آخر الأخبار

تعليمات الطبابة عن بعد تفتح جدلاً حول «صرف الدواء»

شارك

سرايا - في الوقت الذي يتصاعد فيه الحديث عن التحول الرقمي وتوسيع تطبيقات الطبابة عن بعد يبرز موقف مهني رافض لتطبيق هذا النظام على الصيدليات بصيغته الحالية.

موقف لا ينطلق من رفض للتكنولوجيا أو التطور، بل من قراءة مهنية وقانونية ترى أن توسيع الطبابة عن بعد ليشمل صرف وتوصيل الدواء يمس مباشرة بسلامة المرضى، ويعيد تعريف الرعاية الصحية بمنطق السوق والخدمة اللوجستية، بدلا من منطق الحماية والمسؤولية المهنية.

وفي هذا السياق، أكدت لجنة «بوصلة» التي تمثل معظم التيارات والتجمعات الصيدلانية الفاعلة على الساحة، وتضم صيادلة نقابيين مستقلين وأصحاب صيدليات، رفضها لتطبيق نظام الطبابة عن بعد فيما يخص الصيدليات، حرصا على سلامة المرضى، وضمان الدور المهني للصيدلي، ومنع اختزال مهامه في مجرد توصيل الأدوية.

من جهته أوضح الصيدلاني أكثم عميش أن جوهر الاعتراض الصيدلاني لا يقوم على اعتبارات فئوية أو نقابية، بل على مسؤولية مهنية ووطنية، مشيرا إلى أن الصحة لا يمكن إدارتها بمنطق السوق، وأن الدواء ليس سلعة عادية يمكن التعامل معها عبر منصات رقمية وخدمات توصيل.

واعتبر أن التعليمات المرتبطة بنظام الطبابة عن بعد تتعارض مع تشريعات مهنية واضحة، من بينها قانون الدواء والصيدلة، وقانون الصحة العامة، وقانون النقابة، حيث أن بعض التعليمات لا تكتفي بمخالفة القوانين، بل ترتكب مخالفات إضافية على نصوص أصلا غير منسجمة قانونيا.

أما الصيدلاني فيصل الجعافرة أوضح، أن الطبابة عن بعد بحد ذاتها ليست موضع خلاف، بل قد تشكل تجربة ناجحة ومطلوبة عند استخدامها في السياق الصحيح، خصوصا في القطاع العام، أو لخدمة المرضى في المناطق التي تفتقر إلى تخصصات دقيقة أو نادرة.

وأشار إلى أن الإشكالية تبدأ عند توسيع هذا المفهوم ليشمل صرف وتوصيل الدواء، وهو ما يتعارض مع أسس السلامة الدوائية، ومع الدور العلمي والمهني للصيدلاني، وطبيعة الدواء كمنتج حساس لا يجوز التعامل معه كخدمة لوجستية أو إجراء تقني مجرد.

بدوره حذر الصيدلاني إبراهيم الرواشدة من أن من أخطر ما ورد في النظام المقترح، ربط تقديم الخدمة برسوم مساءلة أو نماذج تعاقدية، قد تؤدي عمليا إلى تخفيف أو رفع المسؤولية عن مقدمي الرعاية الصحية في حال وقوع الخطأ.

وتساءل من يتحمل المسؤولية في حال حدوث مضاعفات دوائية أو أخطاء علاجية؟ وهل يعقل أن تقدم الرعاية الصحية بمنطق الجباية والعقود بدلا من منطق الحماية والمساءلة المهنية؟، معتبرا أن أي مساس بمفهوم المسؤولية الطبية ينعكس مباشرة على سلامة المواطن وثقته بالنظام الصحي.

ورأى الصيدلاني خالد حلمي أن نظام التوصيل يفرّغ المهنة الصيدلانية من بعدها الصحي والإنساني، ويحول الصيدلي من شريك أساسي في القرار العلاجي إلى منفذ طلبات، في مشهد أقرب إلى توصيل الطلبات التجارية منه إلى ممارسة مهنة علمية، تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتدريب.

وبين أن نسبة البطالة بين الصيادلة الإناث تفوق الذكور، وأن عدد الصيادلة المسجلين في النقابة يبلغ حاليا نحو 32 ألف صيدلي، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 50 ألفا بحلول نهاية عام 2026.

وحذر من أن استمرار اختزال دور الصيدلي سيضاعف معدلات البطالة، وقد يؤدي إلى إغلاق عدد كبير من الصيدليات، وصولا إلى سيناريوهات خطرة يستبعد فيها الصيدلي عن دوره الأساسي كشريك في الرعاية الصحية.

وأوضحت الصيدلانية لارا برقان أن النظام يفرض أعباء مالية إضافية على المواطن تشمل الكشفيات، والفحوصات، وأجور التوصيل، ككلف تقنية غير مباشرة، وذلك في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة، دون ضمان حقيقي لتحسين جودة الخدمة أو أمانها.

كما أشارت في حديثها أن القطاع الصحي يعاني أصلًا من هدر دوائي يقدر بنحو 25% سنويا، وبقيمة تقارب 250 مليون دينار، فضلا عن هدر المستلزمات الطبية، محذرة من أن صرف الأدوية عن بعد سيؤدي إلى زيادة الهدر، وتراكم الأدوية غير المستخدمة في المنازل، وارتفاع حجم النفايات الطبية الخطرة، بما يتعارض مع التوجهات الوطنية في مجال الاستدامة وحماية البيئة.

وأجمع الصيادلة على أن القانون يمنع إعادة أي دواء خرج من الصيدلية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مصير الأدوية غير المستلمة، أو التي تبقى لدى شركات التوصيل في ظروف تخزين غير معروفة، ومن يتحمل مسؤولية سلامتها أو خسائرها.

كما حذروا من أن التوصيل يفتح المجال أمام تداول الأدوية المزورة أو المهربة، نتيجة غياب المناولة المباشرة داخل الصيدلية المرخصة، ما يشكل خطرا صحيا مباشرا على المرضى.

وأشار الصيادلة إلى أن النظام يقوم على فرضية صعوبة الوصول إلى الصيدليات، وهي فرضية لا تنطبق على الواقع الأردني، حيث يوجد نحو 5200 صيدلية مرخصة، بمعدل صيدلية لكل 1200 مواطن، مقارنة بمعدل عالمي يقارب صيدلية لكل 8000 مواطن، مع انتشار واسع في المدن والقرى والمناطق الطرفية.

وأكد الصيادلة في لجنة «بوصلة» موقفهم الداعم للتكنولوجيا والطبابة عن بعد، عندما تكون هناك حاجة حقيقية، لكنهم يرفضون صرف وتوصيل الدواء خارج الإطار المهني والإنساني الآمن، مشددين على أن الدواء ليس سلعة، والمريض ليس رقما، والصحة مسؤولية وطنية لا تدار بمنطق السوق.

الراي


سرايا المصدر: سرايا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا