سرايا - لم تعد الأعاصير المدارية ظواهر بعيدة التأثير عن الأردن، رغم وقوعها خارج حدوده الجغرافية، إذ تكشف الدراسات المناخية الحديثة أن اضطراب دورات الطاقة والمياه عالميا بات ينعكس بشكل متزايد على الأنظمة الجوية في المنطقة، مغيرا ملامح المواسم المطرية، ومفاقما التحديات المرتبطة بالأمن المائي.
وبينما ما تزال بعض التقديرات العلمية المتعلقة بالتأثيرات المستقبلية للأعاصير المدارية على نقل الطاقة والمياه تحمل قدرا من عدم اليقين، فإن المؤكد اليوم أن الأردن يقف في مواجهة مرحلة مناخية أكثر حساسية، تتطلب استعدادا طويل الأمد، وسياسات أكثر مرونة، واستثمارا متواصلا في أنظمة الرصد والإنذار والتكيف، لحماية موارده المائية من ضغوط مناخية تتجاوز الحدود الجغرافية، وتعيد تشكيل خرائط الأمطار والجفاف في المنطقة بأسرها.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الأبحاث العلمية أن الأعاصير المدارية تسحب سنويا كميات هائلة من الحرارة والرطوبة من المحيطات، وتعيد توزيعها عبر الغلاف الجوي، تبدو انعكاسات هذه التحولات أكثر وضوحا في المناطق الهشة مائيا، ومنها الأردن، الذي يواجه أصلا واحدة من أكثر الأزمات المائية تعقيدا في العالم.
وهذا الخلل المناخي لم يعد يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع كميات الأمطار فحسب، بل بات يظهر من خلال اضطراب واضح في توزيع الهطول المطري، وتزايد حدة التذبذب المناخي، وتكرار موجات الجفاف، مقابل هطولات غزيرة ومفاجئة خلال فترات زمنية قصيرة، وهي معادلة تُضعف فرص تغذية السدود والمياه الجوفية، بقدر ما تزيد من مخاطر السيول والانجرافات.
أنظمة مناخية مضطربة
ومع تصاعد تأثيرات التغير المناخي عالميا، تشير التقديرات العلمية، التي حذر منها تقرير صدر عن مجلة "نيتشر" العلمية، ، إلى أن الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية قد يؤدي إلى تغيير شدة الأعاصير المدارية ومساراتها وأنماط الأمطار المرتبطة بها، ما يعني أن منطقة الشرق الأوسط قد تواجه مستقبلا أنظمة مناخية أكثر اضطرابا وأقل استقرارا.
وفي الأردن، ينعكس ذلك مباشرة على تراجع انتظام المواسم المطرية، وزيادة الضغط على المخزون الجوفي، وارتفاع الطلب على المياه في ظل سنوات جفاف أطول وأكثر قسوة.
وفي مواجهة هذه التحولات، تتجه الجهود الوطنية نحو تعزيز قدرات الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر، عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والنماذج العددية المتقدمة، إلى جانب توسيع شبكات الرصد الجوي وتطوير البنية التحتية المناخية، بهدف تحسين القدرة على استشراف الظواهر الجوية المتطرفة والتعامل معها بصورة استباقية.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في التنبؤ بالتقلبات المناخية، بل في قدرة القطاعات المائية على التكيف معها، من خلال رفع كفاءة إدارة الموارد المائية، وتوسيع مشاريع حصاد المياه، وتعزيز التكامل بين المعلومات المناخية والتخطيط المائي، خصوصا أن الأمن المناخي بات يرتبط بصورة مباشرة بالأمن المائي والغذائي والاقتصادي.
معالجات أكثر إلحاحا
بدوره، أكد مدير إدارة الأرصاد الجوية، المهندس رائد رافد آل خطاب، أن الإجابة عن التساؤلات المرتبطة بمدى تأثير التغيرات العالمية في دورات الطاقة والمياه الناتجة عن الأعاصير المدارية والتغير المناخي على الأمن المائي في الأردن، أصبحت اليوم أكثر إلحاحا، في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات مناخية متزايدة وانعكاسات مباشرة على الموارد المائية.
وأشار آل خطاب، إلى أن هذه التغيرات باتت تشكل تحديا حقيقيا لقدرة المملكة على مواجهة تراجع الهطول المطري، وازدياد فترات الجفاف، والضغط المتنامي على المياه الجوفية والسدود.
وقال: إن التغيرات العالمية المتسارعة في المناخ، وما يرتبط بها من اضطرابات في دورات الطاقة والمياه الناتجة عن الأعاصير المدارية والظواهر الجوية المتطرفة، باتت تنعكس بصورة غير مباشرة على الواقع المناخي والمائي في الأردن، ما يفرض تحديات متزايدة على منظومة الأمن المائي الوطني، في ظل محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على المياه.
وأضاف آل خطاب أن الأردن، "رغم عدم تعرضه المباشر للأعاصير المدارية، فإنه يتأثر بالتغيرات المناخية العالمية المرتبطة بها، من خلال اضطراب الأنظمة الجوية، وتغير أنماط الهطول المطري، وارتفاع حدة التذبذب المناخي، ما يؤدي إلى تراجع انتظام المواسم المطرية، وزيادة فترات الجفاف والسيول المفاجئة، ويضاعف الضغوط على مصادر المياه الجوفية والسدود".
وقال: "إن الدراسات الحديثة التي تربط الأعاصير المدارية بدورات الطاقة والمياه العالمية تعزز فهمنا للتغيرات المناخية وتأثيراتها غير المباشرة على منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الأردن"، مبينا أن هذه التأثيرات أصبحت واضحة من خلال "التغير في أنماط الهطول المطري، وزيادة حدة التذبذب المناخي، وموجات الجفاف، والسيول المفاجئة، وعدم انتظام المواسم المطرية".
ولفت آل خطاب إلى أن هذه التحولات المناخية تتطلب تطويرا مستمرا لقدرات الرصد والتنبؤ الجوي، لرفع كفاءة التعامل مع الظواهر الجوية المتطرفة وتقليل آثارها على القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع المياه، مؤكدا أن إدارة الأرصاد الجوية تواصل تحديث منظومتها الفنية والتقنية بما ينسجم مع أحدث التطورات العالمية في مجالات التنبؤ والإنذار المبكر.
وتابع أن الإدارة قامت مؤخرا بتشغيل النموذج العددي الأوروبي ECMWF المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي يسهم في "رفع دقة التوقعات الجوية وتحسين القدرة على استشراف الحالات الجوية المتطرفة والتعامل معها بكفاءة أعلى"، الأمر الذي يعزز قدرة الجهات المعنية على اتخاذ إجراءات استباقية للتعامل مع تداعيات التغير المناخي وانعكاساته على الموارد المائية.
رادار متطور
وفي إطار تعزيز منظومة الرصد الجوي، كشف آل خطاب أن الحكومة خصصت موازنة لإنشاء رادار طقس متطور جديد لتغطية المناطق الجنوبية من المملكة، موضحا أن الرادار الحالي "لا يوفر تغطية كاملة لتلك المناطق"، وأن المشروع الجديد سيسهم في "تعزيز منظومة الرصد الجوي والإنذار المبكر، ورفع جاهزية التعامل مع المخاطر الجوية في مختلف مناطق المملكة".
كما بيّن أن إدارة الأرصاد الجوية تعمل على توسيع شبكة الرصد المناخي، من خلال خطة لزيادة عدد محطات الرصد الجوي الأوتوماتيكية، إلى جانب تعزيز محطات الرصد اليدوية، بهدف تحسين جودة البيانات المناخية والجوية، ورفع كفاءة المتابعة والرصد المبكر للحالات الجوية المختلفة، بما يدعم الدراسات المرتبطة بالمناخ والأمن المائي.
وأكد آل خطاب أن الإدارة تنفذ حاليا مشروعات تعاون دولية لتطوير أنظمة الإنذار المبكر، موضحا أنها تعمل بالتعاون مع الأرصاد الجوية الصينية على تطوير نظام إنذار مبكر يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والإنذارات المبنية على الأثر، بما يساعد الجهات المعنية على "اتخاذ قرارات استباقية أكثر فاعلية"، إضافة إلى التعاون المستمر مع الأرصاد الجوية البريطانية لتطوير الإنذارات المبنية على الأثر وفق أفضل الممارسات العالمية.
وشدد على أن مواجهة تداعيات التغير المناخي لم تعد تقتصر على الجوانب البيئية فقط، بل أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بالأمن المائي والغذائي والاقتصادي، ما يستدعي تعزيز التكامل بين المعلومات المناخية وإدارة الموارد المائية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في دعم القرار، إلى جانب دعم مشاريع حصاد المياه، ورفع كفاءة استخدام الموارد المائية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالات المناخ والمياه.
وأكد "أن الأمن المناخي والمائي أصبح جزءا أساسيا من منظومة الأمن الوطني"، مشددا على أهمية استمرار الاستثمار في البنية التحتية للرصد والتنبؤات الجوية، وبناء منظومة وطنية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحديات المناخية المستقبلية، بما يضمن تعزيز قدرة الأردن على حماية موارده المائية، والتعامل مع التقلبات المناخية المتزايدة بكفاءة واستدامة.