سرايا - كشفت دراسة وطنية هي الأولى من نوعها في الأردن حول استخدام التبغ والكحول ومشروبات الطاقة وإساءة استعمال الأدوية والعقاقير المخدرة والمؤثرات العقلية لدى الأطفال والشباب، أن 7 من كل 10 شباب وأطفال أفادوا بأنهم سبق لهم استخدام مادة واحدة على الأقل من المواد المصنفة ضمن المواد شائعة الاستخدام، والتي تشمل السجائر، والأرجيلة، ومنتجات التدخين الإلكتروني، ومشروبات الطاقة.
وأكدت الدراسة أن التحدي الأبرز في هذا المجال لا يرتبط فقط بمستوى المعرفة بالمخاطر، وإنما بمدى القدرة على تصميم تدخلات وقائية أكثر دقة واستدامة، تستند إلى فهم العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية المؤثرة في السلوك.
وأطلقت الدراسة، التي جاءت بعنوان "توليد الأدلة العلمية لبناء برنامج شامل للوقاية من استخدام المواد بين الأطفال والشباب في الأردن"، من قبل المجلس الوطني لشؤون الأسرة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، بهدف توفير قاعدة أدلة علمية تساعد في تطوير برامج الوقاية، وإدماج نهج التغيير الاجتماعي والسلوكي في التدخلات الوطنية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية.
وجرى إطلاق الدراسة بحضور ممثلين عن مديرية الأمن العام والوزارات والمؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين، فيما هدفت إلى تحليل العوامل الفردية والأسرية والمجتمعية والمؤسسية المؤثرة في السلوكيات المرتبطة باستخدام المواد، وفهم تفاعل هذه العوامل بما يدعم تصميم تدخلات أكثر فاعلية.
وشملت الدراسة ثلاث فئات عمرية هي: 10 - 14 عامًا، و15 - 17 عامًا، و18 - 25 عامًا، من خلال عينة مسحية بلغت 1043 مشاركًا من محافظات عمّان وإربد والكرك، من الملتحقين بالتعليم النظامي وغير الملتحقين به، إضافة إلى مجموعات تركيز ومقابلات معمقة.
وشملت الدراسة طلابا جرى استقطابهم من المدارس والجامعات، إلى جانب المراكز المهنية والشبابية والمؤسسات المجتمعية، وهدفت إلى تحليل العوامل الفردية والأسرية والمجتمعية والمؤسسية المؤثرة في السلوكيات الخطرة لدى الأطفال والشباب.
وأظهرت نتائج الدراسة، أن 7 من كل 10 مشاركين أفادوا بأنهم سبق لهم استخدام مادة واحدة على الأقل من المواد المصنفة ضمن المواد شائعة الاستخدام، والتي تشمل السجائر، والأرجيلة، ومنتجات التدخين الإلكتروني، ومشروبات الطاقة.
وأشار ما يقارب نصف الذين سبق لهم استخدام هذه المنتجات إلى أن مشروبات الطاقة كانت أول منتج قاموا بتجربته، فيما ذكر ما يقارب أربعة من كل خمسة مشاركين أن الفضول كان السبب وراء أول تجربة للاستخدام.
كما أظهرت الدراسة أن الوعي بالأضرار المحتملة للعديد من المواد مرتفع لدى شريحة واسعة من المشاركين، ما يشير إلى أن المعلومات وحدها لا تكفي لمنع التجربة. وبرز تأثير الأقران والأسرة، وسهولة الوصول إلى المواد، والضغوط النفسية، وانخفاض القدرة على رفض الاستخدام، كعوامل مهمة تؤثر في السلوكيات المرتبطة باستخدام المواد.
وأظهرت النتائج أن مستوى المعرفة بالمواد المشمولة بالدراسة مرتفع لدى الفئات المستهدفة، إذ بلغت نسبة من سمعوا عن السجائر 99 %، والأرجيلة 98 %، ومشروبات الطاقة 96 %، والسجائر الإلكترونية 95 %، فيما بلغت نسبة المعرفة بالمخدرات والمؤثرات العقلية المحظورة 92 %.
ورغم ارتفاع مستوى الوعي، بينت الدراسة أن المعرفة وحدها لا تكفي لمنع التجربة أو الاستخدام، إذ أفاد نحو 7 من كل 10 مشاركين بأنهم سبق لهم استخدام مادة واحدة على الأقل من المواد الشائعة الاستخدام، بما فيها السجائر والأرجيلة ومنتجات التدخين الإلكتروني ومشروبات الطاقة.
وسجلت مشروبات الطاقة أعلى نسبة كأول منتج جرى تجريبه، إذ أشار ما يقارب نصف المشاركين ممن سبق لهم الاستخدام إلى أنها كانت أول تجربة لهم، فيما ذكر نحو أربعة من كل خمسة مشاركين أن الفضول كان الدافع الأول للبدء.
وبينت أن دوافع الاستخدام تختلف باختلاف المرحلة العمرية؛ ففي الفئة العمرية 10 - 14 عامًا برزت الدوافع الاجتماعية، مثل الرغبة في الظهور بمظهر أكثر نضجًا وتأثير الأقران، بينما ارتبط الاستخدام لدى الفئة 15 - 17 عامًا بالاستمتاع الاجتماعي وتخفيف التوتر، في حين ظهرت لدى الفئة 18 - 25 عامًا دوافع مرتبطة بالتكيف والهروب من المشكلات.
وحددت الدراسة مجموعة من عوامل الخطورة المؤثرة في احتمالية الاستخدام، كان أبرزها استخدام الأصدقاء المقربين للمنتجات، والذي يزيد احتمال الاستخدام بمقدار 31 نقطة مئوية، والاستخدام داخل الأسرة بمقدار 24 نقطة مئوية، وسهولة الحصول على المنتجات بمقدار 17 نقطة مئوية، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
في المقابل، أظهرت النتائج أهمية عوامل الحماية، حيث أسهمت القدرة على رفض الاستخدام في خفض احتمالية التجربة بمقدار 26 نقطة مئوية، كما أدى ارتفاع إدراك الضرر إلى خفض الاحتمالية بمقدار 18 نقطة مئوية.
منهج علمي مختلط
وقال أمين عام المجلس الوطني لشؤون الأسرة الدكتور محمد مقدادي، إن أهمية الدراسة تكمن في اعتمادها منهجًا علميًا مختلطًا جمع بين المسح الكمي وأساليب البحث النوعي، مؤكدًا أن الوقاية مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية والشركاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني.
وأضاف مقدادي أن مخرجات الدراسة ستشكل أساسًا لدعم صانعي القرار والجهات المعنية في تطوير السياسات والبرامج الوقائية، وتعزيز الجهود الوطنية لحماية الأطفال والشباب، مشددًا على أهمية بناء التدخلات استنادًا إلى بيانات دقيقة وفهم واقع الفئات المستهدفة.
وأشار إلى ارتباط الوقاية من السلوكيات الخطرة بالصحة النفسية والدعم الأسري وجودة العلاقات الاجتماعية، لافتًا إلى أن بيانات جمعت بين عامي 2018 و2022 أظهرت أن 12 % من المراهقين ظهرت لديهم أعراض تتراوح بين القلق المتوسط والشديد، و11 % أعراض تتراوح بين الاكتئاب المتوسط والشديد، فيما أفاد 35 % بانخفاض مستوى التأقلم والتحمل.
من جهته، أكد ممثل اليونيسف في الأردن مارك روبينـ أن الدراسة تظهر أن الشباب يدركون المخاطر، إلا أن قراراتهم تتأثر بالأقران والعائلة والمجتمع المحيط، مشددًا على أهمية توفير بيئات داعمة وآمنة وخدمات تقوم على الثقة وعدم إصدار الأحكام.
كما أظهرت المراجعة المؤسسية المرافقة للدراسة، والتي شملت 24 مؤسسة حكومية وغير حكومية ودولية، وجود نقاط قوة في منظومة الوقاية الوطنية، إلى جانب الحاجة لتعزيز التنسيق المؤسسي، وتطوير أنظمة البيانات، وتحسين قياس أثر البرامج على التغيير السلوكي.
توصيات للتدخلات
وأوصت الدراسة بالانتقال من التوعية العامة إلى تدخلات وقائية قائمة على الأدلة، تراعي اختلاف الأعمار والدوافع السلوكية، وتعزز مهارات الرفض واتخاذ القرار لدى الأطفال والشباب.
كما دعت إلى تعزيز الكشف والتدخل المبكر ضمن خدمات الرعاية الصحية وبرامج الصحة النفسية، وربط جهود الوقاية بخدمات العلاج والتأهيل، إلى جانب تطوير برامج تستهدف الأسرة باعتبارها عامل حماية أساسيًا.
وأكدت أهمية بناء شراكات مؤسسية أكثر تكاملًا بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليين، وتطوير قواعد بيانات وطنية لرصد أنماط الاستخدام وقياس أثر التدخلات.
كما أوصت بتطوير إستراتيجيات رقمية للوقاية لمواجهة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وإيلاء اهتمام خاص بمشروبات الطاقة، نظرًا لانخفاض مستوى إدراك ضررها مقارنة بغيرها من المنتجات رغم ارتفاع معدلات تجربتها واستخدامها بين الفئات العمرية المستهدفة.
جلسة متخصصة
وفي جلسة متخصصة ناقشت نتائج الدراسة ومسارات تحويلها إلى تدخلات عملية، شارك ممثلون عن الجهات الوطنية المعنية بالوقاية والاستجابة، من بينهم رئيس قسم الإعلام والتثقيف في إدارة مكافحة المخدرات المقدم نبيل الرواشدة، ومدير المركز الوطني لتأهيل المدمنين في وزارة الصحة الدكتور أحمد الحنيطي، ومدير إدارة التوجيه والتمكين الشبابي في وزارة الشباب جهاد مساعدة، ورئيس قسم الإرشاد في
وزارة التربية والتعليم بسام الهباهبة، إضافة إلى مدير مديرية الأحداث والحماية في وزارة التنمية الاجتماعية الدكتور عماد الصهيبة.
وتناولت الجلسة أدوار المؤسسات المختلفة في تعزيز الوقاية، وأهمية التكامل بين التوعية والتدخل المبكر وخدمات الصحة النفسية والعلاج والتأهيل، إلى جانب دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في الحد من عوامل الخطورة وتعزيز عوامل الحماية لدى الأطفال والشباب.
الغد