آخر الأخبار

الملاريا رسمت خريطة انتشار البشر في أفريقيا قبل 74 ألف عام

شارك

لم يكن المناخ وحده هو العامل الذي رسم مسارات البشر الأوائل في أفريقيا، بل ربما لعبت الأمراض دورا خفيا لكنه حاسم في تحديد أين عاشوا وكيف انتشروا.

هذا ما تكشفه دراسة جديدة نشرت يوم 22 أبريل/نيسان في مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances)، حيث توصل الباحثون إلى أن الملاريا، أحد أخطر الأمراض المعدية في العالم، لم تكن مجرد مرض، بل قوة بيئية أثرت في توزيع البشر عبر القارة الأفريقية على مدار نحو 74 ألف عام.

مصدر الصورة اعتمد الباحثون على معلومات عن المناخ القديم، وانتشار البعوض الناقل للملاريا،. (شترستوك)

مرض يحدد المسارات

اعتمد الباحثون على نموذج علمي يجمع بين عدة مصادر من البيانات: معلومات عن المناخ القديم، وانتشار البعوض الناقل للملاريا، وسجلات أثرية توضح أماكن وجود البشر الأوائل. ومن خلال دمج هذه البيانات، تمكنوا من إعادة رسم خريطة تقريبية لمناطق انتشار المرض عبر الزمن، ثم قارنوها بالمواقع التي عاش فيها البشر.

تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، مارغريتا كولوتشي، باحثة ما بعد الدكتوراه ضمن مجموعة أبحاث التطور الأفريقية في معهد ماكس بلانك للجيوأنثروبولوجيا: "النتيجة كانت لافتة، فالبشر لم ينتشروا عشوائيا، بل مالوا إلى تجنب المناطق التي ترتفع فيها احتمالات الإصابة بالملاريا. فالمناطق الأكثر ملاءمة للعيش كانت في الغالب تلك التي يقل فيها خطر المرض، في حين ظلت المناطق عالية الخطورة أقل جذبا للاستيطان البشري".

وتوضح كولوتشي في تصريحات للجزيرة نت أن الإنسان لم يكن يبحث فقط عن الماء والغذاء، بل كان -دون أن يدرك- يبتعد أيضًا عن أماكن الخطر الصحي؛ مشيرة إلى أن الملاريا لم تؤثر فقط على أماكن السكن، بل لعبت دورا في فصل المجموعات البشرية عن بعضها بعضا.

وتضيف: "ففي بعض المناطق، أدى انتشار المرض إلى خلق ما يشبه حواجز غير مرئية، جعلت التواصل بين المجموعات البشرية أكثر صعوبة؛ ومع مرور الوقت، عاشت هذه المجموعات في عزلة نسبية، وهو ما قد يكون أسهم في ظهور التنوع الجيني بين الشعوب".

إعلان

ولم تكن هذه الحواجز ثابتة، بل تغيرت مع تغير المناخ، ففي فترات معينة، تراجعت مخاطر المرض، ما سمح بفتح ممرات جديدة للهجرة، بينما في فترات أخرى، عادت هذه المناطق لتصبح غير صالحة للاستيطان، فأغلقت تلك الممرات.

مصدر الصورة تدعم هذه النتيجة أدلة جينية معروفة (شترستوك)

الملاريا أقدم مما كنا نظن

تشدد كولوتشي على أن أحد أهم نتائج الدراسة أن الملاريا كانت منتشرة بقوة قبل ظهور الزراعة بآلاف السنين، وتحديدا قبل نحو 13 ألف عام. وهذا يتحدى فكرة شائعة تقول إن الأمراض المعدية ارتبطت أساسا بظهور المجتمعات الزراعية المستقرة. فالدراسة تشير إلى أن المرض كان بالفعل عاملا مؤثرا حتى في مجتمعات الصيد وجمع الثمار، التي كانت تتحرك باستمرار.

كما تدعم هذه النتيجة أدلة جينية معروفة، مثل ظهور طفرات وراثية توفر مقاومة جزئية للملاريا -مثل فقر الدم المنجلي- في فترات مبكرة من تاريخ الإنسان، ما يدل على أن البشر كانوا يتعرضون لضغط مستمر من هذا المرض منذ زمن بعيد.

وتظهر الدراسة أيضا أن العلاقة بين الإنسان وبيئته كانت أكثر تعقيدا مما كان يُعتقد؛ فحركة البشر لم تكن مدفوعة فقط بعوامل واضحة مثل المناخ أو توفر الموارد، بل أيضا بعوامل خفية مثل انتشار الأمراض.

وعلى مدى آلاف السنين، ظل انتشار البشر محدودا في مناطق أقل خطورة صحيا، قبل أن يبدأ تدريجيا في التوسع نحو مناطق أكثر عرضة للملاريا، خاصة في غرب أفريقيا. ويرجح الباحثون أن هذا التوسع أصبح ممكنا مع تطور قدرات لدى البشر تساعدهم على مقاومة المرض.

وتقترح الدراسة إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها تاريخ الإنسان، فالأمر لا يتعلق فقط بصراع مع الطبيعة أو التكيف مع المناخ، بل يشمل أيضا مواجهة تهديدات غير مرئية، مثل الأمراض التي أثرت في مسارات الهجرة والاستيطان.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار