في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أظهرت فحوص كيميائية جديدة أن رائحة المومياوات القديمة تحمل دلائل كيميائية حول كيفية تحنيط المصريين القدماء لموتاهم.
وقال الباحثون في جامعة بريستول، في دراستهم المنشورة في دورية جورنال أوف أركيولوجيكال ساينس (Journal of Archaeological Science)، إن الرائحة العفنة المميزة للبقايا المحنطة ليست مجرد نتيجة للشيخوخة أو التحلل، بل هي مزيج معقد من المواد المستخدمة في التحنيط، بالإضافة إلى الأقمشة والمواد المحفوظة التي كانت تُلف حول الجثة.
وتُظهر الآثار الكيميائية المتبقية، والتي تم تحليلها، كيف تطورت أساليب التحنيط التي كانت أكثر غموضا وتعقيدًا على مر السنين.
وفي هذا الصدد تقول إيمي باولين، باحثة معمل علم التراث في كلية الكيمياء والتكنولوجيا الكيميائية بجامعة لوبليانا في سلوفينيا، في تصريحاتها للجزيرة نت: "لطالما امتلكنا تاريخًا مكتوبًا، مثل كتابات فلاسفة ومؤرخين أمثال الفيلسوف الإغريقي هيرودوت، بالإضافة إلى نصوص مصرية قديمة تصف بعض خطوات عملية التحنيط، والتي بينت استخدامهم مجموعة واسعة من المواد بتركيبات وخصائص مختلفة على مدى آلاف السنين".
وتوضح الباحثة أن هذه الممارسات تطورت بشكل كبير تبعًا للفترة الزمنية والموقع الجغرافي والوضع الاجتماعي للمتوفى، فقد كان من الصعب تاريخيًا تحديد المواد المحددة المستخدمة في كل حقبة تاريخية بدقة.
وتضيف باولين: "يسرني أن أرى هذه النتيجة، فهي تعزز بقوة فكرة أن المركبات المتطايرة (التي تُنتج الرائحة المميزة للجثث المحنطة) يمكن أن تكون بمثابة مفتاح غير جراحي للكشف عن معلومات حول مواد التحنيط الأصلية ومسارات التحلل، وهي مفهوم استكشفناه ودافعنا عنه بقوة في دراستنا التي نشرناها في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية (Journal of the American Chemical Society) قبل حوالي عام، وهي تبحث في تأثيرات رائحة المومياوات ودورها في الكشف عن أسرار التحنيط".
وفقًا للبيان الصادر عن جامعة بريستول، فإنه وللتحقق من مصدر روائح المومياوات، فحص الباحثون الهواء المحيط بقطع صغيرة للغاية من المومياوات بحجم حبة الفلفل تقريبًا. يختلف هذا النهج عن التقنيات التقليدية التي غالبًا ما تتطلب إذابة العينات في مذيبات، مما قد يُلحق الضرر بالقطع الأثرية الدقيقة، إذ استخدم الباحثون في دراستهم هذه مزيجًا من الأدوات التحليلية المتقدمة، بما في ذلك الاستخلاص الدقيق للمواد الصلبة، والكروماتوغرافيا الغازية، وقياس الطيف الكتلي عالي الدقة.
وقد مكّنتهم هذه الأساليب من جمع الغازات داخل حاويات صغيرة محكمة الإغلاق، وفصل مكونات الرائحة المختلفة المعروفة باسم المركبات العضوية المتطايرة، ما أتاح دراسة 35 عينة من المراهم والضمادات من 19 مومياء. وتغطي هذه البقايا أكثر من 2000 عام من التاريخ المصري، بين عامي 3200 قبل الميلاد و395 ميلادي.
كما حدد العلماء، من خلال جميع العينات، 81 مركبًا عضويًا متطايرًا مختلفًا، تقدم أدلة حول المواد المستخدمة في التحنيط والفترات الزمنية التي تم فيها تحضير المومياوات، ثم قام الباحثون بتصنيف هذه المركبات إلى أربع فئات رئيسية مرتبطة بمكونات التحنيط المحددة وتأثيراتها.
وتقول باولين: "التركيب الكيميائي الذي نرصده عبارة عن خليط معقد يمكن تلخيصه في أربع فئات متميزة، تتعلق باستخدام المصريين القدماء مواد عطرية متنوعة لحفظ الجثة وحمايتها من التحلل البيولوجي، بما في ذلك راتنجات وزيوت الصنوبريات (مثل الصنوبر والأرز والعرعر)، وراتنجات الصمغ (مثل المر واللبان)، والدهون الحيوانية، والشموع".
من جانب آخر قالت الباحثة الرئيسية في مجال الكيمياء الجيولوجية العضوية بجامعة بريستول الدكتورة وانيو تشاو: "أظهرت نتائجنا أن الأنماط الكيميائية تختلف عبر الفترات التاريخية. فالمومياوات القديمة كانت ذات تركيبات أبسط تهيمن عليها الدهون والزيوت، بينما أظهرت المومياوات اللاحقة تركيبات أكثر تعقيدًا تتضمن راتنجات مستوردة وبيتومين. وكانت هذه المواد أكثر تكلفة وتتطلب تحضيرًا أكثر تخصصًا، مع تطور هذه الممارسة".
وتضيف: "تمثل هذه النتائج خطوة هامة نحو تحسين فهمنا للتاريخ المصري وطقوس التحنيط الرائعة، وقد كشف تحليلنا للروائح المرتبطة بهذه الطقوس عن رؤى جديدة حول كيفية تطور هذه الممارسة عبر العصور وازدياد تعقيدها".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة