آخر الأخبار

بعد 10 شهور من التطبيق .. قانون التنفيذ يخفف الحبس ويعقد تحصيل الديون

شارك

سرايا - بعد مرور نحو 10 شهور على بدء سريان المادة (22) من قانون التنفيذ المعدّل لعام 2022، والتي دخلت حيّز التنفيذ في 25 حزيران (يونيو) العام الماضي، بدأت تتضح بشكل أكبر ملامح التحول الذي أحدثه هذا القانون في منظومة العدالة المدنية في الأردن، في ظل جدل متصاعد بين القانونيين حول نتائجه الفعلية، وما إذا كان قد نجح فعلاً في تحقيق التوازن بين حماية المدين وضمان حقوق الدائن. ومنذ اللحظة الأولى لتطبيق التعديلات، كان الهدف المعلن منها الحد من اللجوء إلى الحبس كوسيلة لتحصيل الديون، واستبداله بمنظومة بديلة تقوم على الحجز والمنع من السفر والتسويات المالية، وذلك بما ينسجم مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تنص على أنه "لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي"، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة إيجاد بدائل تضمن حقوق الدائنين. لكن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى أن هذا الهدف تحقق جزئياً، حيث انخفضت أعداد قضايا حبس المدينين وتراجع الضغط على مراكز الإصلاح والتأهيل، إلا أنه وفي المقابل ظهرت مشكلة أخرى، تتمثل في وجود عدد كبير من الدائنين الذين ما زالوا عاجزين عن تحصيل حقوقهم، وباتت قضاياهم معلّقة دون تنفيذ فعلي.


إعادة نظر
في هذا السياق، دعا نائب رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب النائب محمد بني ملحم إلى ضرورة إعادة النظر في عدد من مواد قانون التنفيذ المعدّل، مشيراً إلى أن التطبيق العملي خلال الفترة الماضية أظهر آثاراً سلبية على الجانب الاقتصادي.
وأوضح بني ملحم أن واقع المحاكم اليوم يعكس تراكم أعداد كبيرة من القضايا التي بقيت دون تنفيذ، خاصة في ظل عدم قدرة عدد من المحكومين على السداد، ما أدى إلى بقاء هذه الملفات "على الرفوف" دون حسم.
واعتبر أن القانون لم يُدرس بالشكل الكافي قبل إقراره، لافتاً إلى أن الرهان كان قائماً على الوازع الديني والأخلاقي لدفع المدينين بلالتزام بالسداد، إلا أن هذا الرهان لم يتحقق كما كان متوقعاً، مشدداً على ضرورة إيجاد آليات أكثر فاعلية تضمن حماية حقوق الدائنين وتمكّنهم من تحصيل مستحقاتهم ضمن إطار قانوني متوازن.
وبحسب القاضي ومستشار ديوان الرأي والتشريع سابقاً محمود العبابنة، فإن التعديلات الأخيرة، رغم بعدها الحقوقي، إلّا أنّها كانت لمصلحة المدين على حساب الدائن، الذي خاض – وفق تعبيره – مساراً طويلاً في التقاضي، وتحمّل رسوماً وأتعاباً قانونية، حتى حصل على حكم قضائي يثبت حقه، ثم عاد ليدفع رسوماً إضافية لتنفيذ هذا الحكم، الذي يُعد عنواناً لهيبة الدولة وسيادة القانون.
ويرى العبابنة أن التطبيق العملي أضعف من قدرة الدائن على تحصيل حقوقه، خاصة في ظل اتساع نطاق الاستثناءات.
بدائل أكثر صرامة
وفيما يتعلق بالاستناد إلى المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لفت العبابنة إلى أن تفسيرها لا يجب أن يكون مطلقاً، إذ يشترط لتطبيقها أن يكون الالتزام تعاقدياً، وأن يثبت إعسار المدين، وهو ما لا يتحقق في جميع الحالات.
ويضيف أن الغالبية العظمى من الديون في الأردن تقل عن 5 آلاف دينار، ما يعني أن شريحة واسعة من الدائنين باتت عملياً غير قادرة على تحصيل حقوقها.
وأشار العبابنة إلى أن المقارنة مع الدول التي ألغت حبس المدين يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الفروقات في البنية الاقتصادية والاجتماعية، موضحاً أن دولاً مثل بريطانيا وفرنسا تمتلك منظومات متكاملة لدعم المتعثرين، تشمل أنظمة الضمان الاجتماعي، والمؤسسات الخيرية، والنقابات، وشركات تأمين الديون، إضافة إلى آليات رقابية صارمة تحدّ من التهرب وتُحفّز على السداد، وهي شروط ما تزال غير متوفرة بالقدر ذاته في السياق المحلي.
ورغم إقراره بوجاهة تقليص الحبس كوسيلة ضغط، دعا العبابنة إلى تطوير بدائل أكثر صرامة، من خلال ما وصفه بـ"إرهاق المدين" (Debtor’s fatigue)، عبر فرض قيود مدنية متعددة، مثل منع فتح حسابات بنكية، أو الحصول على دفاتر شيكات، أو رخص قيادة، أو تقييد السفر، أو حظر تسجيل الشركات أو المشاركة فيها.
كما اقترح اعتماد نظام النقاط الائتمانية (Credit Score)، بحيث يُمنح كل مواطن رصيداً من النقاط يتم خصمها عند الإخلال بالالتزامات المالية، بما يسمح بتقييم المخاطر قبل منح الائتمان، ويكافئ في الوقت ذاته الملتزمين.
تفاوت بين المدينين
من جهته، قال نقيب المحامين الأسبق مازن إرشيدات، إن القانون أسهم في تقليل أعداد النزلاء داخل السجون، إلا أن هذا الأثر الإيجابي، بحسب تقديره، لم يكن خالياً من تداعيات، إذ أشار إلى أن التطبيق العملي أفرز زيادة في أعداد الموقوفين إدارياً، إلى جانب بروز سلوكيات جديدة لدى بعض المدينين تقوم على التهرّب من الالتزام بالسداد.
وأكد إرشيدات أن المشكلة لا تتعلق فقط بآلية التطبيق، بل ببنية النص القانوني نفسه، لافتاً إلى أن المادة (22) ميّزت بين المدينين على أساس قيمة الدين، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.
وأضاف أن منح المدين الذي تقل ديونه عن خمسة آلاف دينار حماية من الحبس، مقابل إبقاء الحبس ممكناً لمن تزيد ديونه على ذلك، خلق تفاوتاً قانونياً بين فئات المدينين، قد ينعكس على سلوك الأفراد ويؤثر على استقرار المعاملات المالية، مشيراً إلى أن قانون التنفيذ من أكثر القوانين تأثيراً على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
تعزيز ثقافة التسويات
بدوره، أشار المحامي أحمد بطمة إلى أن التعديلات دفعت باتجاه تعزيز ثقافة التسويات والصلح بين الأطراف، وهو ما انعكس في انخفاض عدد القضايا المرتبطة بحبس المدين، إلا أنه أوضح أن هذا التحول لم يكن كافياً لحماية حقوق جميع الدائنين.
وبيّن بطمة أن المشكلة تظهر بوضوح في الحالات التي لا يمتلك فيها المدين أصولاً مسجلة باسمه، أو حين يلجأ إلى نقل ممتلكاته لأفراد من عائلته، أو يتجنب التعامل مع النظام المصرفي، ما يجعل أدوات التنفيذ البديلة محدودة الفاعلية.
وأكد أن بعض الدائنين باتوا يواجهون صعوبات حقيقية في تحصيل أموالهم، في ظل غياب آليات دقيقة للتحقق من الملاءة المالية، الأمر الذي يفتح المجال أمام التلاعب، ويضعف من قدرة النظام القضائي على إنفاذ الحقوق.
تغييرات جوهرية
وكانت التعديلات على القانون قد تضمنت تغييرات جوهرية في آلية التعامل مع الديون المدنية والتجارية، كان أبرزها إلغاء عقوبة الحبس في جميع القضايا المالية الناتجة عن العقود المدنية والتجارية، بغض النظر عن قيمة الدين، ما يعني أن المدين لن يُسجن حتى وإن بلغت ديونه آلاف الدنانير، باستثناء حالتين فقط، هما الديون الناشئة عن عقود الإيجار، وتلك الناتجة عن عقود العمل.
وفي ظل هذه التعديلات، أصبحت أدوات مثل الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة، والمنع من السفر، هي الوسائل الأساسية لتحصيل الحقوق المالية، وذلك وفق إجراءات قضائية محددة.
وحتى في الحالات التي يُسمح فيها بحبس المدين، فقد حدّد القانون مدة الحبس بـ60 يوماً سنوياً عن كل دين، وبحد أقصى لا يتجاوز 90 يوماً في السنة مهما تعددت الديون، ما يعكس تحولاً جوهرياً في الفلسفة العقابية المتعلقة بالمديونية المدنية.
وكان القانون منح فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات لتسوية الأوضاع المالية، حيث نُشر في الجريدة الرسمية منتصف عام 2022، على أن يبدأ سريان المادة المتعلقة بوقف حبس المدين في 25 حزيران (يونيو) 2025.
ونص قانون التنفيذ في مادته (22) على أنه يحق للدائن طلب حبس المدين في حال عدم السداد أو عدم تقديم تسوية تتناسب مع قدرته المالية خلال مدة الإخطار، شريطة ألا تقل الدفعة الأولى عن 15 % من قيمة الدين، على ألا تتجاوز مدة الحبس 60 يوماً عن دين واحد، و120 يوماً في حال تعدد الديون.
كما نصت المادة (23) على مجموعة من الحالات التي لا يجوز فيها حبس المدين، من بينها موظفو الدولة، ومن لا يكون مسؤولاً بشخصه عن الدين، والقاصر، والمفلس، والمجنون، والمرأة الحامل حتى ثلاثة أشهر بعد الولادة، وأم الطفل حتى يبلغ العامين.
ووفقاً للقانون، لا يُحبس المدين في حالات عدة، منها إذا كان الدين أقل من خمسة آلاف دينار، أو كان معسراً، أو إذا كان الدين موثقاً بتأمين عيني، أو إذا ترتب على حبسه ضرر اجتماعي بأفراد أسرته، مثل وجود أطفال دون سن 15 عاماً أو من ذوي الإعاقة، أو في حالات معينة تتعلق بالعلاقات الأسرية.

الغد





سرايا المصدر: سرايا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا