آخر الأخبار

خبراء: الاستهلاك بدافع الخوف يفتح الباب للاحتكار وارتفاع الأسعار

شارك

سرايا - ضمن قاعدة اقتصادية تبدو بديهية، يبقى الطلب على السلع والخدمات هو المحرك الرئيسي للأسواق، فكلما تسارع إيقاعه انعكس ذلك مباشرة على مستويات الأسعار؛ لكن هذه المعادلة تبدو أكثر حساسية وخطرا في أوقات الأزمات.


ومع تصاعد حدة الحرب العسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم، شهد الطلب على كثير من السلع الأساسية إقبالا متزايد بدافع "التحوط"، وهو سلوك قد يبرره البعض في سياق القلق العام، لكنه يفتح الباب أمام اختلالات مؤقتة قد تتجاوز حجم الأزمة نفسها، ويدفع بتساؤلات جوهرية إلى الواجهة: كيف يمكن للاستهلاك الواعي أن يحافظ على استقرار الأسواق؟ وإلى أي مدى يبدو الرهان على وعي المواطن كافيا في لحظة يغلب عليها الخوف من المستقبل؟
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال دور الحكومة، إذ يؤكد خبراء أن الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات فورية لضبط السوق، من خلال وضع سقوف شراء للسلع ومنع الاحتكار أو هيمنة أي تاجر على السلع الأساسية والتموينية.
وفي هذا السياق، أكد خبراء اقتصاديون أهمية تعزيز الوعي الاستهلاكي لدى المواطنين كأداة رئيسة لمواجهة آثار الأزمات الاقتصادية والسياسية على الأسواق والأسر الأردنية، وطالبوا بضرورة تكاتف جهود الحكومة والمواطنين والتجار لضمان استقرار الأسعار والمحافظة على المخزونات الأساسية.
وأوضح الخبراء أن الاستهلاك الواعي يساهم في منع ارتفاع الأسعار الناتج عن الطلب المفرط، ويحد من عمليات التخزين غير المبررة، ويكفل بقاء المخزونات الإستراتيجية متاحة لفترات أطول، ما يمنح الدولة وقتًا إضافيًا لإعادة التوريد وتعويض الفاقد.
كما أشاروا إلى أن غياب هذا الوعي يؤدي إلى خلل في السوق، ويفتح المجال للاحتكار والمضاربة، ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد، ويؤثر سلبا على ميزانيات الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وطالب الخبراء بوجوب إطلاق الحكومة والجهات المعنية حملات توعوية وإرشادية مستمرة، وتعزيز الشفافية في الإعلان عن المخزونات، وربط دعم القطاعات والأسر بالسلوكيات الإيجابية، لضمان قدرة المواطنين على الشراء بعقلانية، وتوفير السلع لجميع الأسر، والحفاظ على استقرار السوق في أوقات الأزمات.
التوعية الاستهلاكية أداة لمواجهة آثار الأزمات على الأسر والأسواق
وقال رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك محمد عبيدات "يجب في أوقات الأزمات أن يكون جميع أطراف العملية الاستهلاكية التبادلية واعين (الحكومة والتجار والمواطنون)، لأن الوعي في هذه الظروف يضمن استقرار الأسعار ويحافظ على الوضع العام للبلاد".
في المقابل، أكد أن الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات فورية لضبط السوق، من خلال وضع سقوف شراء للسلع ومنع الاحتكار أو هيمنة أي تاجر على السلع الأساسية والتموينية التي تحتاجها الأسر الأردنية.
في الوقت نفسه أشار إلى أن المواطنين عليهم أن يكونوا واعين عبر الشراء العقلاني، وعدم تخزين السلع بكميات تزيد عن حاجتهم، خصوصًا وأن المخزون يكفي لعدة أشهر.
أما التجار، فيجب أن يكونوا واعين أيضًا، وعدم احتكار السلع أو رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، لأن ذلك قد يعطي أرباحا قصيرة المدى، لكنه سيؤدي على المدى الطويل إلى خسائر نتيجة ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
ولفت عبيدات إلى أن غياب الاستهلاك الواعي يؤدي إلى خلل واضح في عملية الشراء والاستهلاك، ويحرمان عددا كبيرا من الأسر التي لا تمتلك القدرة الشرائية، ويتيح للبعض احتكار السلع وبيعها بأسعار مضاعفة، مستغلين الظروف الاقتصادية الصعبة للمواطنين.
وشدد عبيدات أن المواطن الأردني لا يزال بحاجة إلى مزيد من الثقافة الاستهلاكية والشرائية، ويجب إطلاق حملات توعوية وإرشادية لتعريفه بخطورة الشراء غير العقلاني والشراء الإدماني، لضمان حماية الأسر والأسواق في أوقات الأزمات.
وقال المختص في الاقتصاد السلوكي حسام عايش إن "الاستهلاك الواعي يقوم على تدبر الحاجات واستخدامها بكميات مناسبة، وتجنب الهدر والتخزين المفرط، بمعنى شراء واستخدام ما نحتاجه فعلا، وبكميات مناسبة، والتوقف عن حالة الهلع والشراء غير المنضبط".
ويضيف أن هذا النوع من الاستهلاك يسمح للأسر بالتمسك بالنمط الاستهلاكي المعتاد، ويقلل من هدر الطعام، ويوفر على الاقتصاد العام والخاص للأسرة.
وأكد عايش أن الاستهلاك المعتدل يمنع ارتفاع الأسعار والدفع نحو الشراء المفرط، ويحافظ على توفر السلع للجميع، ويطيل عمر المخزونات الإستراتيجية على مستوى الدولة والقطاع الخاص والأسر، ما يتيح وقتا إضافيا لإعادة التوريد وتعويض الفاقد.
وتابع "غياب هذا الوعي يؤدي إلى نقص مصطنع في السلع، وارتفاع الأسعار، ويوجد فرصا للمضاربة والاحتكار، ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد ويؤدي إلى اختناقات في النقل والتوزيع، كما يوسع السوق السوداء، ويستنزف المخزونات الإستراتيجية بسرعة، مما يقلل قدرة الدولة على إدارة الأزمة".
وأشار عايش إلى أن غياب الانضباط في الاستهلاك يؤدي إلى إرهاق ميزانيات الأسر، فقدان المرونة المالية، واستخدام بطاقات الائتمان والاقتراض، ما يقلل قدرتها على التكيف مع ارتفاع الأسعار لاحقا ويؤثر على إنفاقها على الاحتياجات الطارئة.
وبين أن ثقافة الاستهلاك الذكي تختلف بين الأسر، ففي الأوقات العادية يمكن للأسر التخطيط للإنفاق، والبحث عن بدائل، ودعم المنتجات الوطنية، لكن أثناء الأزمات يتراجع هذا السلوك ويعود البعض إلى العادات التقليدية، متأثرين بالهلع والإشاعات، ما يؤدي إلى استهلاك غير منضبط.
ويرى عايش أن إدارة الاستهلاك الواعي تتطلب دورا مزدوجا من الحكومة، من خلال تحديد سقوف شراء السلع الأساسية، مراقبة الأسعار، منع الاحتكار، ضخ السلع بشكل مستمر، التوعية عبر حملات مثل 'اشترِ حاجتك فقط'، وربط الدعم بالسلوك الإيجابي؛ ومن المواطنين، بالالتزام بالكميات المحددة والتخطيط للاستهلاك، وعدم الانجرار وراء الخوف أو الإشاعات.
وزاد "الرهان في هذه المرحلة على وعي المواطن وثقته بقدرة الحكومة على إدارة المخزونات وضبط الأسواق، وتقديم المعلومات والبيانات بشكل شفاف ومستمر، ما يضمن توفر السلع ويحد من آثار الأزمات على المجتمع".

إدارة الأزمة والسيطرة على الأسواق
بدوره أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن الطلب هو المحرك الأبرز للأسواق، وكلما ارتفع انعكس مباشرة على الأسعار، وهذا الأمر يزداد حساسية في أوقات الأزمات والحروب.
وأضاف أن المستهلك يحتاج إلى وعي كاف حتى لا يتحول الطلب إلى زيادة غير مبررة تتجاوز الحاجة الفعلية، ما يؤدي إلى تضاعف الطلب وندرة في العرض، مع ارتفاع الأسعار نتيجة الخوف من الانقطاع أو ارتفاع الأسعار وحدوث أزمات وحروب.
وأوضح دية أن سلوك المستهلك في هذه الظروف يذهب نحو مزيد من الطلب وتخزين السلع، ما يضاعف التأثير على الأسواق.
ومع الحرب الحالية في الشرق الأوسط، وتزامن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار المحروقات، ظهرت مخاوف حول تأثر سلاسل الإمداد والتوريد، مما دفع المواطنين إلى زيادة تخزين السلع، وأتاح للبعض استغلال الأزمة لتحقيق أرباح واحتكار السلع
ولفت دية إلى أن الوعي وثقة المستهلك بقدرة الحكومة على تأمين أساسيات الحياة وضمان استمرارية عمل القطاعات المختلفة من مطارات وشحن بري وجوي ومصانع وزراعة، يمثلان عنصرا أساسيا في ضبط الطلب والأسواق، فغياب الوعي والخوف الزائد يؤدي إلى تخزين مفرط وارتفاع الأسعار، ويضغط على ميزانيات الأسر والقوة الشرائية، بينما توفر المعلومات الصحيحة وثقة المواطن بالإجراءات الحكومية يساهمان في استقرار السوق وتقليل أثر الأزمات
وشدد دية على أنه كلما كان الطلب طبيعيا وبمقدار قدرة السوق على تأمين احتياجات السلع الأساسية، كلما بقي الطلب ضمن حدوده المنطقية والأرقام الاعتيادية التي تعود عليها السوق من مصنعين وتجار وموردين ومزارعين، وبالتالي تبقى الأسعار ضمن نطاق سعري قريب للطبيعي، ويكون أي ارتفاع محدودا، نتيجة زيادة تكاليف الطاقة أو أجور الشحن، ولا يتجاوز أحيانا 10 %.
في المقابل، فإن الطلب غير الطبيعي وغير المبرر، المرتبط بالإشاعات والخوف وتناقل الأخبار غير الصحيحة، أو عدم الثقة بقدرة الحكومة على إدارة الأزمة والسيطرة على الأسواق وضمان المخزون واستمرار سلاسل الإمداد، فكل هذا بحسب دية، يساهم في ارتفاع الأسعار وانعكاسات سلبية على الأسر والقوة الشرائية الخاصة بها.

الغد





سرايا المصدر: سرايا
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا