خبرني - في قراءة انعكاسات المنخفض الجوي الذي شهدته المملكة أمس، يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كانت دقته الزمنية وشدته المطرية تضعه في خانة الحالات غير المسبوقة، ضمن سجل المربعانية، أم أنه امتداد لنمط جوي مألوف، وإن بدا أكثر حدة، وذلك وفق ما نشرته يومية الغد.
فالمعطيات؛ تشير إلى أن المنخفض الأخير لم يكن من حيث القوة المطلقة الأشد، مقارنة بمنخفضات سابقة، لكن ما ميزه هو التوقيت والدقة العالية في التنبؤ، بالإضافة لطابع الهطولات المكثف خلال فترات زمنية قصيرة.
فالوصول لـ60 % من المعدل المطري الموسمي في وقت مبكر نسبيا من الموسم، مؤشر لافت، لا من حيث الكمية حسب، بل من حيث انتظام توزعيها الزمني، والذي طالما شكل تحديا في مربعينيات الشتاء السابقة.
تحول نوعي في السلوك المطري
وبحسب مؤشرات وقراءات مبدئية، لا تصنف انعكاسات المنخفض، كحالة غير مسبوقة بالكامل في سجل المربعانية، وفق وزارة المياه والري، لكنها تمثل تحولا نوعيا في السلوك المطري من حيث الشدة والتركيز الزمني، وهو تحول يصعب فصله عن السياق الأوسع للتغيرات المناخية. ما يعني أنها ليست قطيعة مع الماضي، بل إشارة واضحة إلى أن ما كان يعد استثناء في السابق، بات يقترب من أن يصبح نمطا متكررا، يستدعي قراءة جديدة للمواسم المطرية المقبلة.
وتقليديا، عرفت المربعانية بتقلباتها الحادة ومنخفضاتها المتتابعة، إلا أن ما شهدته الحالة الأخيرة، يتجاوز الصورة النمطية، فالهطولات الغزيرة تركزت في ساعات محدودة، ورافقتها عواصف رعدية وزخات برد، مع مخاطر سيول وفيضانات في نطاق جغرافي واسع. وهذا النمط لا يمكن اعتباره غير مسبوق كليا في سجل المربعانية، لكنه يعكس تصاعدا في حدة الظواهر بدل امتدادها الزمني، ما يجعل أثرها أكثر خطورة برغم قصر مدتها.
أما على مستوى التنبؤ، فأظهرت النماذج الجوية عالية الدقة، قدرة متقدمة على تحديد مناطق التأثر وكميات الأمطار بدقة لافتة، مع توافق واسع بين أكثر من نموذج. وهذا التطور لا يعني بأن المنخفض استثنائي بذاته، بل إن آليات رصده وتوقعه باتت أكثر تقدما، ما سمح بالاستعداد المبكر والتحذير من مخاطره، وهو عنصر جديد نسبيا في التعامل مع منخفضات المربعانية.
ويبقى الربط مع التغيرات المناخية حاضرا بقوة في هذا السياق؛ فكثافة الأمطار في فترات قصيرة، وازدياد التباين الحاد بين فترات الجفاف والهطولات الغزيرة هما من السمات المرتبطة بالتغير المناخي في منطقة شرق المتوسط. وهذه الظواهر لا تعني بالضرورة زيادة إجمالي الأمطار سنويا، لكنها تشير لاختلال في نمطها الطبيعي، ما يرفع من احتمالات السيول ويضاعف التحديات المائية والهيدرولوجية.
هطولات جيدة وذات أثر إيجابي
وفي هذا السياق، أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة المياه عمر سلامة، في تصريحات لـ"الغد"، أن الموسم المطري الحالي، يحمل مؤشرات إيجابية، مشيرا إلى أن كميات الهطول المسجلة حتى صباح امس، تعكس تقدما لافتا في الموسم الذي يعد مبشرا "والحمد لله، وصلنا لـ60 % من الهطول المطري حتى صباح امس، وهذا يدل على أن الموسم جيد".
وأضاف سلامة، أن المنخفض الجوي الأخير، برغم عدم كونه الأقوى مقارنة بمنخفضات سابقة، لكن هطولاته كانت جيدة ومؤثرة، معربا عن الأمل بان تنعكس إيجابا على الوضع المائي. موضحا أنه "ليس أقوى من المنخفضات السابقة، لكن هطولاته جيدة، ونأمل بأن يكون لها اثر إيجابي".
ولفت إلى أن طبيعة بعض المنخفضات التي شهدتها المملكة الفترة الماضية، والمتمثلة بهطولات غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة، تندرج ضمن التغيرات المناخية التي تؤثر على المنطقة. مضيفا أن "ما شهدناه من هطولات غزيرة في أوقات قصيرة، يندرج ضمن التغيرات المناخية واثرها على المنطقة".
وبشأن الجاهزية الفنية، أشار سلامة إلى أن الفرق المختصة تتابع الأوضاع على نحو متواصل، لضمان سلامة المنشآت المائية واستمرارية عملها بكفاءة، كما "تجري متابعة مناسيب التخزين وسلامة المنشآت المائية، على مدار الساعة، وتعمل الفرق بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان الجاهزية والاستجابة السريعة لأي طارئ".
وحذر سلامة من مخاطر تشكل السيول في الأودية والمناطق المنخفضة، داعيا المواطنين للالتزام بإرشادات السلامة الصادرة عن الجهات الرسمية. مشددا على "ضرورة تجنب مجاري السيول والعبارات، وعدم الاقتراب من السدود والحفائر الترابية، والالتزام بالإرشادات الصادرة حفاظا على السلامة العامة".
كما بين بأن غرف الطوارئ في الوزارة وسلطة وادي الأردن وشركات المياه بالمحافظات تعمل بكامل طاقتها للتعامل مع البلاغات ومعالجة أي ملاحظات فنية قد تنجم عن الحالة الجوية. مؤكدا أن "غرف الطوارئ تستقبل البلاغات وتعالج أي ملاحظات فنية"، مشيرا إلى أن "الأمطار الحالية، رافد مهم للموارد المائية في ظل الظروف المناخية والتحديات المرتبطة بندرة المياه في الأردن".
وجدد تأكيده على أن متابعة الأحوال الجوية وتحديث الإجراءات يتمان على نحو مستمر، وفقا لتطورات الحالة المطرية، داعيا المواطنين إلى التواصل مع الجهات المختصة عند الحاجة.
تكرر الهطولات الكثيفة في المربعانية
وكانت توقعات دائرة الأرصاد الجوية، حذرت من حالة الطقس التي شهدتها المملكة أمس، إذ توقعت في وقت سابق، بأنه سيكون باردا جدا وغائما وماطرا في أغلب المناطق، وسط توقعات بأن تكون الأمطار غزيرة على فترات في الشمال والوسط، ويصحبها الرعد وهطول زخات غزيرة من البرد أحيانا.
ونظرا لغزارة الأمطار في بعض المناطق نبهت "الأرصاد" إلى خطر تشكل السيول في الأودية والمناطق المنخفضة، بالإضافة لتوقعات بهطول زخات ثلج فوق قمم الجبال العالية، تكون أحيانا ممزوجة بالمطر، وقد تتراكم على نحو محدود فوق قمم الجبال الجنوبية العالية (الشراة).
وكانت توقعات نموذج المركز العربي للمناخ "عالي الدقة" والمطور محليا، أظهرت احتمالية مرتفعة بأن تتعرض غالبية مناطق الأردن وفلسطين ولبنان وغرب وجنوب غرب سورية، لهطولات مطرية شديدة الغزارة بدءا من ليلة أمس (الثلاثاء) وطوال نهاره.
ووفق الخريطة الناتجة عن النموذج والتي تراعي التضاريس المحلية بدقة، وبعد مقارنتها مع نتائج النماذج الأخرى، تمحورت التوقعات بتسجيل كميات أمطار كبيرة في عدة مناطق، بينها عمّان، وأجزاء من السلط، ورام الله، والقدس، ومناطق جبلية في لبنان، ومرتفعات القلمون وشمال دمشق في سورية.
وتختلف شدة الهطول باختلاف المناطق، لكن خطر تشكّل فيضانات وسيول في مناطق واسعة، يبقى مرتفعا.
تقدم ملموس مقارنة بالموسم السابق
في السياق ذاته، توقعت "الأرصاد"، أن يطرأ ارتفاع قليل على درجات الحرارة اليوم (الأربعاء)، ليكون الطقس غائما جزئيا إلى غائم أحيانا، وباردا في أغلب المناطق، مع بقاء الفرصة مهيأة لهطول زخات خفيفة ومتفرقة بين حين وآخر في الأجزاء الغربية من المملكة. ومع ساعات المساء تضعف فرص الهطول وتميل الأجواء تدريجيا للاستقرار.
ويعكس المشهد المائي الذي رسمته المنخفضات الجوية الأخيرة، حالة مركبة تجمع بين التفاؤل المشروع والحذر الضروري، ما يضع هذه التطورات في قلب السياق التحليلي الذي سبق تناوله حول طبيعة الموسم المطري، وحدود استثنائيته، وعلاقته بالتغيرات المناخية. فالامتلاء السريع لعدة سدود وارتفاع نسب التخزين في وقت مبكر من الموسم، لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل كجزء من نمط مطري، يتسم بتكثف الهطولات في فترات قصيرة، وهي سمة باتت تتكرر في مواسم المربعانية الأخيرة.
وتشير المعطيات بوضوح إلى أن الموسم الحالي، سجل تقدما ملموسا مقارنة بالموسم السابق، سواء من حيث نسب الهطول أو التدفقات الواردة إلى السدود وأحواض التغذية، ما منح المخزون المائي دفعة مهمة وخفف من حدة القلق الآني، خصوصا فيما يتعلق بمياه الشرب والزراعة البعلية والشحن الجوفي. غير أن هذا التحسن برغم أهميته، لا يرقى بعد إلى مستوى التحول الجذري في مسار الأزمة المائية، وهو ما ينسجم مع القراءة السابقة التي رأت في هذه الحالات، تحولا نوعيا في السلوك المطري لا قطيعة كاملة مع الماضي.
ويبرز في هذا السياق، التناقض الدقيق بين الوفرة والتحذير، إذ تزامن امتلاء السدود مع مخاطر السيول والجريان السطحي الكبير، ما يعيد طرح سؤال الإدارة اكثر من سؤال الكميات. فجزء معتبر من هذه الهطولات ما يزال يذهب إلى التبخر أو الفاقد السطحي، وهذا يعزز الفرضية القائلة بأن التحدي الحقيقي لا يكمن بقلة الأمطار وحدها، بل في محدودية القدرة على التقاطها وتخزينها واستثمارها بكفاءة، بخاصة في ظل نمط مطري سريع وعنيف نسبيا.
كما أن تركّز الأمطار في فترة المربعانية، وتوالي المنخفضات ضمن نافذة زمنية قصيرة، يعززان الربط مع سياق التغيرات المناخية في شرق المتوسط، إذ لم تعد المشكلة في غياب الهطول، بل في عدم انتظامه وحدته. وهذا النمط يجعل من المواسم المطرية اكثر تقلبا، ويحوّل الأمطار الغزيرة من نعمة مطلقة إلى اختبار حقيقي للبنية التحتية وسياسات الإدارة المائية.
وبينما تفتح هذه التطورات نافذة أمل بتحسين التزويد المائي في الصيف المقبل، فإنها في الوقت ذاته تؤكد أن التعويل على موسم جيد، يظل رهانا مؤقتا ما لم يترافق مع تسريع مشاريع الحصاد المائي، وبناء سدود مساندة، وتعزيز الإدارة المتكاملة للموارد.
المصدر:
خبرني