آخر الأخبار

الحروب السيبرانية.. القوة الناعمة التي تحولت إلى أنياب رقمية فتاكة

شارك

كانت الحروب في الماضي تقاس بعدد الدبابات والجنود العابرين للحدود، أما اليوم، فقد أصبحت أقوى الأسلحة فتكا هي "الصفر والواحد"، فالحروب السيبرانية لم تعد مجرد خيال علمي أو أفلام سينمائية، بل تحولت إلى واقع جيوسياسي يعيد صياغة مفهوم السيادة الوطنية.

إنها حرب بلا دخان، حيث يمكن لكود برمجي واحد أن يفعل ما لا تفعله غارة جوية، كإغراق قارة كاملة في الظلام مثلا.

من الرصاص إلى الأكواد

لم يعد الفضاء السيبراني مجرد وسيلة للتواصل، بل صنفه حلف شمال الأطلسي (الناتو) كساحة حرب خامسة إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء.

وتكمن خطورة هذه الحروب في ضبابية المصدر، فالمهاجم يمكنه الاختباء خلف خوادم بروكسي معقدة، مما يجعل من الصعب إثبات التهمة قانونيا على دولة معينة، وهذا ما يعرف في الاستراتيجية العسكرية بـ "الإنكار المعقول".

زلزال البنية التحتية

البنية التحتية الحرجة لأي دولة هي الجهاز العصبي الذي يبقيها على قيد الحياة، وفي الحروب الرقمية، يتم استهداف هذا الجهاز عبر 3 جبهات رئيسية:

1. الطاقة والمياه (أنظمة "سكادا")
تعتمد محطات توليد الكهرباء وتوزيع المياه على أنظمة تحكم صناعية رقمية. فعندما تشن دولة هجوما سيبرانيا، فإنها لا تهدف لسرقة البيانات، بل لتعطيل الميكانيكا الحيوية.

والهجوم على شبكة الكهرباء في أوكرانيا عام 2015 كان نموذجا حيا، حيث ترك مئات آلاف المواطنين في البرد القارص بعد تعطيل مراكز التحكم عن بعد، وبالتالي، فإن التلاعب الكيميائي في محطات تحلية المياه قد يحولها من مصدر للحياة إلى سلاح قتل جماعي صامت.

2. الشلل المالي والانهيار الاقتصادي
المال اليوم ليس ذهبا في الخزائن، بل هو بيانات على السحابة، والهجمات السيبرانية على الأنظمة المصرفية مثل "سويفت" (SWIFT) تهدف إلى زعزعة الثقة في العملة الوطنية.

فعندما يعجز المواطنون عن سحب أموالهم أو تتوقف التجارة الإلكترونية، ينهار الاقتصاد الداخلي أسرع مما تفعله العقوبات الدولية، مما يؤدي إلى فوضى اجتماعية قد تسقط حكومات بالكامل.

إعلان

3. المنظومة الصحية: الضحايا غير المرئيين
في عام 2017، تسبب فيروس "وانا كراي" (WannaCry) في شلل تام لهيئة الصحة الوطنية البريطانية. لم يكن الهدف سرقة ملفات، بل كان النتيجة المباشرة هي إلغاء عمليات جراحية وتوقف أجهزة العناية المركزة. وهنا تتحول الحرب السيبرانية من صراع سياسي إلى جريمة ضد الإنسانية، حيث يقاس الضرر بالأرواح البشرية.

مصدر الصورة لم يعد الدفاع السيبراني مجرد خيار تقني، بل ركيزة أساسية في استراتيجيات الأمن القومي الحديثة (غيتي)

الإنترنت.. من جسر للتواصل إلى حقول ألغام

تتأثر بنية الإنترنت العالمية بشكل مباشر بهذه النزاعات عبر ما يسمى "تجزئة الإنترنت" (Splinternet). حيث بدأت الدول العظمى مثل الصين وروسيا في بناء جدران نارية، وتطوير بروتوكولات إنترنت محلية تسمح لها بقطع الاتصال عن العالم الخارجي إذا اندلع نزاع.

وهذا التوجه يهدد وحدة الشبكة العالمية ويحولها إلى جزر معزولة، مما يقضي على مفهوم القرية الكونية ويجعل الإنترنت أداة للرقابة والقمع بدلا من الحرية.

ولا تقتصر الحرب السيبرانية على تخريب الأجهزة (Hard power)، بل تمتد لتخريب العقول (Soft power). فاستخدام "التزييف العميق" (Deepfakes) والذكاء الاصطناعي لإنتاج فيديوهات مضللة للقادة، أو شن حملات تضليل واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن يغير نتائج انتخابات أو يشعل فتيل حرب أهلية دون إطلاق رصاصة واحدة. وهنا يقول المراقبون إنها حرب على الحقيقة تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي للدول من الداخل.

الردع الرقمي.. ميزان القوى الجديد

أمام هذا التهديد، بدأت الدول في تبني استراتيجية الردع النشط، فلم يعد الدفاع كافيا، بل يجب أن يمتلك الطرف المدافع قدرات هجومية تجعل العدو يتردد قبل الهجوم.

ويبرز هنا مصطلح "الأنظمة السيبرانية الفيزيائية" (Cyber-Physical Systems)، حيث يتم الربط بين الهجوم الرقمي والرد العسكري التقليدي، مما ينذر بتصعيد قد يجر العالم إلى مواجهة شاملة.

يقول الخبراء إن الحروب السيبرانية هي الوجه المظلم للتقدم التكنولوجي، فبينما يتباهى العالم بسرعة الـ 5 جي والذكاء الاصطناعي، تظل الثغرات البرمجية هي مكمن الضعف الذي يهدد استقرار الدول، وحماية السيادة اليوم لم تعد تتطلب بناء أسوار إسمنتية، بل تتطلب بناء حصون رقمية وتدريب جيوش من المبرمجين، لأن الحرب القادمة قد تنتهي بلمسة زر قبل أن تدرك الجيوش التقليدية أنها قد بدأت.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار