آخر الأخبار

هل يكفي غنى الموسم المطري لضمان صيف مائي مريح أم أن الإدارة هي الحسم؟

شارك

سرايا - أعلنت وزارة المياه والري أن الموسم المطري الحالي 2025-2026 يعد "ممتازا"، في وقت يفتح فيه هذا الأداء المرتفع الباب أمام صيف مختلف مائيا، لكنه، وفق خبراء، ليس بالضرورة خاليا من التحديات، إذ يتشكل المشهد المائي عند نقطة توازن دقيقة بين وفرة الموارد وكفاءة إدارتها.

وفي وقت تبدو فيه السماء أكثر سخاء هذا العام، تفتح الهطلات المطرية المرتفعة الباب أمام صيف مختلف مائيا، لكنه ليس بالضرورة خاليا من التحديات.

موسم زراعي ممتاز

وقال الناطق الرسمي باسم وزارة المياه والري عمر سلامة، في تصريحات صحفية، إن الموسم المطري الحالي 2025-2026 يعدّ "ممتازا"، حيث حقق أكثر من 130 % من المعدل العام للهطل المطري في المملكة، البالغ نحو 8.1 مليار م3 سنويا.

وأضاف أن معظم السدود بمناطق الجنوب والوسط امتلأت بكامل طاقتها التخزينية نتيجة الهطلات المطرية المتتالية في معظم مناطق المملكة، في حين لم تصل سدود الشمال لطاقتها التخزينية الكاملة، حيث إن الموسم المطري الحالي تركزت فيه الهطلات بالمناطق الجنوبية والشرقية والوسطى.

وأشار إلى أن سد الوحدة شمالي المملكة، لم يستقبل سوى كميات "ضئيلة" من المياه خلال هذا الموسم، معربا عن أمله بتحسن تخزينه فيما تبقى من الموسم.

وبيّن أن المؤشرات الحالية للموسم المطري "مبشرة" بموسم زراعي ممتاز، متوقعا أن تنعكس بشكل مباشر على تمكين الوزارة من تأمين احتياجات الشرب والتزويد المائي للمواطنين خلال فصل الصيف بشكل أفضل من المواسم السابقة، بما يسهم بتعزيز الاستقرار المائي والغذائي بالمملكة.

وأوضح أن الأحواض الجوفية سجلت تحسنا ملحوظا ببعض المناطق نتيجة وفرة الهطلات، ما سيكون له أثر بالحدّ من تراجعها وتحسن نوعية المياه في معظمها، وامتلاء معظم السدود والحفائر الصحراوية، البالغ عددها 650 سدا وحفيرة بطاقة تخزينية تزيد على 150 مليون م3، وكذلك امتلاء عشرات آلاف الآبار التجميعية لحصاد مياه الأمطار في المنازل والمزارع في معظم محافظات المملكة.

صيف مريح من حيث التزويد

ووفق مؤشرات خبراء في قطاع المياه، أكدوا في تصريحات لـ "الغد"، أن المشهد المائي المقبل، يتشكل عند نقطة توازن دقيقة بين وفرة الموارد من جهة وكفاءة إدارتها من جهة أخرى.

وبين التفاؤل الحذر والواقع المعقد، تتقاطع سيناريوهات الصيف المقبل عند حقيقة واحدة مفادها؛ وفرة المياه هذا العام تشكل فرصة، لكنها ليست ضمانة، فاستقرار التزويد لن يتحقق فقط بما هطل من امطار، بل بكيفية ادارة كل قطرة منها.

فالمعطيات الحالية تعزز سيناريو متفائل نسبيا، حيث تشير التقديرات لصيف مريح من حيث التزويد، مدفوعا بارتفاع كميات التخزين بالسدود وتحسن تغذية المياه الجوفية نتيجة توزع الامطار زمنيا وانخفاض معدلات التبخر.

وبحسب المختصين، فإن هذا الواقع يمنح النظام المائي مرونة أكبر في التوزيع ويتيح إعادة تخصيص الموارد بين المحافظات والقطاعات، بما يعزز استقرار التزويد خاصة في ذروة الطلب.

لكن هذا السيناريو الايجابي يبقى مشروطا؛ فوفق تقديرات الخبراء، لا يكفي موسم مطري واحد لضمان استدامة مائية طويلة الامد، ما يجعل كفاءة الادارة العامل الحاسم في تحديد مآلات الصيف المقبل.

وفي سياق الإجابة عن هذه التساؤلات، أكد الخبير الدولي في قطاع المياه د. دريد محاسنة، أن سيناريوهات الوضع المائي بالمملكة خلال الموسم الصيفي المقبل، رغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بارتفاع الهطلات المطرية، تبقى مرهونة بكفاءة الإدارة المائية واستدامة الاستخدام، محذرا من تحدي استمرار استنزاف المياه عبر الاستخدام الجائر أو غير القانوني أو الاستخدامات ذات الجدوى الاقتصادية المتدنية، خاصة في القطاع الزراعي، ما يشكل خطرا كبيرا على استقرار التزويد المائي.

وأشار لضرورة أن تقوم إدارة مياه الزراعة على إعطاء أولوية واضحة للمياه وتوجيه الدعم نحو الزراعات ذات الجدوى التي تلبي احتياجات حقيقية وتحقق قيمة مضافة، في حين ينبغي التعامل مع الزراعات المستنزفة للمياه وذات الكلفة العالية والعائد المحدود بإدارة مختلفة وأكثر صرامة، مؤكدا أهمية أن ينعكس هذا النهج بشكل ملموس على أرض الواقع بما يضمن عدالة التوزيع خلال فصل الصيف.

وشدد على ضرورة أن يلمس المواطنون عدالة واضحة في توزيع المياه خلال الموسم الصيفي، إلى جانب تشديد الرقابة لمنع سرقة المياه والتعديات عليها، منبها لأهمية أنه من غير المقبول استمرار بعض المستغلين في حفر الآبار الجائرة أو سرقة المياه دون محاسبة أو إجراءات رادعة.

وبين أنه من أبرز إيجابيات الموسم المطري الحالي، تكرار الهطلات وتوزعها الزمني، حيث لم ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير بعد الهطل، ما ساهم بتقليل معدلات التبخر وزيادة استفادة التربة من المياه، خلافا للسنوات التي تصل فيها نسب التبخر لمستويات مرتفعة جدا، لافتا إلى أن هذه الظروف ساعدت على تعزيز تغذية المياه الجوفية والارتوازية، إلى جانب دعم الزراعات الجبلية.

إلا أنه أكد في الوقت ذاته أن موسما واحدا، رغم أهميته، لا يكفي لتحقيق استقرار مائي مستدام.

وأوضح أن امتلاء السدود سيسهم بشكل أساسي في دعم مياه الزراعة، إلا أن إمكانية تحويل جزء من هذه المياه لصالح مياه الشرب تبقى قضية مرتبطة بقرارات الإدارة المائية وآلياتها، مرجحا أن يكون هذا التحويل محدودا، خاصة في ظل عدم ارتفاع منسوب سد الوحدة بشكل كبير، وهو من السدود الرئيسة التي يعول عليها في تعزيز المخزون المائي.

وأعرب في هذا السياق، عن أمله في تعزيز التعاون مع الجانب السوري لزيادة كميات المياه الواردة إلى السد.

وبين أن تقدير مدى تغذية المياه الجوفية خلال الموسم الحالي، يتطلب وجود قياسات ودراسات فنية دقيقة من قبل وزارة المياه والري، بما يتيح بناء توقعات أكثر دقة حول الوضع المائي في الفترة المقبلة، معربا عن تفاؤله المشروط بإمكانية تكرار مثل هذه المواسم المطرية بما يسهم في تحقيق الاستقرار المائي.

وأكد أن وفرة مياه الأمطار هذا العام وارتفاع نسب تخزين السدود قد يسهمان في تعزيز أمن الموارد المائية وتقليل الحاجة إلى شراء المياه من دولة الاحتلال، ما يدعم التوجه نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي واستقرار الموارد المائية على المدى المتوسط.

هطل مطري مميز

وفي ضوء بنية الموازنة المائية، أشار الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، إلى أن الموازنة المائية لفصل الصيف، تمثل خطة التزويد المائي التي يتم إعدادها للأشهر من نيسان (أبريل) ولغاية نهاية أيلول (سبتمبر) من كل عام، وهي الفترة التي تمثل ذروة الطلب على المياه، مبينا أن هذه الموازنة تحتوي على مؤشرات الطلب على المياه وحصصها ومصادرها المتوفرة وكمياتها، كما تشمل سيناريوهات التزويد المائي المختلفة ومستويات الخطورة والمخاطر المرتبطة بزيادة الطلب أو أي ظروف طارئة.

وقال الدحيات إن الهطل المطري لموسم العام 2025 2026 والذي بلغ نحو 120 % من المعدل العام طويل الأمد جاء مميزا حتى تاريخه، حيث سيرفد الموازنة المائية للصيف المقبل 2026 بكميات مياه إضافية ستسهم في زيادة كميات التزويد المائي، وتعزز من مرونة التزويد والتوزيع من خلال إعادة تخصيص المياه بين المحافظات وبين القطاعات المختلفة.

وأكد أهمية الدور الذي ستلعبه حصة المياه السطحية التقليدية الناتجة عن هذا الهطل المطري والتي تم تخزينها في السدود، في الموازنة المائية لهذا الصيف، حيث تجاوزت كمياتها 150 مليون م3، أي ما يعادل نحو 80 % من السعة الاستيعابية للسدود باستثناء سد الوحدة على نهر اليرموك، مع الأخذ بالاعتبار تأثير الرواسب والطمي في تقليل السعة التصميمية وبالتالي الكميات الفعلية القابلة للاستخدام.

وأضاف أن امتلاء عدد من السدود الرئيسة، سيسهم في إعادة توزيع الموارد المائية بشكل أكثر كفاءة، لافتا إلى أن امتلاء سد التنور بكامل سعته البالغة نحو 15 مليون م3 وسد ابن حماد بسعته البالغة نحو 4 ملايين م3، سيؤدي للتقليل من الاعتماد على سد الموجب في تزويد صناعات البوتاس، ما يتيح إعادة تخصيص كامل كميات سد الموجب والبالغة 30 مليون م3 لغايات الشرب في محافظة العاصمة عبر منظومة نقل المياه زارة ماعين ابو علندا، وفي محافظة الكرك عبر منظومة الموجب شيحان.

وشدد على دور امتلاء سد الوالة بسعته الكاملة البالغة 25 مليون م3، في المساهمة برفع منسوب المياه في آبار الوالة الهيدان، ما يؤدي لزيادة كميات الضخ منها، إلى جانب دعم التوجه نحو حفر آبار إضافية لتعزيز التزويد المائي في كل من محافظة العاصمة ومحافظة مادبا.

كما أشار إلى أن امتلاء سد الملك طلال بسعته البالغة 75 مليون م3، سيساعد في تقليل استخدام المياه الجوفية العذبة أو المالحة في الاغوار الوسطى، ما يتيح إعادة تخصيص هذه الموارد لاستخدامات الشرب أو الاستخدامات الاخرى.

ولفت لأهمية أن تتضمن الموازنة المائية كميات المياه الاضافية والتراكمية الناتجة عن تخفيض فاقد المياه خلال العام 2026، حيث سينعكس ذلك على تحسين التزويد المائي للمواطنين وتوفير كميات اضافية لغايات الشرب والري في مختلف المناطق، متابعا أنه تم رصد منح ومخصصات مالية ضمن موازنة قطاع المياه تزيد على 50 مليون دينار لهذا الغرض.

وأكد أن الهطل المطري المرتفع سيسهم كذلك في زيادة الاعتماد على مياه الينابيع التي ستكون أعلى من معدلاتها السنوية، مع استمرار جريانها لفترة أطول خلال موسم الصيف، وهو ما يشكل عنصرا مهما في الموازنة المائية خاصة في محافظتي جرش وعجلون، وسيساعد في تقصير مدة دور المياه التي تجاوزت ثلاثة اسابيع، إضافة إلى أن رطوبة التربة ستستمر لفترة أطول ما يقلل من الحاجة لمياه الري خلال الموسم الصيفي.

وأوضح أن حصة المياه الجوفية من الآبار الحكومية والخاصة المرخصة والمتوقع تضمينها في الموازنة المائية المقبلة ستكون قريبة من كميات العام السابق، مع التأكيد على ضرورة إعطاء أولوية قصوى لصيانة وإعادة تأهيل الآبار المتوقفة لتكون مصدرا احتياطيا رديفا يتم اللجوء إليه خلال ذروة الطلب في الصيف، خاصة مع عودة المغتربين وزيادة النشاط السياحي وارتفاع درجات الحرارة، بما يعزز قدرة النظام المائي على الاستجابة لمختلف السيناريوهات المتوقعة.

صيف مريح

وبالاستناد إلى هذه المؤشرات، يطرح واقع الموسم المطري الحالي نفسه كعامل حاسم في تحديد شكل التزويد المائي القادم، وفق ما أكده خبير المياه الجوفية والسدود د. إلياس سلامة، الذي أشار إلى أن المعطيات المتوفرة أظهرت أن الوضع المائي في المملكة خلال الموسم الصيفي المقبل سيكون مريحا.

وقال إن تلك المعطيات تكشفت في ظل المؤشرات الإيجابية المرتبطة بارتفاع نسب الهطلات المطرية خلال الموسم الشتوي الحالي.

وأضاف أن القراءة العامة للواقع المائي، أظهرت أن المملكة تتجه نحو صيف يخلو من مشكلات مائية رئيسة، ما يعكس تحسنا ملحوظا في مؤشرات التزويد والاستقرار المائي مقارنة بمواسم سابقة.

وبين التفاؤل الذي تعكسه الأرقام الرسمية، والتحفظ الذي يبديه الخبراء، تتحدد ملامح الصيف المائي المقبل في الأردن، حيث تبقى وفرة المياه هذا العام عاملا داعما، لكن الإدارة الكفؤة تظل العامل الحاسم في تحويل هذا الفائض إلى استقرار مستدام في التزويد.

الغد





سرايا المصدر: سرايا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا