرون بالشفقة عليها، إلا أنّ التجربة كانت في الواقع "مبهجة ومحرِّرة ومشجعة".
كانت إليزابيث لاهيف، وهي خريجة جامعية أمريكية، تعمل في المكسيك في أوائل العقد الأول من الألفية، عندما أخبرها أحدهم بأنها تتبع نهج كتاب "طعام وصلاة وحب"، حينها قررت البحث عن نسخة منه.
وتقول: "عندما قرأته، شعرت بكل شيء فيه يتردد صداه في داخلي. وقلت لنفسي أنا أقوم بأمر عظيم. لذا، كان الكتاب مطمئنًا للغاية بالنسبة لي".
بدأت قصة لاهيف، مثل قصة جيلبرت، كشابة تبني مسيرتها المهنية في حي مانهاتن. ورغم أنها انتقالها إلى مدينة كبيرة ترافق مع أحلام كبيرة وأمل بتحقيق النجاحات، فإن الرتابة في وظيفتها الأولى بشركة استشارات جعلت لاهيف تتساءل عمّا إذا كانت قد اتخذت القرار الصحيح.
وفي النهاية استقالت من عملها وانتقلت إلى جزر مارشال، وهو مكان لم تكن قد سمعت به من قبل، للعمل بعقدٍ قصير الأمد.
وبعد مرور عقدين من الزمن، تعيش لاهيف في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وتعمل في مجال التنمية الدولية، وهو عالم بعيد تمامًا عن المكان الذي نشأت فيه في بلدة صغيرة شمال ولاية نيويورك.
وتقول: "يمنحك السفر بمفردك الكثير من ناحية ما تشعر أنك قادر على إنجازه. وأعتقد أيضاً أنه أقرب ما يكون إلى الحرية التي يمكن أن يشعر بها المرء لأن ما من توقعات منتظرة منك".
وقد أصبح الكتاب، على نحوٍ لا مفرّ منه، نموذجًا تسويقيًا أيضًا، إذ ظهرت موجة جديدة من الشركات لتلبية احتياجات نوع جديد من المسافرين. وقد روّجت منتجعات العافية الفاخرة لفكرة أن الضيف يمكنه القدوم وخوض تجربة التأمل والشفاء الروحي من دون الحاجة إلى النوم على الأرض، أو الامتناع عن استهلاك الكحول، أو اتخاذ نذر الصمت.
وأصبحت عبارة "طعام وصلاة وحب" شعارًا يمكن لأصحاب المنتجعات الصحية والفنادق استخدامه لجذب نوع جديد من العملاء. ورغم أن منتجعًا في بالي لا يستطيع أن يعدك بأنك ستقعين في حب شخص بمثل وسامة الممثل خافيير بارديم أثناء إقامتك هناك، لكنه قادر على بيعك خلاصة بصرية على "إنستغرام" مليئة بأطباق صحية ونساء نحيلات يمارسن اليوغا في حقول الأرز.
ساشا أستيادي في مضيق مونت ريبي بإسبانيا. Credit: Courtesy Sasha Astiadiأما بالنسبة إلى ساشا أستيادي، وهي إندونيسية أمضت جزءًا من شبابها في بالي، فتقول إن كتاب "طعام صلاة حب" كان حاضرًا في كل مكان رغم أنها لم تقرأ الكتاب بعد ولم تشاهد الفيلم حتى.
وتقول إنه من المستحيل عدم ملاحظة التحوّل الذي أشعله الكتاب في بالي، مع تدفّق عشرات الآلاف من السياح الذين أنفقوا عشرات الآلاف من الدولارات على خلوات التأمل، وهي مبالغ لم يكن بمقدور السكان المحليين مثلها تحمّلها.
وتضيف أن كثيرًا من السكان المحليين تظاهروا بأنهم معالجون روحيون، للاستفادة من الأعداد الكبيرة من النساء اللواتي قدمن بحثًا عن تجربة "جيلبرت" خاصة بهن.
ولفتت إلى أن بالي "ليست كما في الأفلام، إذ هناك ازدحام مروري دائم، وهناك لغة مختلفة، وهناك بعوض، وهناك قدر كبير من البيروقراطية".
وتشير جيلبرت إلى أنها كانت قلقة من أن قرّاءها يحاولون اتباع خطواتها بحذافيرها، مثل محاولة "الإقامة في الحي عينه في روما، وتناول نوع البيتزا ذاتها التي تناولتها في نابولي، والعثور على المعبد الذي كنت فيه بالهند، وتجربة المعالجين الذين ذهبت إليهم في بالي". وأضافت أنها حاولت تشجيع الناس على ألّا يفعلوا الأمور ذاتها التي فعلتها هي.
وقالت: "لكنني أدركت في مرحلة ما على طول الطريق أنك تستطيع، بأمانة، خطوة بخطوة، أن تعيد إنشاء رحلتي بالكامل، ومع ذلك ستحصل على رحلتك أنت". فالتجربة الشخصية لكل إنسان مع البيتزا، أو مع الشفاء، أو مع الصحوة الروحية، على حد قول جيلبرت، ستكون مختلفة تمامًا.
وخلصت إلى أنه "في تلك اللحظة قلت لنفسي: افعلوا ما تشاؤون بها. فحتى لو حاولتم أن تكونوا مثلي، ستنتهون في النهاية لأن تكونوا أنفسكم".
المصدر:
سي ان ان