عمون - بين خبايا جبال ضانا وتكويناتها الصخرية الوردية، وامتداد الينابيع والآثار القديمة، تتوارى النواطف كواحدة من المواقع السياحية اللافتة في محيط محمية ضانا للمحيط الحيوي، حاملةً مزيجاً نادراً من الطبيعة والتاريخ والمغامرة، إلا أن هذا الموقع، رغم ما يمتلكه من مقومات، ما يزال بحاجة إلى حضور أكبر على خريطة السياحة المحلية والتوثيق والترويج السياحي الذي يعرف به ويكشف تفاصيله للزوار.
ويمثل مسار النواطف تجربة مختلفة لهواة المشي الجبلي والتسلق والمسير الطويل، إذ يقود الزائر عبر ممرات جبلية وإطلالات بانورامية وتكوينات صخرية متعددة الأشكال والألوان، وصولاً إلى الينابيع والكهوف والمواقع الأثرية، في مشهد تتداخل فيه الطبيعة مع شواهد الوجود الإنساني القديم.
وبحسب هيئة تنشيط السياحة الأردنية، يبدأ المسار من منطقة البرّة ويمر بالجبال والينابيع والتكوينات الطبيعية والآثار القديمة، وصولاً إلى منطقة النواطف ومنطقة النزل، فيما تدرجه الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ضمن مسارات محمية ضانا، وتقدر مدة اجتيازه بنحو ساعتين إلى ثلاث ساعات، مع الحاجة إلى مرشد محلي.
ويقول خبير المسارات السياحية في الطفيلة، الكابتن أوس المرايات، إن خصوصية النواطف تكمن في قدرتها على الجمع بين المشهد الجبلي والتكوينات الصخرية والكهوف والمقابر النبطية، بما يجعل المسار تجربة تتجاوز مفهوم الرحلة التقليدية إلى مساحة للاستكشاف البيئي والتعرف إلى التاريخ وقراءة العلاقة بين الإنسان والجغرافيا.
ويضيف، أن تحدي اجتياز المسار الجبلي يمنح الرحلة بعداً آخر من المتعة والشغف بالطبيعة، لافتاً إلى أهمية تعريف الزوار بثقافة المسارات وآداب التعامل مع البيئة، والمحافظة على التربة والنباتات والحياة البرية، واحترام المجتمعات المحلية، بما يجعل السائح شريكاً في حماية المكان وسفيراً له.
وتكشف النواطف، في جانبها التاريخي، عن طبقات متعاقبة من علاقة الإنسان بالمكان؛ إذ يشير المؤرخ والأديب سليمان القوابعة والخرائط الخاصة بالمنطقة إلى وجود مقابر نبطية وآثار ومنشآت وقنوات وجِرون مائية، بما يعكس أن المياه والزراعة والرعي والاستقرار البشري كانت جزءا من منظومة الحياة في هذه البيئة الجبلية منذ عصور قديمة.
ويرى المؤرخ والأديب الدكتور إسحاق عيال سلمان، أن النواطف تمثل نموذجاً لمكان تتجاور فيه القيمة الطبيعية مع الإرث التاريخي، بما تحويه من تضاريس جبلية متدرجة وتكوينات حجرية ومصادر مائية وشواهد عمرانية وأثرية، الأمر الذي يمنحها مقومات حقيقية لتكون وجهة سياحية قائمة بذاتها ضمن المنتج السياحي في محافظة الطفيلة.
ولا تكتمل صورة النواطف من دون الإشارة إلى مخيم النواطف البيئي، الذي يوفر نموذجاً للإقامة المرتبطة بالطبيعة والبيئة المحلية، ويستقبل الزوار الراغبين في استكشاف المنطقة، إلى جانب تقديم تجربة مستوحاة من البيئة البدوية والمحلية، ليشكل أحد مكونات السياحة المجتمعية التي يمكن أن تسهم في تحويل المقومات الطبيعية والتراثية إلى فرص اقتصادية لأبناء المنطقة.
ورغم هذه المقومات، تبدو النواطف بحاجة إلى ترويج سياحي أكثر حضوراً وتوثيقاً تاريخياً منظماً؛ إذ لم تحظَ المنطقة، بالقدر الكافي من الكتابة والتوثيق المتخصص الذي يعرّف بتاريخها ومساراتها وتكويناتها الطبيعية وأهميتها السياحية.
وتبرز هنا الحاجة وفق عدد من المهتمين بالشأن السياحي والتراثي إلى إدراج النواطف بصورة أوضح ضمن الخرائط والبرامج السياحية المحلية، وربطها بالمسارات الأخرى، إلى جانب إنتاج مواد تعريفية وصور وخرائط ومسارات رقمية تساعد الزائر على اكتشافها، وتدعم جهود المرشدين والمجتمع المحلي في تقديم تجربة سياحية آمنة ومستدامة.
ويؤكد عيال سلمان أن اسم النواطف يرتبط بجذر "نطف" المتصل بالماء والقطرات، خصوصاً أن المنطقة تزخر بالينابيع، إلا أن ذلك يبقى احتمالا لغوياً لا يصح تقديمه كحقيقة تاريخية قبل توثيقه من مصادر محلية أو تاريخية.
وأضاف، أن النواطف ليست مجرد تضاريس تعبرها أقدام المغامرين؛ فالصخر يحتفظ بآثار الإنسان، والماء يروي قصة الاستقرار، والمسار يكشف طبقات من الطبيعة والتاريخ، فيما يمنح المكان الزائر فرصة لرؤية جانب أقل توثيقاً من جمال الطفيلة.
واختتم، بأنه يسعى وبالتعاون مع فريق تطوعي الى توثيق هذه المواقع عبر مبادرة "عتبات التاريخ " ومنها منطقة النواطف كمنطقة تستحق أن تُرى أكثر، وأن يكتب ويروج عنها أكثر، وأن تجد موقعها الطبيعي على خريطة السياحة الأردنية؛ فالنواطف ليست مجرد مسار للمشي، وإنما حكاية مكان يلتقي فيه الجبل بالماء والتاريخ والإنسان.
بترا
المصدر:
عمون