شهد قطاع التقنية تاريخيا نمطا مستقرا مدفوعا بـ "قانون مور"، حيث كانت تتقلص تكلفة المكونات الإلكترونية الدقيقة والذواكر بمرور الوقت مع زيادة كفاءتها. غير أن الطفرة الانفجارية للذكاء الاصطناعي التوليدي قلبت هذه المعادلات رأسا على عقب، لتدشن الأسواق حقبة اقتصادية جديدة بات يطلق عليها خبراء المال والمحللون التقنيون اسم "تضخم الرقائق" (Chipflation).
تتطلب نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة (LLMs) قدرات معالجة فائقة وسرعات نقل بيانات استثنائية لمواجهة مشكلة عنق الزجاجة في نقل البيانات بين المعالج والذاكرة. وهذا الأمر جعل "ذاكرة النطاق العريض العالية" (HBM – High Bandwidth Memory) العصب الأساسي لمسرعات الذكاء الاصطناعي مثل رقائق إنفيديا (Nvidia) وإيه إم دي (AMD).
ووفقا لمذكرة بحثية شاملة مكونة من 66 صفحة أصدرها مصرف مورغان ستانلي في يونيو/حزيران هذا العام، فإن استهلاك الذكاء الاصطناعي للذاكرة يتصاعد بشكل أسي وغير مسبوق على كافة المستويات التقنية.
فعلى مستوى الرقاقة المفردة، التي تستخدم معالجات الذكاء الاصطناعي من الأجيال الحديثة نحو 7.2 ضعف من ذاكرة "إتش بي إم" مقارنة بالأجيال السابقة.
وعلى مستوى النظام الكامل والمصفوفات، يتضاعف الاستهلاك ليصل إلى 65 ضعفا. أما على مستوى مراكز البيانات، فقد قفزت السعات المطلوبة لذاكرة "إتش بي إم" في البنى التحتية لمراكز البيانات من حوالي 10 تيرابايتات في عام 2020 إلى قرابة 18 بيتابايتا. (البيتابايت يساوي 1024 تيرابايتا).
هذا الطلب الهائل اصطدم بـ "سلاسل توريد جامدة" لا يمكنها الاستجابة الفورية، إذ إن بناء خطوط إنتاج جديدة لذواكر أشباه الموصلات المتقدمة واختبار كفاءتها يتطلب سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة، مما خلق سوقا منقسمة تمنح الأولوية المطلقة لمن يدفع أكثر.
أشار "شون كيم"، رئيس فريق أبحاث التكنولوجيا في أوروبا وآسيا لدى مورغان ستانلي، إلى أن أسعار ذواكر الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) شهدت قفزة عنيفة، حيث تضاعفت الأسعار بأكثر من 6 مرات خلال الفترة القصيرة الماضية. وهذا الارتفاع يمثل انحرافا حادا عن النمط الاقتصادي الذي ساد لعقود، والذي كان يتسم بالانخفاض المستمر في تكلفة الذاكرة.
وتتوقع تقديرات المؤسسة المالية حدوث عجز حاد في المعروض الموجه للأسواق التقليدية بحلول عام 2027 نتيجة إعادة توجيه المصانع لخطوط إنتاجها نحو المنتجات الفاخرة وعالية الهامش المخصصة للذكاء الاصطناعي:
وتكشف الأرقام المالية الصادرة عن المصرف عن تضخم مرعب في الحجم الإجمالي لسوق الذاكرة، إذ تشير التوقعات إلى نمو السوق من 220 مليار دولار إلى 890 مليار دولار، ما يعني ضخ نحو 600 مليار دولار كإيرادات إضافية تدفقت بالكامل لشركات تصنيع الذاكرة، مدفوعة بإنفاق عمالقة التقنية على البنية التحتية، وهو رقم يتجاوز القيمة السوقية السنوية الإجمالية لأسواق الحواسيب أو الهواتف الذكية منفردة.
لم يعد هذا الارتفاع حبيس جدران الخوادم السحابية، بل انعكس بشكل مباشر على تكلفة تصنيع الأجهزة الاستهلاكية، فإلى جانب النقص العالمي في الرقائق التقليدية، فرضت ثورة "الذكاء الاصطناعي المحلي" معايير تقنية قاسية ومكلفة:
وفقا لتحليلات الخبراء في مورغان ستانلي ووكالات رصد الأسواق، تجد الشركات المصنعة للأجهزة مثل لينوفو وديل وشاومي وإتش بي، نفسها أمام خيارات معقدة وهامش مناورة ضيق جدا لامتصاص التكاليف، وتتلخص إستراتيجياتها في الآتي:
وعلى الرغم من أن هذا "التضخم الرقمي" يضغط بقوة على هوامش ربح الشركات المصنعة وميزانيات الأفراد، إلا أن تأثيره المباشر على مؤشر أسعار المستهلك الإجمالي في الاقتصاد الكلي سيبقى محدودا أي في حدود 0.1%، نظرا لأن الأجهزة الإلكترونية تمثل وزنا نسبيا صغيرا في سلة التضخم العامة مقارنة بالغذاء والطاقة والسكن. لكن الضغط الحقيقي يتركز في أسعار الإنتاج، وهوامش الشركات، وتأخير خطط التحديث التقني للمؤسسات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة