سرايا - لا تبدو معادلة الأمن المائي في الأردن محسومة لصالح خيار واحد؛ فالمياه التي يمكن توفيرها عبر خفض الفاقد وإدارة الطلب قد تبدو، للوهلة الأولى، أقل كلفة من إنتاج مياه جديدة، لكن حساب الكلفة الفعلية لكل م3 يقود إلى معادلة أكثر تعقيدا.
وقد يحقق خفض الفاقد وإدارة الطلب، نظريا، عائدا اقتصاديا أكبر من تطوير مصادر جديدة مثل التحلية، لا سيما في المناطق ذات الشبكات التي تسجل نسب فاقد مرتفعة، وتزداد الجدوى عندما تكون هذه المناطق بعيدة عن السواحل، بما يجعل نقل المياه المحلاة إليها أكثر كلفة واستهلاكا للطاقة.
وفي الأردن، لم يعد السؤال المائي يقتصر على كيفية توفير كميات إضافية من المياه، بل امتد إلى سؤال أكثر ارتباطا بكفاءة الإنفاق؛ أيهما أكثر جدوى، استرداد المياه المفقودة وتحسين إدارة الطلب، أم الاستثمار في إنتاج مصادر جديدة؟
وتكتسب هذه المقارنة أهمية مع ارتفاع كلف تطوير المصادر غير التقليدية، وفي مقدمتها التحلية، مقابل الحاجة لاستثمارات كبيرة لتأهيل الشبكات وخفض الفاقد، ما يجعل تحديد كلفة م3 الذي يتم توفيره أو إنتاجه عاملا أساسيا في توجيه الاستثمارات المائية.
وتتحرك إستراتيجية وزارة المياه والري في هذا الاتجاه، عبر التعامل مع الأمن المائي كمنظومة متكاملة تجمع بين زيادة مصادر المياه وخفض الفاقد وإعادة الاستخدام ورفع كفاءة الاستهلاك، ضمن إستراتيجية قطاع المياه 2023-2040.
وبدلا من النظر لخفض الفاقد وإدارة الطلب كمجرد بديل عن تطوير المصادر، تضع الوزارة المسارين في إطار متواز، بحيث تترافق زيادة كميات المياه المنتجة مع رفع كفاءة شبكات النقل والتوزيع، بما يضمن أن تصل المياه الجديدة إلى المستفيدين بأعلى كفاءة ممكنة، وأن تتحول الاستثمارات في كل م3 جديد إلى عائد مائي واقتصادي فعلي.
فالأردن بحاجة للتعامل مع مكونات معادلة الأمن المائي بصورة متكاملة، تشمل إدارة الطلب على المياه وخفض الفاقد، وتطوير مصادر مائية جديدة، خصوصا غير التقليدية منها، بالتوازي مع تعزيز الوضع المالي لقطاع المياه وتوفير التمويل اللازم لمبادراته ومشاريعه.
ويمكن أن يحقق خفض الفاقد وإدارة الطلب، من الناحية النظرية، عائدا اقتصاديا أكبر من الاستثمار بمصادر مائية جديدة، خصوصا التحلية، في المناطق التي ترتفع فيها نسب الهدر وتكون بعيدة عن السواحل التي تقام عليها محطات التحلية، وما يترتب على ذلك من كلف إضافية لنقل المياه عبر أنظمة معقدة واستهلاك مرتفع للطاقة.
إلا أن المقارنة بين كلفة توفير المياه وكلفة إنتاج مصادر جديدة، تصبح أكثر تعقيدا عند احتساب الاستثمارات المطلوبة لخفض الفاقد والمحافظة على مستوياته.
فقد قدرت إستراتيجية خفض فاقد المياه لقطاع المياه الصادرة العام 2022 الاستثمارات الرأسمالية اللازمة لخفض الفاقد بين عامي 2022 و2032 والوصول لنسبة مستهدفة تبلغ 34 % في العام 2032 بنحو 1.3 مليار دينار، إضافة إلى 60 مليون دينار سنويا للحفاظ على نسب الخفض المحققة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن خفض الفاقد سينتج عنه توفير كميات مياه إضافية تصل إلى نحو 80 مليون م3، بيد أن هذه الكلفة تعد مرتفعة قياسا إلى حجم المياه التي سيتم توفيرها وفق مقاييس الكلف الحالية في قطاع المياه.
وفي المقابل، فإن تطوير المصادر غير التقليدية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر ومعالجة المياه الجوفية في الطبقات الأعمق، ينطوي أيضا على كلف مرتفعة، لا سيما في المراحل الأولى من تطوير هذه المصادر، لكنها مرشحة للانخفاض مستقبلا مع توجه الحكومة نحو توطين بعض الصناعات والتقنيات المرتبطة بها داخل المدن الصناعية.
ويمكن أن يساهم توطين تقنيات تحلية مياه البحر وأغشية التحلية وتصنيع أنابيب نقل المياه في خفض كلف إنتاج المياه غير التقليدية، من خلال تقليل الاعتماد على استيراد المعدات والأجهزة والتكنولوجيا المتخصصة والأنابيب، إلى جانب كلف الشحن والتأمين، وبالتالي تقليل جزء من الدعم الحكومي المرتبط بهذه المدخلات.
غير أن المعادلة المائية الأردنية لا تقوم على المفاضلة بين خفض الفاقد وتطوير مصادر جديدة، وإنما على العمل عليهما بصورة متزامنة، إذ إن برامج رؤية التحديث الاقتصادي وإستراتيجية قطاع المياه تبنت منهجية تكاملية في تمويل المبادرات والمشاريع.
ويمثل تطوير مصادر المياه الجزء الأول من عملية التزويد المائي، بينما يمثل خفض الفاقد في أنظمة النقل الرئيسة وشبكات التوزيع الجزء الثاني، في حين أن الاستثمار بالجانبين في الوقت نفسه ضروري للحفاظ على الاستقرار المائي وتحقيق القيمة المضافة من المياه المنتجة.
فمشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يجري العمل على تطويره لزيادة التزويد المائي بنحو 300 مليون م3 سنويا، بالتوازي مع تجهيز أنظمة المياه وشبكات النقل والتوزيع لاستقبال هذه الكميات وتوزيعها بالشكل الأمثل، بما يضمن تحقيق القيمة المضافة المرجوة.
وفي هذا السياق، فإن تعزيز الجدوى الاقتصادية لمشاريع خفض الفاقد يتطلب الانتقال إلى نماذج جديدة لقياس نتائج هذه الاستثمارات، فيما يعد "تتبع مشاريع خفض الفاقد نهجا جديدا"، يقوم على قياس نسب الفاقد ومؤشراته التفصيلية عبر طرف ثالث قبل تنفيذ المشروع وبعده، بما يسمح بقياس الأثر الفعلي وتعزيز التغذية الراجعة عند تصميم المشاريع اللاحقة.
وتبقى الدعوة مهمة الآن إلى توسيع نماذج الشراكة مع القطاع الخاص وإدخال التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في عمليات خفض الفاقد، مع دمج التمويل التنموي والتمويل الخاص ضمن عقود شراكة تهدف إلى تخفيف المخاطر وتعظيم النتائج.
وهذه المشاريع يمكن أن تشكل فرصة استثمارية مهمة، إذ إنها من الفرص الاستثمارية المهمة التي يجب إدراجها ضمن محفظة المشاريع الحكومية التي ستعرض في مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المزمع عقده في تشرين الثاني المقبل، بما يفتح الباب أمام التعامل مع خفض الفاقد ليس فقط باعتباره إنفاقا لتحسين كفاءة الشبكات، وإنما كمسار استثماري يمكن قياس عائده الاقتصادي والمائي بصورة أكثر دقة.
الغد
المصدر:
سرايا