خبرني - طرح مهندس النقل والمرور خالد حدادين مقترحًا يقوم على إعادة التفكير في السعة التشغيلية غير المستغلة حاليًا في بعض مقاطع مسار الباص السريع، باعتبارها موردًا حضريًا يمكن توظيفه بصورة مؤقتة، ومدفوعة، ومنضبطة، بما يتيح تخفيف الضغط المروري في عمّان من جهة، وتوليد إيرادات يمكن إعادة ضخها في تطوير منظومة النقل العام من جهة أخرى.
وأوضح أن الفكرة لا تستهدف تحويل مسارات الباص السريع إلى شوارع إضافية للمركبات الخاصة، ولا ينبغي أن تُفهم بوصفها أداة للجباية، وإنما كصيغة لإدارة مورد مروري محدود ضمن شروط تضمن عدم المساس بوظيفة المسار الأساسية.
وبيّن حدادين أن الازدحام الذي تعاني منه عمّان لم يعد يحتمل حلولًا تقليدية أو جزئية، الأمر الذي يستدعي البحث عن أدوات أكثر جرأة وخارج الأطر المعتادة، مع التأكيد أن أي تدخل في مسارات الباص السريع يجب أن ينطلق أولًا من حماية كفاءتها التشغيلية، باعتبار أن القيمة الأساسية لهذه المنظومة تكمن في تخصيص مسار يمنح الحافلات سرعة أعلى ورحلة أكثر انتظامًا وقابلية للتنبؤ مقارنة بالمركبات التي تتحرك في الشوارع المزدحمة.
وأشار إلى أن التعامل مع مسار الباص السريع باعتباره طريقًا سريعًا عاديًا يمكن فتحه أمام المركبات الخاصة بمجرد تركيب أنظمة إلكترونية لتحصيل الرسوم سيكون اختزالًا مخلًا لطبيعة المسألة الهندسية والتشغيلية؛ فالمسار صُمم لحركة حافلات تسير وفق خطوط واتجاهات محددة، وتتوقف عند محطات معلومة، وتتفاعل مع التقاطعات وفق مخططات مسبقة، بينما تتحرك المركبات الخاصة وفق احتياجات أكثر تنوعًا من حيث الدخول والخروج والانعطاف وتغيير الاتجاه، وهو ما يجعل التقاطعات والمداخل والمخارج نقطة الاختبار الأصعب لأي نموذج مقترح.
ونوّه حدادين إلى أن تقييم وجود سعة فائضة في بعض المقاطع لا ينبغي أن يستند إلى الانطباعات البصرية أو إلى ملاحظة انخفاض عدد الحافلات بصورة عابرة، وإنما إلى قياس تشغيلي دقيق يستند إلى بيانات فعلية، تشمل عدد الحافلات المخطط لها والعاملة، ومعدل ترددها على كل مقطع، وأعداد الركاب اليومية، ومعامل إشغال الحافلات، ومتوسط زمن الرحلة، ومدى الالتزام بالمواعيد، والفجوات الزمنية بين الرحلات، وصولًا إلى تحديد السعة التي يمكن إتاحتها دون التأثير في انتظام الخدمة أو سرعتها.
وأضاف أن المقترح لا يتمثل في فتح مسارات الباص السريع أمام جميع المركبات الخاصة، ولا في السماح غير المنضبط لسيارات الأجرة أو مركبات التطبيقات الذكية باستخدامها، لأن ذلك قد يؤدي سريعًا إلى إفراغ المشروع من فلسفته التشغيلية، وتحويل المسار المخصص إلى مسار مروري مكتظ، بما يعيد الحافلات إلى المشكلة ذاتها التي أنشئ المسار أصلًا لتجاوزها.
واقترح حدادين، في حال أثبتت الدراسات وجود سعة قابلة للاستثمار، اعتماد نموذج المسارات المُدارة والمدفوعة (Managed Lanes) في بعض المقاطع فقط، ولفترة تجريبية محددة، بحيث تبقى الأولوية المطلقة لحافلات الباص السريع ومركبات الطوارئ، مع السماح بعدد محدود من المركبات المسجلة مسبقًا، وربط الدخول بنظام إلكتروني قادر على إيقاف قبول مركبات جديدة تلقائيًا عندما تقترب كثافة الاستخدام من المستوى الذي قد يؤثر في سرعة الحافلات وانتظامها.
ولفت إلى أن نجاح هذا النموذج يتطلب أن تكون الرسوم أداة لإدارة الطلب لا مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات؛ أي أن تتغير قيمة الاستخدام وفق مستويات الازدحام والسعة التشغيلية المتاحة، بحيث ترتفع الرسوم أو يُعلّق الدخول عندما يقترب المسار من حدوده التشغيلية، وبما يحافظ على الميزة الزمنية التي تجعل الباص السريع نظام نقل مختلفًا عن الحافلات التقليدية.
واستطرد حدادين قائلًا إن المقاطع المستقيمة ليست موضع التعقيد الأكبر، إذ تكمن الحساسية الحقيقية في التقاطعات ونقاط الدخول والخروج، ما يستوجب دراسة كل مقطع بصورة مستقلة، وإعادة تصميم نقاط التعارض، وضبط الإشارات المرورية، وتأمين حركة المشاة، وحماية محطات الباص السريع، وتوفير أنظمة التحصيل والمراقبة والاستجابة للطوارئ، مع الحفاظ على أولوية الحافلات في جميع الظروف.
وأشار إلى أن بعض المقاطع قد تكون قابلة للتطبيق بعد تعديلات محدودة، فيما قد تتطلب مقاطع أخرى استثمارات هندسية مرتفعة، بينما قد يتعذر استخدام مقاطع معينة أصلًا لأسباب تتصل بالسلامة أو التشغيل؛ ولذلك فإن فتح المسار بقرار شامل وموحد سيكون مخاطرة غير محسوبة، والأفضل اعتماد مقاربة تجريبية مرنة قابلة للتقييم والتراجع.
وشدد حدادين على ضرورة أن تُخصص الإيرادات المتأتية من استخدام المسارات المدارة حصريًا لتطوير منظومة النقل العام، سواء من خلال زيادة أعداد الحافلات، أو رفع تردد الرحلات، أو تحسين المحطات، أو تطوير البنية التشغيلية والتقنية، متابعًا أن الهدف ليس نقل الإيرادات من مستخدمي الطريق إلى الخزينة، وإنما تحويل جزء من القيمة الاقتصادية للسعة المرورية إلى استثمار مباشر في بديل النقل العام.
وأضاف أن أي قرار بهذا الاتجاه يجب أن يسبقه إعداد دراسة جدوى شاملة تتناول الإيرادات المحتملة، وتكاليف إعادة التصميم والتشغيل والرقابة والسلامة والتمويل، مع تحديد السعة القابلة للبيع بدقة؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يتبقى من القدرة التشغيلية بعد ضمان مستوى الخدمة المطلوب للباص السريع، مشيرًا إلى إمكانية دراسة تمويل المشروع مصرفيًا أو عبر شراكات مع القطاع الخاص وفق نموذج يحفظ المصلحة العامة.
وحذّر حدادين من أن الفكرة قد تنقلب إلى عبء على منظومة النقل إذا جرى تنفيذها بصورة متسرعة، خصوصًا إذا فُتحت المسارات من دون إعادة هندسة التقاطعات، أو أصبحت المركبات الخاصة منافسًا للحافلات، أو استُخدمت الإيرادات في تغطية نفقات عامة بدل إعادة استثمارها في النقل العام، أو أدى الازدحام داخل المسار إلى إبطاء الحافلات، أو أُبرمت عقود استثمارية طويلة تجعل استعادة المسار لخدمة النقل العام مستقبلًا عملية مكلفة ومعقدة.
ونبّه إلى أن إضافة سعة مرورية جديدة لا تعني بالضرورة حل الازدحام بصورة دائمة؛ إذ قد تؤدي السعة الإضافية مع مرور الوقت إلى جذب رحلات جديدة، وتغيير مسارات الحركة وأوقاتها، بما يعيد إنتاج جزء من الازدحام الذي كان يفترض أن تعالجه. ومن ثم، فإن استثمار السعة الفائضة في مسارات الباص السريع ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره أداة انتقالية لإدارة الاختناق المروري، لا بديلًا عن إصلاح منظومة النقل العام ولا علاجًا هيكليًا نهائيًا لازدحام عمّان.
المصدر:
خبرني