آخر الأخبار

العلمانية والدين في الحكم: قراءة في التجربتين الغربية والإسلامية

شارك

السفير ماهر لوكاشه

تثير مسألة العلاقة بين الدين والدولة جدلاً واسعاً في الفكر المعاصر، إذ يرى البعض أن فصل الدين عن الدولة في الغرب قد أدى إلى انحدار أخلاقي، بينما يعتقد آخرون أن التمسك بالدين في الحكم قد أعاق التقدم في العالم الإسلامي. ولعل الحقيقة أكثر تعقيداً مما تبدو للوهلة الأولى، إذ تتداخل فيها عوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية لا يمكن اختزالها في معادلة بسيطة.

جاء فصل الدين عن الدولة في أوروبا نتيجة صراعات دموية طاحنة، أبرزها حروب الثلاثين عاماً التي راح ضحيتها الملايين. لم تكن العلمانية إذن مجرد رغبة في الابتعاد عن الدين، بل محاولة لإنهاء صراعات مذهبية عصفت بالقارة الأوروبية. وقد رأى مفكرو عصر التنوير أن الحل يكمن في إنشاء مجال عام محايد دينياً، يتيح للجميع المشاركة السياسية دون إكراه ديني. لا يمكن إنكار أن الدول الغربية حققت تقدماً ملحوظاً في مجالات العلم والتكنولوجيا وحقوق الإنسان، فقد أنشأت أنظمة ديمقراطية، وأرست سيادة القانون، وحققت رفاهية اقتصادية واسعة. غير أن هذا لا يعني خلو النموذج الغربي من الإشكاليات الأخلاقية.

فحوادث مثل فضيحة إبستين تكشف عن جانب مظلم في المجتمعات الغربية، حيث استُغلت السلطة والثروة لارتكاب جرائم مروعة. كما أن المادية المفرطة، وتفكك الأسر، وانتشار الاكتئاب والإدمان، تشير إلى أزمة قيمية حقيقية. لكن السؤال المطروح: هل العلمانية هي السبب الوحيد أم الرئيسي لهذه الظواهر؟ الواقع أن الانحدار الأخلاقي - إن صح التعبير - لا يمكن ربطه بالعلمانية وحدها. فالرأسمالية المتوحشة، التي تجعل الربح المادي أعلى قيمة، تتحمل نصيباً كبيراً من المسؤولية. كذلك، فإن ثقافة الاستهلاك، والإعلام المنفلت، والتفكك الاجتماعي، كلها عوامل مركبة لا يمكن اختزالها في غياب الدين عن الدولة.

ثم إن العلمانية الغربية لم تُلغِ الدين من المجتمع، بل فصلته عن السلطة السياسية. فلا يزال الدين حاضراً في حياة ملايين الغربيين، وتلعب المؤسسات الدينية دوراً مهماً في العمل الخيري والإرشاد الروحي. المشكلة ليست في غياب الدين، بل ربما في تراجع منظومة قيمية شاملة تربط بين الفرد والجماعة والمعنى الأسمى للحياة.

من الخطأ الحديث عن "الدول الإسلامية" ككتلة واحدة متجانسة. فهناك نماذج متباينة: من دولة تطبق الشريعة الإسلامية بصرامة، إلى دولة اخرى تبنت العلمانية لعقود، إلى دولة ثالثة تجمع بين الإسلام والديمقراطية، إلى إيران ذات النظام الثيوقراطي الشيعي. يرى المدافعون عن ارتباط الدين بالدولة أن الشريعة الإسلامية توفر منظومة أخلاقية متكاملة تحفظ كرامة الإنسان وتصون المجتمع من الانحلال. ويشيرون إلى أن المجتمعات الإسلامية المحافظة تعاني أقل من مشكلات مثل التفكك الأسري، والإدمان، وانحراف الشباب.

غير أن الواقع يكشف عن تناقضات صارخة. فرغم وجود الدين في صلب النظام السياسي في بعض الدول الإسلامية، نجد انتشاراً للفساد، وقمعاً للحريات، وتهميشاً للمرأة، وتأخراً تنموياً. بل إن بعض الأنظمة استخدمت الدين كأداة لإضفاء الشرعية على حكمها الاستبدادي، مما أفرغه من جوهره الروحي والأخلاقي.

ليس التمسك بالدين كدين للدولة هو السبب الرئيسي لتأخر التنمية في العالم الإسلامي، فالأسباب أعمق وأكثر تعقيداً. معظم الدول الإسلامية تعاني من أنظمة استبدادية تقمع الحريات وتعطل المشاركة الشعبية، مما يخنق الإبداع والابتكار. كما أن الحقبة الاستعمارية تركت ندوباً عميقة في البنى السياسية والاقتصادية، وأدت إلى رسم حدود مصطنعة وزرع صراعات مستمرة. تنفق الدول الإسلامية نسبة ضئيلة من ناتجها القومي على البحث والتطوير، كما أن نظمها التعليمية تركز على الحفظ والتلقين بدلاً من النقد والإبداع. استنزفت الحروب والنزاعات الطائفية موارد ضخمة كان يمكن توجيهها للتنمية، كما سيطر الفكر التقليدي الرافض للاجتهاد على المؤسسات الدينية، مما حال دون تجديد الخطاب الديني وتكييفه مع متطلبات العصر.

ربما يكون السؤال الأصح ليس "هل فصل الدين عن الدولة خطأ أم صواب؟"، بل "ما هي العلاقة الصحية بين الدين والدولة والمجتمع؟". فالدين، بما يحمله من قيم أخلاقية وروحية، يظل مصدراً مهماً للهداية والإرشاد. لكن استخدامه كأداة سياسية، أو فرضه بالإكراه، يشوه رسالته ويحوله إلى وسيلة للقمع والاستبداد.

من التجربة الغربية، يمكننا أن نتعلم أهمية الفصل بين السلطة الدينية والسياسية لمنع الاستبداد الديني، واحترام التعددية والحريات الفردية، والاستثمار في العلم والتعليم والبحث العلمي، وسيادة القانون والمساءلة. ومن التجربة الإسلامية المعاصرة، نتعلم خطورة استغلال الدين لتبرير الاستبداد، والجمود الفكري ورفض الاجتهاد، وإهمال التعليم والتنمية البشرية، وتهميش نصف المجتمع. لكن علينا أيضاً أن نعترف بنجاحات معينة في بعض المجتمعات الإسلامية، كالحفاظ على تماسك الأسرة والروابط الاجتماعية، والتضامن الاجتماعي والعمل الخيري، والحفاظ على قيم معينة مثل احترام الوالدين والأقارب.

لا يمكن إلقاء اللوم على طرف واحد. فالغرب يتحمل مسؤولية تاريخية عن الاستعمار واستنزاف موارد العالم الإسلامي، وعن دعم الأنظمة الاستبدادية حين تخدم مصالحه. كما يتحمل مسؤولية عن نشر نموذج اقتصادي جشع يجعل المال والربح أعلى القيم. لكن الأنظمة والنخب في العالم الإسلامي تتحمل أيضاً مسؤولية كبيرة عن الاستبداد والفساد وإهمال التعليم والتنمية، وعن استخدام الدين كغطاء لممارسات بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام الحقيقي.

ربما يكون المخرج من هذه المعضلة هو البحث عن نموذج يجمع بين القيم الروحية والأخلاقية التي يوفرها الدين، والحريات والحقوق التي حققها الفكر الحديث، والعدالة الاجتماعية التي تحد من جشع الرأسمالية، والاجتهاد والتجديد الذي يجعل الدين حياً ومتجدداً. ليست المشكلة في الدين ذاته ولا في العلمانية ذاتها، بل في كيفية تطبيقهما وفي المصالح السياسية والاقتصادية التي تشكل هذا التطبيق. فالدين حين يُستخدم للقهر والاستبداد يفقد جوهره، والعلمانية حين تتحول إلى مادية مفرطة وإنكار لكل قيمة متعالية تفقد إنسانيتها.

إن التحدي الحقيقي أمام البشرية جمعاء - غرباً وشرقاً، مسلمين وغير مسلمين - هو بناء مجتمعات تحترم كرامة الإنسان وحريته، وتوفر له الأمن والرخاء، وتحفظ له قيمه الأخلاقية والروحية، دون قهر أو استبداد، ودون مادية جافة تفرغ الحياة من معناها. ذلك هو الطريق الصعب، لكنه الطريق الوحيد نحو مستقبل أفضل للإنسانية جمعاء.





عمون المصدر: عمون
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا