شكلت فكرة أن الأهرامات ليست من صنع البشر واحدة من أكثر نظريات المؤامرة جاذبية وإثارة للاهتمام عبر عقود.
وفي قلب هذا الجدل الطويل، برز اسم الكاتب السويسري إريك فون دانيكين كأكبر داعم لهذه الفكرة.
وروج فون دانيكين، الذي توفي مؤخرا عن عمر 90 عاما، لهذه الفكرة على مدى عقود، حتى أصبح يلقب بـ"أب نظرية رواد الفضاء القدماء".
والآن، مع وفاته هذا الشهر، عادت نظرياته المثيرة للجدل إلى الواجهة مرة أخرى. فقد ظل الرجل طوال حياته يؤكد بأن كائنات فضائية متقدمة قامت بزيارة الأرض في العصور القديمة، وساعدت المصريين في بناء الأهرامات التي يعتبرها مستحيلة البناء بالوسائل البشرية وحدها.
ويعود أساس هذه الفكرة إلى كتابه الشهير "عربات الآلهة" الذي صدر عام 1968 وحقق مبيعات هائلة. وفي هذا الكتاب، قدم فون دانيكين رؤيته الثورية التي ترى أن "رواد فضاء" قدامى من حضارات فضائية متطورة زاروا الأرض، وتفاعلوا مع الحضارات الإنسانية المبكرة في مصر وأمريكا الوسطى وغيرها، وقاموا بنقل معرفة تكنولوجية متقدمة ساعدت هذه الحضارات على تحقيق إنجازات هندسية معمارية مذهلة.
وقد كانت أهرامات الجيزة، في عين فون دانيكين، الدليل الأكبر على صحة نظريته. فالدقة الهندسية الفائقة، وضخامة الحجارة التي تزن أطنانا، والتناسق الرياضي المعقد، كلها عوامل جعلته يشك في قدرة الإنسان القديم على تحقيق هذا الإنجاز بمفرده. وتساءل: كيف استطاع المصريون نقل هذه الحجارة الضخمة؟ وكيف قطعوها بهذه الدقة؟ وكيف رفعوها إلى ارتفاع يتجاوز 140 مترا؟!.
والأكثر إثارة في فكر فون دانيكين هو ربطه بين زيارة الكائنات الفضائية والمعتقدات الدينية المصرية القديمة. فالكائنات المتقدمة التي ظهرت للمصريين - حسب نظريته - اعتبرت آلهة، ووعودها بالحياة بعد الموت هي التي دفعت الفراعنة إلى التحنيط ودفن الكنوز، انتظارا لعودة هذه "الآلهة" التي وعدت بالعودة من النجوم يوما ما لإحياء أجساد الملوك المحنطة.
كما فسر بعض النقوش والرسوم في المعابد المصرية والمايا على أنها صور لرواد فضاء ومركبات فضائية.
وحظيت أفكار فون دانيكين بشعبية هائلة، خاصة في حقبة الستينيات والسبعينيات التي اتسمت بحماس غزو الفضاء. وترسخت فكرة "الفضائيين هم من بنوا الأهرامات" في الثقافة الشعبية، وظهرت في أفلام ومسلسلات عديدة، بل وتبناها شخصيات مؤثرة مثل إيلون ماسك.
لكن الجانب الأكاديمي والعلمي يقدم رواية مختلفة تماما، حيث أن علماء الآثار وعلماء المصريات يشيرون إلى أدلة مادية قاطعة تثبت أن الأهرامات هي إنجاز بشري خالص. فقد تم اكتشاف مدن كاملة للعاملين بالقرب من موقع الأهرامات، تحتوي على مساكن ومخابز ومصانع تمليح ومقابر خاصة بهم، ما يدل على وجود قوة عاملة منظمة وكبيرة.
كما كشفت الحفريات عن المحاجر التي استخرجت منها الحجارة، وعن الممرات المنحدرة والمبللة التي استخدمت لجر الكتل، وعن الأدوات النحاسية والحجرية التي استخدمت في النحت.
أما المعرفة الرياضية والفلكية الدقيقة، فيفسرها العلماء بأنها نتاج تراكمي لقرون من الرصد الدقيق للنجوم وقياس الأراضي بعد فيضان النيل، وهي مهارات ضرورية لمجتمع زراعي متقدم مثل المجتمع المصري القديم.
وتظهر النصوص والرسوم المصرية تفاصيل دقيقة عن حياة البنائين والكهنة، دون أي إشارة إلى كائنات أو تقنيات غريبة. وبالتالي، يقف الإجماع العلمي على أن الأهرامات تمثل ذروة الإبداع البشري في ذلك العصر، نتجت عن التخطيط الدقيق، والإدارة الفعالة لموارد ضخمة، والمهارة الفنية التي تطورت على مدى أجيال. بينما تظل نظرية فون دانيكين قصة خيالية مثيرة تعكس فضولنا الدائم تجاه المجهول، وتذكيرا بأن بعض الأسئلة، رغم وضوح إجاباتها العلمية، ستظل تطلق العنان لخيالنا نحو النجوم.
المصدر: ديلي ميل
المصدر:
روسيا اليوم