في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يصعب على البعض تصور الصخب الموجود داخل أصغر وحدة بناء في أجسادنا، وللمساعدة على ذلك، تخيل الخلية الحية بمثابة مدينة تصل النهار بالليل، تعج بالحركة والنشاط المستمر، حيث تعمل ملايين الجزيئات والبروتينات دون توقف لضمان استمرار الحياة.
في قلب هذه المدينة الدقيقة تتصدر الإنزيمات المشهد كعمالة ماهرة أو محركات جزيئية بالغة الدقة لتسريع التفاعلات الكيميائية التي تحول المواد الأولية إلى طاقة ومكونات أساسية مهمة لنمو الخلية وممارسة وظيفتها.
لعقود طويلة نظر العلماء إلى الإنزيمات كمحفزات كيميائية تقليدية تسرع التفاعلات فحسب دون أن تتغير في جوهرها. لكن دراسة حديثة كشفت عن سلوك فيزيائي للإنزيمات أشار إليه الباحثون باسم "شياطين ماكسويل"!
للتوضيح يقول شونسوكي إيتشي، الباحث في قسم الفيزياء بجامعة طوكيو باليابان، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "شيطان ماكسويل هو مفهوم كلاسيكي في الفيزياء، طُرح من خلال تجربة فكرية لماكسويل، لمناقشة غياب القدرة على عكس التفاعلات الكيميائية. ولا علاقة له بالشياطين الحقيقية أو أي كيانات خارقة للطبيعة".
في قوانين الحرارة والطاقة المعروفة، يعتبر الوصول إلى حالة التوازن الكيميائي التام بمثابة توقف للنشاط الخلوي، وهو ما يعني حرفيا موت الخلية. التوازن الكيميائي التام كالماء الراكد في بحيرة صغيرة، مياهها ساكنة لدرجة تنبئ بموت الأسماك داخلها. إذ تتطلب الحياة بقاء الأنظمة في حالة مستمرة من الحركة وانتشار المواد في أماكنها الصحيحة بدلا من تركها تختلط وتتوزع بشكل عشوائي. للحفاظ على هذه الحالة المليئة بالحيوية، تتجنب الخلايا الوصول إلى التوازن التام بكافة الطرق الممكنة.
يقول إيتشي: "الإنزيم عبارة عن بروتين يعمل كمحفز حيوي، يُسرّع التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة. في دراستنا، تشير الذاكرة إلى حالة فيزيائية، فبعد أن يحفز الإنزيم تفاعلا محددا، يدخل في حالة مُثارة تُعزز حركته. والجدير بالذكر أن الإنزيم لا يدخل في هذه الحالة المُثارة للتفاعل في الاتجاه العكسي (أي لا يعود من المادة الجديدة للمادة الأولية)".
اعتمد الباحثون على نماذج رياضية وحسابية دقيقة للكشف عن امتلاك الإنزيمات تلك الخاصية التي تشبه الذاكرة قصيرة الأمد. والذاكرة هنا لا تعني وعيا أو إدراكا بل حالة مادية مؤقتة يمر بها الإنزيم تتيح له تغيير سرعة حركته العشوائية بناء على التفاعل الكيميائي الذي قام بتحفيزه للتو. كالمطاط الذي بتدويره حول نفسه عشرات الدورات فينحني وينكمش، وعند تركه يعود بأقصى سرعة لوضعه الطبيعي.
يضيف إيتشي: "بهذه الطريقة، يستطيع الإنزيم تمييز التفاعل الذي حفّزه للتو. فكأنه يتذكر التفاعل فقط بمعنى أنه يبقى في حالة الحركة العالية هذه لفترة وجيزة قبل أن يعود إلى حالته الطبيعية".
في الحقيقة، يمنع الهروب السريع أو القفزة الحركية المفاجئة للإنزيم من البقاء بجوار المنتج الذي تشكل للتو، وبالتالي تمنعه من تحفيز التفاعل العكسي -أي تحويل المنتج المفيد والعودة مرة أخرى إلى مادة أولية غير مفيدة- وهو ما يضمن كفاءة تدفق العمليات الحيوية في اتجاه واحد.
من الأمثلة على هذا السلوك إنزيم اليورياز الذي يفكك مادة اليوريا، حيث أثبتت التجارب المختبرية السابقة ظهورا فعليا لهذا النوع من تسارع الحركة بعد إتمام الإنزيم تفاعلاته، وهو ما يتطابق بشكل لافت مع النماذج الحسابية التي طرحتها هذه الدراسة.
هذا السلوك الجزيئي الدقيق يعيد للأذهان تجربة ذهنية شهيرة في تاريخ الفيزياء تعرف باسم شيطان ماكسويل، والتي طرحها الفيزيائي البارز جيمس ماكسويل في القرن التاسع عشر. يصف هذا المفهوم كيانا افتراضيا يتحدى الفوضى الطبيعية عبر فرز الجزيئات.
إذ تخيل ماكسويل وجود آلية فرز تفصل الجزيئات السريعة إلى جهة والبطيئة إلى جهة أخرى، مما يقلل من العشوائية ويخلق حالة من النظام مستخدما المعلومات المتاحة لديه للقيام بهذا الفرز.
يقول إيتشي: "أجسامنا تستخدم عمليات لا حصر لها على المستوى الجزيئي مدفوعة بالإنزيمات. وتُظهر دراستنا أن حتى إنزيما واحدا يمكنه إظهار سلوك فرز مشابه لسلوك شيطان ماكسويل في التجربة الفكرية. مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أننا ما زلنا نستكشف النطاق الكامل لكيفية عمل هذه العمليات داخل البيئة الشاسعة والمعقدة للخلية الحية".
أي أن الإنزيمات في ضوء نتائج هذه الدراسة تفعل شيئا مشابها جدا لهذا المفهوم الفيزيائي. إذ يستخدم الإنزيم المعلومات المستمدة من تفاعله الحديث والمتمثلة في الحدث الفيزيائي بإنتاجه للتو مادة جديدة، فيترجم هذه المعلومة فورا إلى فعل مادي وهو حالة مادية سريعة الحركة.
هذه الذاكرة الحركية المؤقتة تتيح للإنزيم توجيه التفاعلات الكيميائية في اتجاه مفيد للخلية كأنها عملية فرز. وبذلك يعمل الإنزيم كشيطان ماكسويل جزيئي يستهلك جزءا من طاقة التفاعل ليحافظ على النظام الخلوي ولا ينحرف عن قوانين الديناميكا الحرارية، بل يدفع ثمن هذا النظام من خلال استهلاك طاقة كيميائية.
يضيف إيتشي: "كان يُعتقد تقليديا أن الطاقة الزائدة من التفاعلات الكيميائية الحيوية تتبدد في الغالب على شكل حرارة. لكن تشير دراستنا إلى استخدام جزء من هذه الطاقة للتأثير على توزيع الجزيئات باستخدام المعلومات. يُضيف هذا بُعدا جديدا لفهمنا لكيفية حفاظ الأنظمة البيولوجية على تنظيمها الداخلي. إنها إحدى الآليات العديدة التي تدعم حالة الحياة المعقدة".
رغم وصف الباحثين هذه الدراسة بالنظرية في المقام الأول، فإن التوافق المباشر بين نتائجها الرياضية والملاحظة التجريبية لإنزيمات موجودة في الطبيعة يفتح أبوابا واسعة لتطبيقات مستقبلية واعدة.
يختتم إيتشي: "بدون عمليات الفرز هذه على المستوى الجزيئي، سيكون من الصعب على النظام البيولوجي الحفاظ على درجة عالية من النظام اللازمة لوظائفه".
إن فهم هذه الآليات الدقيقة لن يقتصر فقط على كشف أسرار الحياة الخلوية، بل يمكن أن يمهد الطريق لابتكارات علمية مهمة. سيتمكن العلماء يوما ما من تصميم إنزيمات صناعية أو محركات نانوية دقيقة قادرة على تحويل الطاقة الكيميائية إلى حركة موجهة بكفاءة، وهو ما قد يساهم بمرور الوقت في تطوير مجالات الطب الموجه وصناعة الأدوية وتقنيات الطاقة المستدامة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة