زاد الاردن الاخباري -
كلما اتسعت المدن وتعقدت تفاصيل الحياة فيها، برزت ظواهر اجتماعية جديدة تفرض نفسها على المشهد اليومي، ما يستدعي البحث عن حلول توازن بين متطلبات التطور وحق السكان في بيئة آمنة وهادئة.
حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كانت عمان مدينة مختلفة في ملامحها وإيقاع حياتها. مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وأحياء سكنية هادئة تتناغم مع طبيعة المدينة الجبلية وتضاريسها الفريدة. شوارع محدودة الاتساع كانت كافية لاستيعاب الحركة المرورية آنذاك، فيما كانت الأدراج الشهيرة تربط بين الجبال والأحياء، وتمنح المدينة خصوصيتها العمرانية والإنسانية.
تميزت عمان في تلك المرحلة بمبانٍ منخفضة الارتفاع وحدائق منزلية صغيرة، وبيئة بصرية وسمعية هادئة بعيدة عن التلوث والضجيج. وما تزال بعض أحياء العاصمة، مثل جبل اللويبدة وجبل عمان وجبل الحسين، تحتفظ بجزء من ذلك الإرث العمراني الذي يقاوم تمدد الأبنية الحديثة وتغير أنماط الحياة.
ومع النمو السكاني والتوسع العمراني المتسارع، تحولت عمان من مدينة هادئة إلى عاصمة نابضة بالحركة على مدار الساعة. لم تعد المدينة تعرف فترات السكون التي كانت تميز أحياءها، وأصبحت الخدمات والنشاطات الاقتصادية وحركة التنقل مستمرة دون توقف لتلبية احتياجات مئات الآلاف من السكان.
وفي سياق هذا التحول، شهدت العاصمة خلال السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً للدراجات النارية، خاصة مع توسع خدمات التوصيل المعتمدة على التطبيقات الذكية. وأصبحت هذه الدراجات جزءاً من المشهد اليومي، تؤدي دوراً مهماً في تسريع الخدمات وتسهيل التنقل وإنجاز الأعمال.
غير أن المشكلة لا تكمن في الدراجات المستخدمة لأغراض العمل والخدمات، والتي تخضع في معظمها للترخيص والرقابة والتدريب، بل في بعض الممارسات الفردية المرتبطة بالدراجات الخاصة داخل الأحياء السكنية، خصوصاً خلال ساعات الليل. فالأصوات المرتفعة الصادرة عن بعض الدراجات، إلى جانب التجول الجماعي والقيادة المتهورة أحياناً، باتت تشكل مصدر إزعاج متزايد للسكان، وتؤثر في السكينة العامة وراحة الأهالي.
ويشير سكان في عدد من مناطق العاصمة، من بينها الجبيهة وتلاع العلي ووادي السير، إلى تكرار مشاهد الدراجات التي تجوب الشوارع ليلاً بأصوات مرتفعة وسرعات عالية، الأمر الذي يثير مخاوف تتعلق بالسلامة العامة واحتمالات وقوع الحوادث، فضلاً عن التأثير المباشر على جودة الحياة داخل الأحياء السكنية.
ورغم التحديات المرورية التي تواجهها عمان نتيجة الازدحام المتزايد وارتفاع أعداد المركبات، ما تزال العاصمة بعيدة عن ظواهر نقل عشوائية تنتشر في مدن كبرى حول العالم، مثل "التوك توك" الذي أصبح جزءاً من المشهد المروري في عدد من العواصم والمدن المكتظة بالسكان.
ويبقى ملف الدراجات النارية الخاصة واحداً من القضايا التي تحتاج إلى معالجة متوازنة، تضمن حق الأفراد في استخدام وسائل النقل المختلفة، وفي الوقت ذاته تحافظ على راحة السكان وسلامتهم. وهو ما يتطلب تشديد الرقابة على المخالفات المرتبطة بالضوضاء والقيادة الخطرة، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول للدراجات النارية بما ينسجم مع متطلبات المدينة الحديثة واحترام الفضاء العام.
المصدر:
زاد الأردن