من أصوات الحيتان إلى لغة الآلة.. هل يقترب الذكاء الاصطناعي من فهم الحيوانات؟
تسجل الحيوانات من حول البشر ملايين الإشارات الصوتية التي تحمل معلومات عن الهوية والسلوك والبيئة والعلاقات الاجتماعية، لكن معظم هذه الإشارات لا يزال بعيدا عن الفهم الكامل، ومع تطور الذكاء الاصطناعي، بدأ العلماء استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل كميات ضخمة من التسجيلات الصوتية، والبحث عن أنماط يصعب على البشر رصدها يدويا.
ولا يعني ذلك أن الآلات أصبحت قادرة على ترجمة لغة الحيوانات إلى لغة بشرية، بل إن الدور الحالي للذكاء الاصطناعي يتمثل، بدرجة كبيرة، في اكتشاف الأصوات وتصنيفها وربطها بالسياق والسلوك، وهي خطوة أساسية قبل محاولة فهم ما قد تعنيه تلك الإشارات.
مصدر الصورة
من تسجيل الأصوات إلى اكتشاف الأنماط
تواجه أبحاث التواصل الحيواني مشكلة ضخمة تتمثل في حجم البيانات، فقد تحتوي ساعات قليلة من التسجيلات على آلاف الأصوات المختلفة، مما يجعل تحليلها يدويا عملية طويلة ومكلفة، وهنا يوفر الذكاء الاصطناعي وسيلة لتحديد الأصوات وتصنيفها واستخراج خصائصها، مثل التردد والمدة والشكل الصوتي.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 إنفيديا تطلق حارسا يمنع اختراقات الذكاء الاصطناعي في أجزاء من الثانية
* list 2 of 2 رغم الرفض الدولي.. بكين تسعى لإبقاء حوار الذكاء الاصطناعي مع واشنطن end of list
وفي دراسة نشرت هذا العام في مجلة ساينتيفيك ريبورتس (Scientific Reports) البريطانية، استخدم باحثون التعلم العميق للتعرف تلقائيا على صفارات الدلافين من تسجيلات صوتية تحت الماء، وبلغت دقة أفضل نموذج نحو 90% في ظروف الاختبار. ويتيح هذا النوع من الأدوات للباحثين مراقبة الأصوات على نطاق أوسع، لكنه يظل أداة للتعرف على الإشارة وتحليل خصائصها، وليس لترجمة معناها.
وفي دراسة أخرى، استخدم باحثون نماذج تعلم عميق لتحليل تسجيلات لدلافين حرة في خليج بسكاي، وتمكن نظام الذكاء الاصطناعي من تسريع عملية تحديد الصفارات بنحو 6 مرات مقارنة بالتحليل اليدوي، كما أظهرت النتائج اختلاف بعض الخصائص الصوتية باختلاف سلوك الدلافين ووجود شباك الصيد وبعض المؤثرات الصوتية الخارجية.
وتشير هذه النتائج إلى فائدة مهمة للذكاء الاصطناعي، تتمثل في اكتشاف الارتباطات بين الصوت والسياق، لكن وجود ارتباط إحصائي لا يثبت تلقائيا أن الصوت يحمل معنى محددا يشبه الكلمات والجمل في اللغة البشرية.
مصدر الصورة
الدلافين.. إشارات تحمل معلومات عن الهوية
تعد الدلافين من أكثر الحيوانات التي درست أنماط تواصلها الصوتي، فمن المعروف منذ عقود أن الدلافين قارورية الأنف تستخدم ما يسمى صفارات التوقيع (Signature Whistles) وهي ميزة ترتبط بهوية أفراد معينة، ويمكن أن تؤدي وظيفة شبيهة بالتعريف بالفرد، كما تستطيع الدلافين تقليد صفارات أفراد أخرى في سياقات اجتماعية معينة.
وفي أبحاث أحدث، وجد العلماء أن أنماط صفارات أنواع أخرى من الدلافين تتكرر بدرجات مختلفة، لكن الباحثين يؤكدون أن معرفة وظيفة هذه الأنماط تحتاج إلى ربطها بمعلومات تفصيلية عن السلوك والسياق الاجتماعي.
وهذا يوضح الفرق بين التعرف على النمط وفهم المعنى، حيث يستطيع نموذج حاسوبي، مثلا، اكتشاف أن صفارة معينة تظهر بصورة متكررة عندما تتجمع الدلافين، لكنه لا يستطيع، من هذه المعلومة وحدها، أن يثبت أن الصفارة تعني تعالوا أو هناك خطر أو أي عبارة بشرية محددة.
الفيلة هل لديها ما يشبه الأسماء؟
تقدم الفيلة مثالا آخر على الإمكانات والحدود في الوقت نفسه، ففي دراسة نُشرت عام 2024، استخدم الباحثون التعلم الآلي لتحليل أصوات الفيلة الأفريقية، ووجدوا أدلة تشير إلى أن بعض النداءات ترتبط بأفراد بعينهم، وأن الفيلة استجابت بصورة مختلفة لتسجيلات كانت موجهة إليها مقارنة بنداءات موجهة إلى أفراد أخرى، وفسر الباحثون النتائج باعتبارها دليلا على وجود نداءات تشبه الأسماء الفردية.
لكن هذه النتيجة نفسها أصبحت موضع نقاش علمي، فقد أعادت دراسة نشرت حديثا تحليل البيانات، وخلصت إلى أن بعض قدرة نموذج التعلم الآلي على التنبؤ بالفرد المستهدف ربما كانت ناتجة عن عوامل أخرى في البيانات، مثل هوية المتحدث والارتباط الزمني بين التسجيلات، محذرة من أن نماذج التعلم الآلي قد تلتقط أنماطا إحصائية مضللة بدلا من الإشارة البيولوجية التي يبحث عنها العلماء، وخلص الباحثون إلى أن فرضية استخدام الفيلة لنداءات شبيهة بالأسماء ما تزال غير محسومة.
مصدر الصورة
الحيتان.. بنية أكثر تعقيدا
لا تقتصر المحاولات على الدلافين والفيلة، فقد أظهرت دراسة نشرت في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications) البريطانية أن حيتان العنبر تستخدم تسلسلات من النقرات الصوتية، تعرف باسم كودات (Codas) وتحتوي هذه الإشارات على خصائص مرتبطة بالسياق، إلى جانب عناصر يمكن تركيبها بطرق مختلفة.
ووجد الباحثون أن هذه البنية الصوتية أكثر تعقيدا مما كان معروفا سابقا، مع وجود مجموعة كبيرة من الأنماط القابلة للتمييز، لكن الدراسة لم تقدم قاموسا يترجم هذه النقرات إلى كلمات بشرية، بل كشفت عن بنية تنظيمية في نظام التواصل.
لماذا لا تكفي الخوارزميات لترجمة الحيوانات؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن الباحثين يعرفون غالبا متى يصدر الحيوان صوتا وما الذي يفعله في الوقت نفسه، لكنهم لا يعرفون بالضرورة ما إذا كان الصوت يمثل مفهوما محددا، أو حالة عاطفية، أو أمرا اجتماعيا، أو مجموعة من المعلومات التي لا يوجد لها مقابل مباشر في اللغة البشرية.
ولهذا يحتاج العلماء إلى الجمع بين التسجيلات الصوتية والمراقبة الميدانية والتجارب السلوكية، بما فيها تشغيل أصوات مسجلة ومراقبة استجابة الحيوانات لها. ويؤكد باحثون في المجال أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرع تحليل البيانات، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الملاحظة البيولوجية الدقيقة.
وتزداد المشكلة تعقيدا عندما تتعامل الخوارزميات مع بيانات غير متوازنة أو أصوات مرتبطة بمكان أو وقت محدد، إذ يمكن للنموذج أن يتعلم علاقة إحصائية غير حقيقية، وهذا ما يجعل التحقق المستقل من النتائج واختبارها على بيانات جديدة أمرا ضروريا.
عندما يصبح الفهم وسيلة للتدخل
يفتح فك أنماط التواصل الحيواني فوائد محتملة في مراقبة الأنواع وحمايتها، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في اكتشاف الحيوانات وتتبع وجودها ومراقبة تغير سلوكها وتأثير الأنشطة البشرية فيها، وتشير مراجعات علمية إلى إمكان استخدام التحليل الصوتي لرصد الفيلة والتعرف عليها ومتابعة تحركاتها وسلوكها.
لكن الوصول إلى مرحلة يمكن فيها توليد أصوات تستجيب لها الحيوانات يطرح سؤالا مختلفا، وهو ماذا يحدث عندما لا نكتفي بالاستماع، بل نبدأ بالتدخل؟
حيث تحذر أبحاث أخلاقية حديثة من أن أنظمة التعلم الآلي المخصصة للتواصل مع الحيوانات قد تؤدي إلى تجارب تسبب لها الضيق، أو تعطل إشاراتها الطبيعية، أو تؤثر في علاقاتها الاجتماعية، كما قد تصبح النماذج قادرة على إنتاج إشارات لا يعرف العلماء معناها بدقة، مما يجعل استخدامها على الحيوانات أكثر خطورة.
مصدر الصورة
ويؤكد باحثون في هذا المجال أن البشر ما زالوا بعيدين عن امتلاك ترجمة موثوقة لأي نظام تواصل طبيعي لدى الحيوانات، فضلا عن إجراء محادثات ثنائية الاتجاه معها.
لذلك، تبدو القيمة العلمية الحالية للذكاء الاصطناعي في توسيع قدرة البشر على الاستماع والتحليل، لا في الادعاء بأنهم أصبحوا قادرين على التحدث مع الحيوانات.