قالت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة في المملكة المغربية، أمل الفلاح السغروشني، إن المغرب يمتلك القدرة على التحكم في معطياته الرقمية وفي تطبيقاته، مؤكدة أن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في تطوير مهارات وطنية متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يضمن التحكم في مختلف المستويات، سواء على الصعيد البياني أو التطبيقي أو النمذجي.
وأوضحت، في مقابلة مع الجزيرة نت على هامش قمة الويب بالدوحة، أن الذكاء الاصطناعي يعد مجالا قائما على التعاون والتشارك الدولي، وأنه لا يمكن لأي بلد أن يحقق سيادة رقمية بشكل منفرد، خاصة أن هذا المجال يتطلب موارد كبيرة، من قبيل قدرات الحوسبة العالية "جي بي يو" (GPU) ومراكز البيانات، وهو ما يفرض التعاون مع عدة دول.
وأكدت أن المغرب يسعى لإيجاد توازن دقيق بين الشراكة والتعاون مع الدول الأخرى، خصوصا على مستوى القارة الأفريقية والعالم العربي، إضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، وذلك بهدف الانفتاح على أحدث التطورات العالمية في هذا الميدان، دون التفريط في المصالح الوطنية.
وأوضحت الوزيرة المغربية أن بلادها تعمل على تحقيق توازن بين الانفتاح على العالم في هذا المجال، وبين تهيئة الطاقات المغربية لتكون واعية بمخاطر الذكاء الاصطناعي وقادرة على التعامل معه بشكل مسؤول وفعالا.
وفيما يتعلق ببناء القاعدة الوطنية للذكاء الاصطناعي، أكدت السغروشني أن المغرب أطلق منذ عام 2018 سلسلة من المبادرات، من بينها تنظيم أول لقاء أفريقي حول الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، بشراكة بين منظمة اليونسكو وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.
ومنذ ذلك التاريخ، تم إطلاق عدة مبادرات أخرى، من بينها تأسيس المعهد المغربي للذكاء الاصطناعي، المعروف باسم "إيه آي موفمنت (AI Movement)"، قبل توليها مهامها الوزارية، كما عمل المغرب على تعزيز حضوره الدولي بشكل لافت، خاصة من خلال العمل المشترك مع منظمة اليونسكو في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
وكشفت الوزيرة أن المغرب يستهدف تكوين نحو 100 ألف شابة وشاب سنويا في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، عبر عدة برامج تشرف عليها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
وحول قدرة السوق المغربية على استيعاب هذا العدد من الكفاءات، أكدت السغروشني أن الطلب يفوق العرض، وأن العالم يعيش اليوم ما وصفته بـ"معركة المهارات" على المستوى العالمي، وأن الكفاءات المغربية لا يتم استيعابها فقط داخل الشركات الوطنية، بل تحظى بإقبال واسع على المستوى الدولي.
وأشارت إلى أن قطاع ترحيل الخدمات يُعد من القطاعات النشيطة جدا في المغرب، حيث تنشط أكثر من 1200 شركة عالمية يعمل بها مهندسون مغاربة داخل البلاد في مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة، وأغادير، لافتة إلى أن صادرات المغرب الرقمية في عام 2024 تجاوزت 24 مليار دولارٍ.
وشددت الوزيرة على أن الاقتصاد الرقمي المغربي يحتاج إلى هذه المهارات لتشغيلها سواء في إطار ترحيل الخدمات، أو داخل الشركات الوطنية، أو في الجامعات ومراكز البحث المغربية.
في الوقت نفسه، أكدت السغروشني أن المغرب واعٍ تماما بمسألة الهوية الثقافية واللغوية، سواء الهوية المغربية أو العربية أو الأمازيغية، مشيرة إلى أن من بين أولويات العمل تطوير تطبيقات تعتمد على اللغة العربية، وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي على اللغتين العربية والأمازيغية، بالاعتماد على معطيات محلية ومهيكلة.
ويعمل المغرب في هذا الإطار بشراكات مع فاعلين دوليين، من بينهم شركاء أوروبيون، لتطوير نماذج لغوية كبيرة قابلة للتطبيق على الخصوصيات اللغوية والثقافية المحلية.
كما يتميز المغرب بثقافة راسخة في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، باعتباره بلدا عربيا إسلاميا له منظومة قيم واضحة، ما ينعكس على مقاربة تطوير التطبيقات الذكية، بحيث تكون منسجمة مع الأخلاق المجتمعية حسب السغروشني.
وتوضح الوزيرة المغربية أنه تم إطلاق برامج خاصة لتوعية الشباب بمخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج تعليمية تستهدف الفئة العمرية ما بين 8 و18 سنة، مشيرة إلى أن أكثر من 200 ألف شاب وشابة يشاركون في هذه المبادرات، بهدف تعزيز الوعي بالاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا.
ولا ينظر المغرب إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرا، بل محفزا للذكاء البشري ومحركا للنمو الاقتصادي، مع الإقرار بوجود مخاطر محتملة تتعلق بحماية المعطيات وسوء الاستخدام، وهو ما يستدعي الوعي والتكوين المستمر.
كما أبرزت السغروشني تميز الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقليص الفوارق بما يمثل فرصة حقيقية، خاصة من خلال التطبيقات الصوتية التي تتيح التفاعل مع الخدمات دون الحاجة إلى القراءة أو الكتابة، وهو ما يسهم في تقريب الخدمات الإدارية والتعليمية والصحية من الفئات الهشة.
ويمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي أيضا، وفق السغروشني، في تطوير قطاع الصحة، وتقريب التعليم من المناطق المعزولة، وتحديث القطاع الفلاحي، بما ينعكس إيجابا على التنمية الشاملة.
وكشفت السغروشني عن إنشاء المغرب شبكة من مراكز التميز في مجال الذكاء الاصطناعي تغطي نحو 12 جهة خدمية، حيث يتم تطوير حلول مبتكرة تنطلق من خصوصيات كل منطقة، معلنة عن تنظيم أول "هاكاثون" وطني موجه للمناطق الجبلية والقروية خلال رمضان المقبل، بمشاركة أكثر من 60 فريقا ميدانيا.
ومنح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) المغرب صلاحية إنشاء كيان للتعاون في مجالي الذكاء الاصطناعي والبيانات، ما يعزز مكانة المملكة كفاعل إقليمي بين أفريقيا والعالم العربي ودول الخليج.
ويطمح المغرب إلى أن يكون جزءا مما وصفته المسؤولة المغربية بـ"القطب الثالث للذكاء الاصطناعي"، إلى جانب الولايات المتحدة والصين، من خلال نموذج بديل قائم على الأخلاقيات والبعد الإنساني.
وتشير إلى أن مشاركة المغرب في قمم التكنولوجيا العالمية، وعلى رأسها قمة الويب بالدوحة تهدف إلى تعزيز التعاون مع دول الخليج ودول المنطقة، وتبادل الخبرات والكفاءات، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب والمقاولات الناشئة.
كما دعت الوزيرة إلى المشاركة في معرض "جيتكس أفريقيا" المزمع تنظيمه في مدينة مراكش خلال الفترة من 7 إلى 9 أبريل/نيسان، مشيرة إلى أن النسخة السابقة استقطبت أكثر من 50 ألف زائر، وشكلت منصة مهمة لاستعراض تطور الرقمنة في المغرب والعالم العربي الأفريقي.
وخلصت السغروشني إلى أن التحول الرقمي في المغرب يستند إلى رؤية ملكية منفتحة على الابتكار والتكنولوجيا، معتبرة أن الاستثمار في العنصر البشري يظل الأساس الحقيقي لأي تطور اقتصادي وتنموي مستدام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة