في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشف تلسكوب هابل الفضائي عن صورة جديدة مدهشة للسديم الثلاثي (Trifid Nebula)، تظهر تغيرات حقيقية في منطقة ولادة نجوم تبعد نحو 5000 سنة ضوئية عن الأرض، بعد مرور ما يقارب 3 عقود على أول تصوير لها عام 1997.
هذه المقارنة النادرة بين صورتين تفصل بينهما سنوات طويلة تتيح للعلماء رؤية "حركة" الكون على مقياس زمني يمكن للإنسان إدراكه.
يقع السديم الثلاثي ذو الرمز الفلكي "مسييه 20" (Messier 20) في برج القوس/الرامي، ويُعد واحدا من أشهر "حضانات النجوم" في مجرتنا. فهذا السديم ليس مجرد سحابة جميلة من الغاز والغبار، بل هو ورشة كونية نشطة تتشكل فيها نجوم جديدة باستمرار.
وتبدو الصورة الجديدة وكأنها مشهد بحري غريب، حيث تمتزج سحب بنية وبرتقالية مع خلفية زرقاء داكنة، وتظهر تشكيلات تشبه "القرون" والتموجات، نتيجة التفاعلات العنيفة بين النجوم الفتية والبيئة المحيطة بها.
ولم يكن الهدف من التصوير جماليا فقط، بل علميا بالدرجة الأولى، فقد التقط هابل أول صورة لهذا المشهد عام 1997 باستخدام كاميرا قديمة، ثم عاد اليوم بكاميرا أكثر تطورا هي "الكاميرا ذات المجال الواسع الثالثة" (Wide Field Camera 3)، ليقارن بين الماضي والحاضر، وكانت النتيجة مذهلة، فلم يعد السديم كما كان، لقد تغير بالفعل.
أحد أبرز الاكتشافات في الصورة الجديدة هو رصد نفثة من الغاز عالي الطاقة تنطلق من نجم حديث الولادة داخل السديم. وتعرف هذه الظاهرة ضمن ما يسمى أجسام "هيربيغ-هارو"، وهي مناطق لامعة تتشكل عندما تقذف النجوم الفتية مواد بسرعة هائلة إلى الفضاء.
لا تعيش النجوم الضخمة داخل السديم في حالة هدوء، بل تنبعث منها تدفقات من الجسيمات المشحونة عالية الطاقة إضافة إلى إشعاع فوق بنفسجي شديد القوة، وهذا الإشعاع يؤدي إلى نزع الإلكترونات من ذرات الغاز المحيط بها فيجعله يتوهج.
ويعمل أيضا على دفع الغبار الكوني بعيدا مكوّنا مناطق أكثر صفاء تظهر باللون الأزرق، وفي الوقت نفسه يعيد تشكيل السحب الغازية عبر نحتها وصياغة أشكال معقدة داخل بنية السديم، بينما تبقى المناطق الداكنة كثيفة بالغبار بحيث تحجب الضوء تماما وتخفي داخلها نجوما ما تزال في مراحل التكوّن الأولى.
تعد هذه المشاهدات مهمة للغاية لأنها تؤكد أن الكون ليس ثابتا بل في حالة تغير مستمر حتى على مقاييس زمنية يمكن للإنسان ملاحظتها، كما تُظهر أن النجوم الفتية تمتلك تأثيرا قويا ومباشرا على البيئة المحيطة بها من خلال إعادة تشكيل الغاز والغبار الكوني.
ولا تسمح هذه البيانات للعلماء بنمذجة تطور النجوم نظريا فحسب، بل برصد هذا التطور فعليا عبر الزمن، الأمر الذي يفتح نافذة أعمق لفهم كيفية تشكل النجوم والكواكب وربما إعادة بناء تاريخ نشأة أنظمة مثل نظامنا الشمسي عبر مليارات السنين.
رغم أن هذه التفاصيل الدقيقة تحتاج إلى تلسكوبات فضائية، إلا أنه يمكن للهواة رصد السديم الثلاثي إذا توافرت لديهم تلسكوبات متوسطة الحجم، وسماء مظلمة بعيدا عن التلوث الضوئي، وليالي صيفية يكون فيها برج القوس واضحا.
كما يمكن تصويره باستخدام تقنيات التصوير الفلكي، حيث يظهر بألوانه المميزة (الأحمر والأزرق).
حين ننظر إلى هذه الصورة، فنحن لا نرى مجرد سحابة جميلة، بل نشهد قصة مستمرة.. نجوم تولد ثم تنفجر لتعيد تشكيل الفضاء من حولها. فالكون ليس لوحة جامدة، بل كائن حي يتغير ويتنفس على امتداد الزمن.
ولعل أعظم ما في هذا كله، أن الإنسان -رغم صغره- استطاع أن يلتقط هذه اللحظات، وأن يقارن بين الأمس واليوم في عمق يبعد آلاف السنين الضوئية.
وحين ترفع بصرك إلى السماء، فإنك لا تنظر فقط إلى نجوم بعيدة، بل إلى تاريخ حيّ، وإلى آيات كونية تدعوك للتأمل والتفكر في عظمة هذا الوجود، وفي ذلك النظام الدقيق الذي يربط بين ذرة على الأرض وسديم في أقاصي المجرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة