أضافت دراسة يابانية وسيلة جديدة لمراقبة جودة مياه الصابورة تعتمد على الأقمار الصناعية التي يمكن أن تتحول إلى ما يشبه "ميكروسكوب فضائي" يقوم بتلك المهمة بكفاءة تقارب الميكروسكوبات الأرضية.
ومياه الصابورة هي تلك التي تأخذها السفن على متنها حتى تمنحها توازنا، وبدونها قد تميل أو تنقلب، لكنها لا تحتفظ بها طوال الرحلة، فمع تغير وزن السفينة عند تحميل أو تفريغ البضائع، تصبح بعض المياه القديمة غير مناسبة للحفاظ على التوازن، كما أنها قد تحتوي على كائنات بحرية صغيرة (عوالق أو يرقات) قد تصبح غريبة على البيئة الجديدة وتسبب اختلال التوازن البيئي، لذلك يتم التخلص من المياه القديمة في عرض البحر بعيدا عن الساحل واستبدالها بمياه بحرية جديدة.
ووفقا لمعايير المنظمة الدولية للملاحة البحرية، يجب أن تتم عملية التخلص من المياه القديمة واستبدالها بالجديدة على مسافة تبعد عن الساحل الذي تقصده السفينة بأكثر من 200 ميل بحري (نحو 370 كيلومتراً)، كما لا تعني هذه المسافة إهمال اشتراطات جودة هذه المياه، إذ يجب ألا يزيد الحد الأقصى لكثافة العوالق بها عن 10 خلايا لكل ملليلتر.
وتتم مراقبة جودة تلك المياه على متن السفينة باستخدام أدوات مثل "ميكروسكوب ضوئي"، كما تحتفظ السفن بسجلات دقيقة لكل عملية تبادل لمياه الصابورة، ويتم تفتيشها أحيانا من قبل سلطات الموانئ للتحقق من الالتزام باللوائح.
ولتسهيل عملية مراقبة جودة تلك المياه، أضافت الدراسة المنشورة بدورية "أدفانسز إن سبيس ريسيرش" (Advances in Space Research)، التي أجراها باحثون من كلية العلوم البحرية بجامعة كوبي اليابانية، وسيلة جديدة تعتمد على الأقمار الصناعية، وتم اختبار كفاءتها من خلال تجربة عملية على رحلة ناقلة غاز طبيعي بين اليابان وقطر.
وتقوم الفكرة المقترحة في الدراسة على توظيف القمر الصناعي الأمريكي "سي-ويفس"، لقياس معامل التوهين الضوئي للضوء في المياه عند الطول الموجي 490 نانومتر، أي الضوء الأزرق الأخضر الذي يخترق مياه البحار بفعالية، بحيث عندما يقل هذا الطيف أثناء مروره في المياه، فإن ذلك يشير إلى وجود العوالق البحرية والجسيمات والمواد المعلقة التي تمتص أو تشتت الضوء، ما يزيد من معامل التوهين ويعكس كثافة الكائنات الدقيقة في المياه.
ولاختبار تلك الفكرة، أخذ الباحثون عينات من مياه الصابورة الخاصة بناقلة الغاز الطبيعي المسال "زكريت"، خلال ست رحلات بين اليابان وقطر، وكان ذلك أثناء التحميل في اليابان والتفريغ في البحر.
وقام الباحثون بتحليل العوالق البحرية، وحصر عدد الخلايا لكل عينة، وتصنيفها إلى فيتوبلانكتون وزوبلانكتون وأنواع أخرى من العوالق.
وبعد ذلك، استخدم الباحثون القمر الصناعي "سي-ويفس"، لرصد معامل التوهين الضوئي للضوء في المياه عند الطول الموجي 490 نانومتر في مناطق تبادل مياه الصابورة، وقاموا بمعالجة الصور باستخدام برنامج "سي-داس"، وقارنوا بين كثافة الخلايا المأخوذة على متن السفينة مع قيم معامل التوهين التي حصلوا عليها من الصور الفضائية.
وكانت النتائج التي حصل عليها الباحثون مشجعة للغاية، إذ كان هناك ارتباط قوي للغاية بين نتائج كثافة خلايا العوالق التي تم رصدها على متن السفينة وقيم معامل التوهين الضوئي عند الطول الموجي 490 نانومتر التي أتاحتها الصور الفضائية، وقادهم ذلك لوضع معيار فضائي للحد المقبول من العوالق يعادل المعيار الذي تضعه لوائح المنظمة الدولية للملاحة البحرية.
وقالوا إنه: "إذا كان معيار 10 خلايا لكل ملليلتر هو المسموح به طبقا للوائح، فإن المعيار المقابل له الذي يقيس من الفضاء كمية الضوء الأزرق الأخضر الذي يمر عبر المياه هو 0.24 متر⁻¹ أو أقل"، مما يعني أن أي رقم أعلى يشير إلى مياه كثيفة بالعوالق وتحتاج إلى معالجة قبل التفريغ لضمان حماية البيئة البحرية، وهذا يعني أنه يمكن مستقبلا استخدام الأقمار الصناعية لمراقبة مياه الصابورة بدل القياسات المعملية المباشرة.
ومع تقديره لنتائج الدراسة ومنهجيتها، إلا أن البروفيسور ميتي يلماز، من قسمي الهندسة الحيوية والتقنية الحيوية بجامعة بورصة التقنية بتركيا، والذي أجرى العديد من الدراسات على جودة مياه الصابورة، يرى أنها "تصح كأداة مساعدة في المراقبة، لكن سيكون من الخطأ الاعتماد عليها بشكل كامل".
ويقول في تصريحات لـ "الجزيرة نت": "صحيح أن القمر الصناعي يمكن أن يلتقط الاختلافات البصرية بين مياه الصابورة والمياه المحيطة، مثل تغير العكارة أو صبغة الكلوروفيل، وهذا قد يشير إلى وجود العوالق أو المواد العالقة، لكن ما لم تذكره الدراسة هو أن هذه الاختلافات ليست دائما واضحة، فقد تكون المياه الصادرة مشابهة للمياه المحيطة، وإذا حصل تفريغ مياه الصابورة، يمكن أن يختلط بسرعة بالمياه البحرية، فتختفي الاختلافات البصرية سريعا، وبالتالي فإن طريقة الرصد الفضائي جيدة كمؤشر أولي، لكنها ليست دقيقة دائما".
ومن هذا المنطلق، يرى أن قيم معامل التوهين الضوئي عند الطول الموجي 490 نانومتر، لا يمكن الاعتماد عليها كمعيار رسمي في المراقبة، لأن هذه القيم تتغير حسب ظروف البحر والموسم، كما أن هناك عوامل أخرى يمكن أن تخدع الرصد وتعطي نتائج إيجابية أو سلبية خاطئة، وأخيرا، فإنه لا يقيس عدد الكائنات الحية الدقيقة القابلة للبقاء، وهو ما تطلبه اللوائح، لكنه في النهاية يظل مؤشرا مبدئيا مفيدا أو أداة للكشف عن المخاطر قبل أخذ عينات مباشرة.
وعن الشكل الأمثل للاستفادة من الأقمار الصناعية، ختم قائلا: "الإشارات التي تمنحها تلك الأقمار قد تساعد فرق التفتيش على تحديد السفن التي تحتاج إلى فحص أو أخذ عينات مباشرة، لكن سيظل هناك احتياج إلى التحقق المباشر من العينات على السفينة أو في المختبر لتأكيد النتائج الفضائية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة