أرق 10 آلاف مرة من الشعرة.. أغشية "حية" تولد الكهرباء الرخيصة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

حينما تلتقي مياه الأنهار العذبة بمياه البحار المالحة، يحدث اختلاف تركيز الأملاح بين ماء النهر والبحر؛ فهذا التباين يختزن طاقة كيميائية هائلة يمكن تحويلها إلى تيار كهربائي، فيما يعرف باسم تقنية "الطاقة الزرقاء".

ورغم جاذبية هذه الفكرة وموثوقيتها كمصدر مستدام للطاقة النظيفة، إلا أن تحويلها إلى واقع عملي واسع النطاق قد واجه عقبات هندسية مزمنة.

لكن دراسة حديثة منشورة في دورية "نيتشر إنيرجي" (Nature Energy)، كشفت عن اختراق علمي بارز حققه فريق بحثي من المعهد التقني الفدرالي السويسري في لوزان، حيث نجح الفريق في ابتكار غشاء هجين يحل المشكلة الأساسية في حصاد هذه الطاقة.

يقول الباحث في قسم الكيمياء بجامعة فرجينيا كومنولث الأمريكية أحمد قاسم -وهو غير مشارك في الدراسة- في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "يمكن تشبيه تقنية الطاقة الزرقاء ببطارية ذاتية الشحن تُغذي نفسها باستمرار كلما التقت مياه النهر بمياه البحر، حيث يتم تحويل الطاقة الناتجة عن اختلاط الخصائص الكيميائية المختلفة للمياه مباشرة إلى كهرباء".

مصدر الصورة حينما تلتقي مياه الأنهار العذبة بمياه البحار المالحة، يحدث اختلاف تركيز الأملاح بين ماء النهر والبحر (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

قنوات الطاقة

تعتمد التقنية في جوهرها على عملية تصفية وفرز دقيقة، حيث يوضع غشاء فاصل بين خزان للمياه المالحة وآخر للمياه العذبة. يحتوي هذا الغشاء على ثقوب متناهية الصغر تسمح بمرور ذرات الملح المشحونة بالكهرباء الطبيعية، والتي تعرف علميا باسم الأيونات.

ولأن الطبيعة تميل دائما إلى الوصول إلى حالة من التوازن، تندفع هذه الجسيمات المشحونة بقوة من الجانب المالح ذي التركيز العالي إلى الجانب العذب. حركة هذه الذرات المشحونة وتدفقها المستمر عبر الغشاء هو ما يشكل التيار الكهربائي الذي يمكن التقاطه والاستفادة منه.

إعلان

لطالما كانت العقبة التاريخية الكبرى أمام هذه التكنولوجيا في طبيعة القنوات النانوية داخل الغشاء الفاصل. في الماضي، استخدمت مواد صلبة مثل البوليمرات لصنع هذه الثقوب. ورغم التطور، ظلت الجدران الداخلية لهذه القنوات خشنة ومفتقرة إلى كفاءة توجيه ذرات الملح المشحونة.

يمكن تشبيه هذا الأمر بطريق ضيق ذي أرضية غير ممهدة، حيث يبطئ حركة السيارات ويفقدها سرعتها بسبب الاحتكاك المتواصل مع المطبات. هكذا فقدت الجسيمات جزءا كبيرا من طاقتها أثناء محاولتها العبور عبر هذه القنوات الخشنة غير الممهدة، مما يقلل من كفاءة توليد الكهرباء بشكل حاد.

لتجاوز هذا التحدي، ابتكر الباحثون نظاما مبتكرا يجمع بين الدقة المتناهية لصناعة أشباه الموصلات ونعومة المواد البيولوجية. بدأ الفريق باستخدام تقنيات الحفر والترسيب الذري الخاصة بصناعة رقائق الكمبيوتر لنحت قنوات متناهية الصغر ذات شكل هندسي مخروطي متدرج، لتعمل كقمع بالغ الدقة يوجه السوائل بسلاسة نحو الفتحة الأضيق.

ثم جاء الابتكار الأهم، وهو تبطين الجدران الداخلية الخشنة لهذه القنوات بغشاء زيتي رقيق جدا يشبه الأغشية المغلفة للخلايا الحية في أجسادنا. هذه المادة الهجينة تجمع بين انسيابية السوائل وتماسك الأجسام الصلبة. ومن خلال خلط أنواع معينة من هذه المواد الزيتية، بعضها مشحون والآخر متعادل، تمكن الباحثون من التحكم بدقة غير مسبوقة في مقدار الشحنة الكهربائية للسطح الداخلي للقناة وزيادتها.

يقول قاسم: "يتكون الغشاء الهجين من طبقة مزدوجة من جزيئات دهنية مستوحاة من خلايا الجسم، لا يتجاوز سُمكها بضع نانومترات، وهو ما يجعلها أرق بنحو 10 آلاف مرة من شعرة الإنسان".

الانزلاق المائي

بفضل هذه الشحنة العالية، تجذب الجدران جزيئات الماء بقوة وتحتجزها لتشكل طبقة مائية رقيقة جدا ومستقرة، في ظاهرة علمية تعرف بالانزلاق المائي، مما يحول الطريق الخشن إلى مسار زلق وممهد بالكامل، فتقل قوى الاحتكاك إلى أدنى مستوى ممكن، ويسمح لذرات الملح المشحونة بالانزلاق والمرور بسلاسة وسرعة دون هدر طاقة.

يشرح قاسم: "على عكس المواد الصلبة التي يزداد احتكاكها بزيادة شحنتها، فإن الأغشية الدهنية المبتكرة تكسر هذه القاعدة؛ فكلما زادت كثافة الشحنة، زادت قدرتها على حبس طبقة مائية تعمل كمادة تشحيم فائقة الانزلاق، مما يقلل المقاومة لأدنى مستوياتها".

أظهرت التجارب المعملية والنماذج الرياضية أن التعاون بين الشحنة الكهربائية العالية التي تجذب ذرات الملح، والسطح الزلق الذي يسهل مرورها، يؤدي إلى مضاعفة كمية الكهرباء المولدة. ولإثبات الفكرة، صمم الباحثون غشاء مجهريا يحتوي على ألف ثقب نانوي بهذه المواصفات.

وعند محاكاة ظروف التقاء مياه النهر بمياه البحر، حقق النظام أداء استثنائيا بلغت فيه كثافة الطاقة القصوى قرابة 51 كيلوواطا لكل متر مربع. هذه الطاقة كافية لتشغيل عشرات المصابيح المنزلية القوية باستخدام مساحة صغيرة جدا، وهو أداء يتجاوز الأغشية التقليدية الحالية بمراحل كبيرة على المستوى المختبري. وبحسب قاسم، فإذا تم تغطية كيلومتر مربع واحد بهذه الأغشية – بغض النظر عن التحديات الهندسية العملية -، فمن الممكن توليد نحو 18.5 ميغاواطا من الطاقة، وهو ما يكفي لتزويد آلاف المنازل بالطاقة.

إعلان

لكن يبقى التحدي الهندسي الأكبر أمام الباحثين هو القدرة على تصنيع هذه الأغشية بمساحات عملاقة وتكلفة اقتصادية، لتصبح قادرة على توفير مصدر طاقة أساسي للمناطق الساحلية ودعم شبكات الكهرباء الوطنية بشكل فعلي ومؤثر.

هناك عشرات التطبيقات المنتظرة لهذا الإنجاز؛ إذ يظل أبرزها على صعيد الأمن المائي وتوفير المياه العذبة، حيث يمكن استخدام المبدأ ذاته لتصميم فلاتر متطورة تعمل بشكل أسرع وتستهلك طاقة أقل بكثير في محطات تحلية مياه البحر ومعالجة المياه الشديدة الملوحة.

يختتم قاسم: "ما يميز الطاقة الزرقاء عن الرياح والشمس حقا هو كونها مصدرا مستمرا يمكن التنبؤ به بدقة، فهي تعمل ليلا ونهارا بغض النظر عن الأحوال الجوية، مما يجعلها شريكا مثاليا في مزيج الطاقة المستدامة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار