كنز الصحراء الكبرى المائي.. قصة مليون كيلومتر مربع تطعم الجزائر وليبيا وتونس

شارك

تحت الصحراء الكبرى، التي تبدو كأنها مساحة شاسعة من الرمال لا تنتهي أبدا، تختبئ واحدة من أعظم الثروات المائية في شمال أفريقيا، وهي نظام الخزان الجوفي للصحراء الشمالية، المتمثل في شبكة ضخمة من المياه الجوفية القديمة تمتد تحت أجزاء واسعة من الجزائر وليبيا وتونس، وتغذي الواحات والمدن والزراعة الصحراوية.

في أبريل/نيسان 2026، أعاد "إعلان طرابلس" بين ليبيا والجزائر وتونس هذا الخزان إلى واجهة النقاش، بعدما أكدت الدول الثلاث الحاجة إلى إدارة مشتركة ومنصفة ومستدامة لمخزون مائي عابر للحدود.

يتكون نظام الخزان الجوفي للصحراء الشمالية من طبقتين رئيستين، الأولى هي "القاري المتداخل"، وهي الطبقة الأعمق والأقدم، وتعود تكويناتها في جانب كبير منها إلى رواسب قارية رملية وطينية.

أما الطبقة الثانية فهي أقرب نسبيًا إلى السطح، وتتكون من مستويات جيولوجية متعددة تشمل رمالا وحجرا جيريا و"دولوميت" في بعض المناطق، نحن إذن أمام نظام هيدروجيولوجي معقد، تختلف أعماقه وملوحته وضغطه واتجاهات تدفقه من منطقة إلى أخرى.

وتشير تقارير المرصد الصحراوي والساحلي إلى أن مساحة النظام تتجاوز مليون كيلومتر مربع، وأنه من أكبر النظم الجوفية العابرة للحدود في شمال أفريقيا، لكن ضخامة المخزون لا تعني سهولة استغلاله، فجزء كبير من هذه المياه يُصنف باعتباره "مياها أحفورية"، أي مياها تسربت إلى باطن الأرض خلال فترات مناخية أقدم وأكثر رطوبة من مناخ الصحراء الحالي.

وبخلاف مياه الأنهار أو البحيرات التي تتجدد سنويًا بالأمطار، فإن تجدد هذه المياه محدود جدًا قياسا إلى حجم السحب البشري منها.

مصدر الصورة موقع طبقتي الخزان الجوفي للصحراء الشمالية الضخم (يونيسيف-مولدة عبر الذكاء الاصطناعي)

كيف تغيرت العلاقة مع الماء؟

طوال قرون، عاشت الواحات الصحراوية على توازن دقيق بين الإنسان والماء. كانت أنظمة الري التقليدية تخرج كميات محدودة نسبيًا تتوافق مع قدرة البيئة المحلية، لكن القرن العشرين، خصوصًا النصف الثاني منه، غير هذه المعادلة، فقد سمحت تقنيات الحفر العميق والمضخات الحديثة باستخراج كميات متزايدة من المياه، وبدأت الزراعة الصحراوية تتوسع، وظهرت مشروعات عمرانية وصناعية وسياحية تعتمد على الخزان نفسه.

إعلان

وفق تقارير ودراسات إدارة الخزان، ارتفع الضخ من نحو 0.6 مليار متر مكعب سنويا في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو 2.5 مليار متر مكعب سنويا بعد ذلك بعقود.

هذه القفزة لا تعكس فقط تطور القدرة التقنية على الوصول إلى الماء، بل تكشف أيضا تزايد الاعتماد البنيوي عليه، فالخزان لم يعد موردا محليًا للواحات فحسب، بل صار عنصرا في الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية الزراعية، وتزويد المدن، وحتى الصناعات المرتبطة بالطاقة.

لكن الاعتماد المتزايد على مورد بطيء التجدد يخلق دينا بيئيا مؤجلا، فالمنطقة قد تبدو اليوم قادرة على إنتاج محاصيل وتوسيع مزارع ومدن جديدة، غير أن كلفة ذلك قد تظهر لاحقا في صورة انخفاض مناسيب المياه، وارتفاع كلفة الضخ، وتدهور نوعية المياه، واشتداد المنافسة بين المستخدمين.

توضح نماذج المرصد الصحراوي والساحلي (أو إس إس) أن استمرار الضخ بمعدلات مرتفعة قد يؤدي إلى سلسلة مترابطة من المخاطر، أولها انخفاض الضغط الجوفي وفقدان التدفق الارتوازي، أي أن المياه التي كانت تصعد طبيعيا أو بجهد محدود ستحتاج إلى ضخ أعمق وأكثر كلفة.

أما الخطر الثاني فهو التملح، فعندما ينخفض منسوب المياه العذبة أو شبه العذبة، يمكن أن تتحرك مياه أكثر ملوحة داخل النظام، أو تزداد تراكيز الأملاح بفعل الري والتبخر. وتؤدي الملوحة إلى تراجع إنتاجية التربة والمحاصيل، وقد تجعل بعض الأراضي غير صالحة للزراعة.

أما الخطر الثالث فهو جفاف المخارج الطبيعية والواحات، فبعض المناطق، خصوصًا في جنوب تونس ومناطق الشطوط والمخارج الطبيعية، تعتمد على توازن حساس بين ضغط الخزان والتصريف السطحي أو شبه السطحي، وعندما ينخفض الضغط بسبب الضخ البعيد، قد تتأثر مناطق لا تقع بالضرورة داخل حدود الدولة التي زادت الضخ.

وهنا تظهر الطبيعة العابرة للحدود للمشكلة، فما يفعله طرف في منطقة ما قد يغير مصير الماء في منطقة أخرى، وهو ما تطلب التنسيق بين الدول الثلاث.

مصدر الصورة تعد الزراعة أكبر مستهلك لمياه الخزان (غيتي)

الزراعة هي المستفيد الأكبر والمأزق الأكبر

تعد الزراعة أكبر مستهلك لمياه الخزان، وقد أظهرت دراسة منشورة عام 2020 استخدمت نمذجة مكانية بنظام المعلومات الجغرافية أن احتياجات الري السنوية في كامل منطقة الخزان قد تصل إلى نحو 3.25 مليار متر مكعب، وأن بعض المناطق ذات الحرارة العالية والبخر الشديد تحتاج إلى أكثر من 14 ألف متر مكعب للهكتار سنويا.

تقترح الدراسة نفسها أن الانتقال إلى الري بالتنقيط يمكن أن يوفر ما يصل إلى 47% من السحب المائي، لكن هذه النتيجة تحمل تحذيرا مهما، فتحسين كفاءة الري لا يضمن وحده تقليل الاستهلاك الكلي إذا استخدمت المياه الموفرة في توسيع المساحات المزروعة، ويعرف خبراء المياه هذه الظاهرة باسم "أثر الارتداد"، حيث تؤدي التقنية الأكثر كفاءة إلى زيادة الاستخدام بدل خفضه، إذا غابت القيود والتنظيم. لذلك، فإن الحل ليس في التكنولوجيا وحدها، بل في الحوكمة، والإدارة المستنيرة لهذه العمليات برمتها.

وفي هذا السياق، تبدو الطاقة الشمسية حلًا مثاليا في الصحراء، فشمس وفيرة، والمساحات واسعة، وهناك حاجة متزايدة إلى كهرباء رخيصة لتشغيل المضخات، لكن دراسات ترابط الماء والطاقة والغذاء في نظام الخزان تحذر من مفارقة خطيرة، فحين تصبح الطاقة أرخص، يصبح الضخ أرخص، وقد يميل المزارعون إلى استخراج مزيد من المياه. أي أن الطاقة النظيفة قد تؤدي، من دون تنظيم، إلى استنزاف مائي غير نظيف بيئيًا.

إعلان طرابلس

من هذا المنطلق جاء إعلان طرابلس، فلأن الخزان عابر للحدود، لا تستطيع أي دولة أن تديره وحدها. الجزائر تمتلك الحصة الجغرافية الأكبر من النظام، وليبيا تعتمد بشدة على المياه الجوفية في ظل ندرة الموارد السطحية، وتونس أكثر تعرضًا لضغوط الندرة المائية والمساحات المحدودة.

إعلان

من هنا تأتي أهمية آليات التشاور التي بدأت منذ مطلع الألفية، ثم تجددت سياسيًا في إعلان طرابلس عام 2026. فقد أكد الإعلان أهمية التنسيق وتبادل البيانات والإدارة المنصفة والمستدامة لمورد غير متجدد.

وهذه النقطة جوهرية لأن أخطر ما يهدد الخزانات العابرة للحدود ليس الندرة وحدها، بل غياب الثقة، فإذا حجبت كل دولة بياناتها، أو ضخّت وفق احتياجاتها الآنية فقط، يصبح الخزان ساحة تنافس صامتة. أما إذا توفرت قاعدة بيانات مشتركة ونموذج هيدروجيولوجي متفق عليه، فيمكن تحويل الماء من مصدر توتر إلى منصة تعاون.

وتحتاج الإدارة المستدامة للخزان إلى أربع خطوات متكاملة:


* القياس المستمر: عبر فحص عدد الآبار، وكميات الضخ، ومناسيب المياه، والملوحة، ونوعية المياه.
* تقاسم البيانات بشفافية بين الدول الثلاث: لأن أي نموذج وطني منفرد سيظل ناقصًا في نظام عابر للحدود.
* إدارة الطلب: خصوصا في الزراعة، عبر تحسين الري، وتعديل أنماط المحاصيل، والحد من التوسع غير المحسوب.
* إدخال البعد البيئي والاجتماعي في القرارات: بحيث لا تُضحى الواحات والمجتمعات الهشة باسم إنتاج زراعي قصير الأجل.

في النهاية، يبقى أن أي مورد يمكن أن ينتهي يوما ما، لكن إدارة مشتركة مستنيرة يمكن أن تطيل أمده، لأجيال مستقبلية عديدة، لتنهل من خيره، وتعيش في سلام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار