يسعى العلم دائما إلى استخدام الأدلة العلمية التي يمكن من خلالها معرفة الكثير عن حياة القدماء. سواء كانت هذه الأدلة بقايا آدمية أو أدوات يستخدمها البشر أو كتابات على الجدران أو مخطوطات.
استخدمت دراسة حديثة نشرت في مجلة بلوس وان (PLOS ONE) الأسنان وتحليل بقايا الجير الدقيقة لأنياب وضروس أفراد دُفنوا في مقابر بونتكانيانو بإيطاليا، في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.
وتوصلت الدراسة إلى معلومات مهمة عن الصحة ونمط الحياة والنظام الغذائي في مجتمع بونتكانيانو الإيطالي في العصر الحديدي.
وكشف تحليل الجير على الأسنان عن وجود حبيبات نشا من القمح والبقوليات، وأبواغ فطرية من الخميرة، وألياف نباتية، مما يشير إلى ممارسات غذائية متنوعة.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت حول إمكانية استخدام الأسنان لتحديد النظام الغذائي وأسلوب حياة المجتمعات القديمة يقول الباحث الرئيسي في الدراسة الدكتور روبرتو جيرمانو من قسم علم الأحياء البيئية في جامعة سابينزا الإيطالية إن الأسنان تعد مصدرا بالغ الأهمية لإعادة بناء معلومات عن النظام الغذائي وجوانب الحياة اليومية في المجتمعات القديمة.
ينمو مينا الأسنان تدريجيا، مسجلاً حالات الإجهاد الفسيولوجي خلال مرحلة الطفولة، مما يسمح لنا بتحديد لحظات المرض أو عدم استقرار التغذية أو تحولات النمو الرئيسية. في الوقت نفسه يعمل جير الأسنان كمخزن طويل الأمد للبقايا الدقيقة من الطعام والبيئة.
ويضيف: "في دراستنا حفظ الجير حبيبات النشا من الحبوب والبقوليات والألياف النباتية وجراثيم الفطريات المرتبطة بالتخمر. وتقدم هذه الأدلة مجتمعة رؤية واضحة عن صحة الأطفال، وممارسات إعداد الطعام، ونمط الحياة بشكل عام لسكان العصر الحديدي في بونتكانيانو".
وبسؤال الدكتور روبرتو عن مدى الاستفادة من نتائج هذه الدراسة مستقبلا أضاف أن هذه الدراسة تُرسّخ أساسا لإعادة بناء أكثر تكاملاً لتاريخ حياة الإنسان القديم.
ويضيف: "سيُمكّننا ذلك من توسيع نطاق هذا النهج ليشمل عينات أكبر من استكشاف التباين داخل المجتمع ومقارنة المراحل الزمنية المختلفة أو المجموعات الاجتماعية. ومن خلال الجمع بين علم أنسجة الأسنان وتحليل الجير مع الطرق النظائرية والجيوكيميائية، سيتمكن البحث المستقبلي من إجراء دراسة أكثر تعمقا للنظام الغذائي وأنماط التنقل".
ويضيف روبرتو أنه علاوة على ذلك، "تعد هذه النتائج أساسية لمشروع الدكتوراه الخاص بي (روبرتو جيرمانو)، والذي يدرس كيفية اختلاف سرعات نمو الرضع والأطفال عبر الزمن، من العصر الحجري القديم الأعلى إلى يومنا هذا، ومن خلال التغيرات الاجتماعية والبيئية التي ميزت التاريخ الطبيعي للإنسان العاقل".
استخدم الباحثون منهجية متكاملة تجمع بين القياسات النسيجية للأسنان وتحليل البقايا الدقيقة للجير. وتتكون العينات التي استخدموها من 30 سنا (الأنياب، والأضراس الأولى والثانية) وتخص هذه الأسنان 10 أفراد دفنوا في مقابر العصر الحديدي في بونتكانيانو.
وبإجراء التحليل النسيجي لشرائح الأسنان الرقيقة تم تقدير أوقات تكوين تاج الأسنان، وتكوين الحدبات الأولية، واكتمال نمو تاج الأسنان، ومعدلات امتداد مينا الأسنان.
حيث استغرقت الأنياب أطول مدة لتكوين تاج السن (بمعدل 1977 ± 295 يوما)، تليها الأضراس الثانية (بمعدل 1176 ± 179 يوما)، ثم الأضراس الأولى (بمعدل 1094 ± 154 يوما).
وتم التعرف على حدوث الإجهاد الفسيولوجي لهؤلاء الأفراد العشرة عبر تحليل انتشار الخطوط البارزة خلال مناطق التاج المختلفة، والتي تعد علامة على حدوث هذا الإجهاد وتقدم معلومات مهمة عن صحة الطفولة.
وبلغ انتشار هذه الخطوط البارزة ذروته عند عمر 12 و44 شهرا، مما يعكس على الأرجح التحولات الغذائية في مرحلة الطفولة المبكرة.
وبإجراء تحليل جير الأسنان على خمسة أفراد، تم تحديد بقايا نباتية دقيقة وأبواغ فطرية. حيث كشف تحليل الجير عن وجود حبيبات نشا من حبوب القمح والبقوليات، وأبواغ فطرية (الخميرة)، وألياف نباتية، مما يشير إلى ممارسات غذائية متنوعة، وعمليات معالجة غذائية، وأنشطة أخرى غير المضغ.
ويعزز هذا النهج متعدد التخصصات الذي استخدمته الدراسة صحة الجمع بين التحليلات النسيجية الشكلية وتحليلات البقايا الدقيقة لإعادة بناء صحة الطفولة، والنظام الغذائي للبالغين، ونمط الحياة. وتتوافق نتائج هذه الدراسة مع الأبحاث السابقة لكن مع اختصاصها بمجموعة سكانية مختلفة.
وتوضح هذه الدراسة أن الأسنان القديمة تحتوي كنوزا من البيانات حول أنماط الحياة في العصور القديمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة